أتريد منديلاً أم منديلاً تريد؟!


 

تحشيش-بالتعبير العراقي- أو أفيهة-بالتعبير المصري- من كلمات الممثل المصري عادل إمام في إحدى مسرحياته-مسرحية الواد سيد الشغال- يقابلها من يسمعها كالعادة بالضحك إذ يبدو الأمر مضحكاً خاصة مع طريقة الممثل في الكلام وتعابير الوجه.

في الحقيقة إن هناك فرق بين العبارتين لغوياً فأن تقدم الفعل في الاستفهام فأنت تريد شيء وأن تقدم الاسم في الاستفهام فأنت تريد شيئاً آخر ، هذا طبعاً بحسب اللغة -ومما لا يعرفه الممثل ولا كثيرون غيره أكيداً- وباب التقديم والتأخير في اللغة وأسبابه باب واسع ويفيد جداً لمن يريد معرفة الكثير من معاني القرآن الكريم وما دونه من الكلام الحكيم، ومن يطلع على هذا الباب ولو جزئياً سيعرف إنه فاته الكثير عن اللغة وإنه الكثير مما يظن إنه يفهمه من القرآن الكريم سيرى إن فهمه له لم يكن تاماً وسيعرف إن مهمة التفسير ليست مهمة بسيطة وساذجة يمكن أن يقوم بها أي عارف بظاهر اللغة العربية كما يحاول تصوير ذلك البعض.
يقول عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز الجزء الأول ص104 عن هذا الموضوع أي التقديم والتأخير في الاستفهام:

“ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة، فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت : أفعلت؟ فبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده .
وإذا قلت : أأنت فعلت؟ فبدأت بالاسم، كان الشك في الفاعل من هو، وكان التردد فيه . ومثال ذلك أنك تقول : أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ تبدأ في هذا ونحوه بالفعل، لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه مجوز أن يكون قد كان، وأن يكون لم يكن.

وتقول : أأنت بنيت هذه الدار؟ أأنت قلت هذا الشعر؟ أأنت كتبت هذا الكتاب؟ فتبدأ في ذلك كله بالاسم . ذاك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان، كيف؟ وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر مقولا، والكتاب مكتوبا، وإنما شككت في الفاعل من هو؟ “.

مما يعني وفقاً للنص الأول إنك في الاستفهام الأول “أتريد منديلاً؟” -لو كنت فاهماً للغة العربية ومراعياً لقواعدها طبعاً- فإنك تركز في استفهامك على جدية الإرادة، إي إنك تشك في وجود إرادة لدى من تسأل وهل هو يريد فعلاً أم لا بغض النظر عما يريده منديلاً أم غيره.

أما وفقاً للاستفهام الثاني “أ منديلاً تريد؟” فإنك تركز في الاستفهام عن كونه يريد منديلاً فعلاً أم شيئاً آخر غير المنديل، أي إن كونه يريد شيئاً فهذا مفروغ منه لديك والمشكوك به هو مصداق ما يريد هل هو المنديل أم شيء آخر.

وأمثلة ذلك كثيرة في اللغة العربية، وكذلك في الآيات القرآنية، كما في مثال :

قوله تعالى : “وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (يس:20)”، وقوله تعالى : “وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (القصص:20)”.

فوفقاً لقواعد التقديم والتأخير فإن الآية الأولى جرى فيها التقديم والتأخير للتركيز على مكان المجيء فالثابت هو مكان الانطلاق أما كون الرجل منتسب لأقصى المدينة فأمر محتمل، ومثاله كأن تقول: جاء من العراق رجل، فيصح أن تكمل الكلام وتقول: جاء من العراق رجل مصري، فالمجيء من العراق مؤكد ولكن كون الرجل عراقي محتمل غير مؤكد فقد يكون عراقياً وقد لا يكون.

أما الآية الثانية فهي وإن جاءت وفق معايير اللغة من مجيء الفاعل بعد الفعل مباشرة إلا إن لا يخلو من التحليل خاصة بالمقارنة من الآية السابقة، فأنت هنا تؤكد مجيء الرجل المنتسب إلى أقصى المدينة ولا تؤكد مكان الانطلاق، ومثاله كأن تقول: جاء رجل من العراق، فيصح أن تقول : جاء رجل من العراق قادماً من الشام، فمجيء الرجل العراقي مؤكد ولكن كونه قادم من العراق أو غيره هذا محتمل غير مؤكد.

مع العلم إنه قيل في أسباب التقديم والتأخير آراء أخرى ونحن هنا لا نذكر هذا الوجه على نحو التفسير ولكن على نحو الاحتمال وفقاً لقواعد اللغة العربية.

ما نقصده من كل ذلك هو التنبيه على أهمية اللغة العربية وسعتها وإننا وصلنا لمرحلة من الإهمال لها -وهي لغة القرآن الكريم- لدرجة إننا نسخر-لجهلنا وإهمالنا- مما يعد من الميزات البلاغية فيها ومما يؤثر علمنا به في فهمنا للقرآن الكريم!

فكم من جاهل بهذا وأمثاله خاض في آيات القرآن الكريم مفسراً أو مشككاً وهو لا يعرف من عمق اللغة العربية وأدواتها ما يناسب ذلك.

المقال السابقالفنان حكيم جاسم
المقال التالىوَعْدُ الماء
رشيد السراي كاتب وباحث من العراق لدي بحوث منشورة ومؤلفات مطبوعة ككتاب "العمل الإسلامي من الفردانية إلى المؤسساتية" وكتاب "مشاكل الإعمار في العراق خطوات نحو الحل"، ولدي أكثر من 180 مقال منشور في جرائد ومجلات ومواقع إلكترونية، اكتب في المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية وفي بعض الاحيان العلمية، وأع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد