مشتركات جودة التعليم ومقاصد التنوير

 

التعليم وآفاق متغيراته

بدءاً ينبغي التعرّف إلى مفاد جودة التعليم ومعاييره ومقاييسه. ولابد تعريفاً وتحديدا للمفهوم أن نقول عن جودة التعليم بأنها استجابة لمتغيرات حاجة السوق والمجتمع برمته؛ ومن ثمّ فهي القدرة النوعية المتسمة بمنظومة قيمية تتحدد بمعايير يمكنها من جهة أن توظف أفضل وآخر البيانات والتجاريب لصنع مخرجات تنسجم وحاجات السوق التي أشرنا إليها للتو في الإطار المجتمعي المخصوص، بما يدفع إلى وضعه بمنطقة التقدم الأعلى والأفضل في الإنجازية.

وعليه فالجودة ليست الإجراءات الإدارية وبيروقراطية أدائها، أيّاً كانت مخرجاتها بل هي القدرة النوعية على تحقيق المخرجات التي تفرضها الحاجة العامة مشروطة بمعايير التلبية والتحقيق دائم التحسّن والنمو على وفق متغيرات الحاجة ومطالبها. وأبرز تلك الحاجات في مجتمعنا بالمرحلة الراهنة هي مهمة التنوير لإزاحة ظلام التخلف والوهن في إرادة التنمية وخيار التقدم…

وفي ضوء ذلك، فإنّ تحقق مفهوم الجودة بسلامة ودقة موضوعية، يقتضي منظومة قيمية منفتحة على آخر ما توصلت إليه البشرية من جهة ومستعدة تماماً لاستقبال المتغيرات والتعاطي مع متطلباتها من نمو، متفاعل مع اشتراطاتها.. وهنا تُلزِمُنا الجودةُ بجملة إجراءات قادرة على تحقيق الخصائص المفترضة في المخرجات، هنا في التعليم العام وتضمّنه القيم التربوية فضلا عن المستوى الوظيفي التخصصي المتوقع من تلك المخرجات وهذا يفرض أيضاً وجود عوامل الارتقاء بمستوى الأداء من أدوات وبيئة اشتغال بكل تفاصيل البنى التحتية للعملية التعليمية، تتكامل مع مجموع المفردات المتضمّنة لتحقيق العمل الموصوف بالجودة.

والقصد من وراء فكرة التفتح والاتصال بالآخر والتفاعل معه، يعني تنوير العقل ومنحه سمات اشتغال تؤنسِن المسار وترتقي به تقدماً وتطوراً واحتراماً يفي الإنسان حقوقه وحرياته ورعاية وجوده ومتطلبات عيشه بأفضلها…

على أن َّ الإشكال في تعريف الجودة ومفهومها لا يكمن في تعدد الرؤى وربما اختلافها بل في خروج بعض التعريفات عن حصر التعريف بمحدداته المستهدفة؛ باتجاهٍ ينزلق في استبداله حيث التعبير عنه بكونه الإجراءات أو من ينهض بها، بالإشارة إلى الإدارة أو أطراف التمدرس.. وهذه في الحقيقة جميعاً ليست سوى عناصر إنَّما تدخل في تحقيق الجودة، التي تعني عندنا الأمر المعبر عنه بمستويات المخرجات نوعياً على وفق خصائص وسمات قيمية معرفية تنبع من منطقة التطور و\أو التقدم البشري في اللحظة التاريخية المعلومة.

فما يمثل الجودة من حصيلة قيمية ومعايير في مرحلة وبلد ليس هو نفسه في مرحلة زمنية أخرى ومنطقة مختلفة.. على أنّ الجودة ليست مهارة مُخرَج أو آخر للتعليمين العام و\أو العالي من جهة ضبط المعلومة بصيغة الحشو كما صنع الآلات وأجهزة الكومبيوتر مثلا؛ ولكنها أبعد من ذلك مقتضيات نوعية شاملة تتضمن ثقافة توظيف المعلومة إبداعياً على وفق الحاجة والمطلب المتحرك المتغير دوماً…

وإذ نتحدث عن الجودة، يلزمنا أن نتوقف عند معاييرها التي تفصل بين سلامة البيئة التعليمية من خطلها وإخفاقها.. وهنا نجد أن محاور الإيجاب في صنع الجودة وتحقيقها تتمثل في جوانب منها بالآتي:

1. دعم عناصر البيئة التعليمية من طلبة ومعلمين على التكيّف مع أهمية الجودة وتبني تأثيرها النهائي على نوعية المخرجات ومن ثمّ على اهتمامات الأفراد الحياتية وطابع عيشهم حيث يتحقق بناء جسور الأنسنة والعلاقات المفتوحة بسلامتها في أفق تنويري المنحى..

2. توفير القناعة التامة بأهمية المراجعة والتقويم والتقييم بما يؤدي إلى معالجة الأخطاء والثغرات والنواقص التي قد تحدث في مسار التطبيق والاشتغال ومنطق التنوير هنا يتجسد في انفتاح العقل وتواضعه وتجنبه اصطناع الفهم لحساب بحثه الحر عن التنضيج بتفاعل غيجابي مع تجاريب الآخر حيث تبادل الاحترام والعيش بمبدا التعاضد والتفاهم وتبادل النفع وتقاسم العيش يسلامة.

3.تحسينٌ واجبٌ وملزم باستمرار، في الأداء ووسائله مع قياس متغيرات النمو والتطور في المخرجات، ومتطلبات استكمال ما لا يظهر جلياً ملموساً فيها.

ولعل مثل تلكم المحاور تتطلب بشكل متداخل معالجةً أو نظرةً شاملة إلى جودة أو مستوى نوعياً مُقاساً بدقة في ميادين:

1. المناهج والمقررات وأنشطة التمدرس حيث البحث في الكيفي النوعي لا الكمي من حشو المعلومات ولنقل التركيز على احتوائها على تعلّم الوسائل وطرائق الإبداع والتحدي بدل حشو المقررات بمعلومات محتشدة كمياً والتنوير هنا يحسب الحياة في الأنسنة والرضى والقناعة التي تحترم الإنسان في حاجاته لا في ممتلكاته.

2. البنية التحتية لمؤسسات التعليم العام والعالي، المدارس والمعاهد والجامعات. أين تكمن الجودة هنا؟ بالطبع في نضج تلك البنية وكفايتها للتوظيف البنائي الأنجع؛ أما الكفاية تلبية للجودة فهي ما يتلاءم وتنوير العقل ليرى بيئته وبناها التأسيسية التحتية بصورة مناسبة لاشتغال نموذجي بالإيجاب…

3. كفاءة الموارد البشرية التدريسية منها والإدارية والخدمية. فكلما كانت مقتدرة متمكنة تمتلك إمكانية التحليل والمعالجة كانت أفضل إنتاجية وامتلكت علاقات متنوّرة ذات طابع إنساني أسلم…

4. فعاليات تكوين المؤسسة التعليمية وإنشائها، واستمرارية التنمية والتطوير فيها. إن القضية هنا سليمة تنويرية عندما تحكم قوانين التأسيس فلسفة الحداثة والمعاصرة ومنطقهما وإلا خلت من التنوير ومن العصرنة وسلامة الهدف والمخرجات مثلا عندما نتعكز على (حق) تأسيس المدرسة (الدينية) بما يخضع للتدين ومن ثم لفلسفة الإسلام السياسي بطائفيته وظلاميته بخلاف منطق التنوير بتشكيل المؤسسة التعليمية..

5. توفير المصادر المادية ومنها بشكل رئيس المالية وإدامة تحسين الاستثمار وسلامة إدارة أدائه بما يعني ويتضمن الترشيد والتحكم الموضوعي والتصدي لعوامل الفساد. حيثما قامت الأمور على ترشيد وضبط وربط بالقوانين الأحدث أتت الأمور بنتائج تنويرية الاتجاه وبخلافها إذا ما اتجهت إلى ما يسمح بالفساد والإفساد فإن الأمر سيعبر الحدود المالية الإدارية ليدخل في منطقة قيمية أخلاقية وسيخرج باتجاه مخرجات مرضية تمثل فيروسات المخاطر الأكثر اصطناعا لرعب وهول إرهاب القوى البشرية مجتمعة.

6. تشكيلُ انطباعٍ كليّ و\أو موقفٍ مجتمعي إيجابي يشمل عناصر التمدرس من معلمين ومتعلمين وجهات استفادة واستثمار في المخرجات فمن دون الانطباع الكلي الأشمل هذا تظل توجهات (الإنسان: فردياً جمعياً) هائمة في لا اتجاه ومن ثم في العيش بعتمة وظلمة تدفع للتقوقع والانغلاق حيث بركة التخلف والظلامية بخلاف عالم التنوير المتفتح المنفتح..

7. على أنّ تحقيق الجودة يلزمها التخطيط الأشمل والاشتغال انطلاقاً من نظر متعمق تجاه الأهداف المحددة المرسومة مسبقاً وخارطة طريق الوصول إلى تلك الأهداف، حيث تقبل المسيرة المراجعةَ والتعديلَ إلى جانب اعتماد تنمية البعد الإبداعي وقدرات الخلق والتفاعل مع المستجدات عندما نزيل منطق التعليم الكتاتيبي الملائي ونستثمر في إيجاد بيئة عمل تظل (مستقلة) ذاتياً وإن تكاملت مع الآخرين وتفاعلت وإياهم..

وحيث أنَّ معيار الجودة يمثل قياس المخرجات نوعياً ومستوى إعدادها، ونتائج العملية التعليمية كان لابد من إشراك فعلي للمتعلم في مهمة التعلّم والتحصيل العلمي المعرفي إذ أنّ قصر العملية التعليمية على اتجاه أحادي من فوق إلى تحت أو من معلم إلى متعلم، سيحصر المتعلم بمنطقة لا تدفعه إلا لاشتغال آلي مثل آلة التسجيل الصماء! وهذا وحده لا يكفي فالشمول في توفير بيئة تعليمية أفضل لمخرجات أعلى نوعياً، يتطلب الانتباه على الدائرة الأوسع لبيئة التعليم أي المحيط المجتمعي ونظرته وأدواره ومهامه ومن ذلك أثر العلاقات الإنسانية واشتغالها في استنطاق الروحي الخلاق؛ من خلال احتفال المجتمع بدور العلم ومكانه ومكانته مجتمعياً إنسانيا..

ونحن نلمس هذا وانعكاسه في الفروق بين الريف والمدينة وبين العاصمة والمحافظات عندما تصير الاشتغالات مفتقرة للمساواة وتكافؤ الفرص ولما ينبغي توافره من علاقة إنسانية بالعلم ودوره المجتمعي، مع ظواهر أخرى نرصدها مثل القطع بين التجاريب والإخلال في أسس تشكيل البنى التحتية والاختيارات لها بما يتلاءم وحاجات المنطقة المحددة…

ونذكّر بأن وجود الدوافع والمحفزات سواء منها تنمية الذاتي أم توفير الموضوعي تظل ذات أهمية بعيدة فيما ينهله المتعلم بشغف وتعلق ومن ثم بصورة إبداعية أم بملل وانفصام مع المادة؛ ما يحصر أداءه ضعيف الدافعية والحافز بتحصيل معلومات كمياً، سرعان ما ينساها ويرميها ليستقر بأحضان عمل روتيني سلبي المخرجات. وبالمناسبة انعدام الحافز ييخلق مجتمعا يقبع حيث التنكر للمسؤولية والمشاركة الجمعية ما يعني مزيد فرص إظلام وتخلف في الأداء بعيدا عن التنوير..

ويلزمنا التنبيه في ضوء كل ما مر معنا، بأولوية، إلى المنطق أو إلى الخلفية الفلسفية للمناهج بما يشوه مسارها العلمي لصالح الخرافة المتخفية بالتدين.. وهو ما يتعارض وطابع العصر وحاجاته من جهة ويتناقض مع متطلبات بناء إنسان العصر ومنطق الحداثة والتنوير..

وفرق كبير بين إنسان ذي قدرات تحليلية تشخيصية سليمة دقيقة وآخر يشتغل كببغاء يجتر الماضوي الذي لا يقدم ولكنه بالحتم يؤخر.. إذ أن حاجة السوق ولا نقول المجتمع تتطلب إدارة الأعمال إبداعيا وقدرة الخلق للمجابهة مع أية معضلات متوالدة متناسلة ناجمة عن جديد المتغيرات بعامة، بكل تفاصيلها.. وشخصية غير تلك التحليلية لن تستطيع التعامل مع الجديد بينما الجمود والتحنط المؤدي إلى الفشل سيدفع باستمرار إلى انهزام وإلى محاولات اختباء وراء عبثية أقنعة ماضوية يُسقِطون عليها القدسية والتمسك بعصمة مزيفة كيما يتجنبوا المواجهة والاختباء بالظلمة هو طابع التخلف بخلاف ما نتقصد التأكيد عليه من ظهور وتفاعل بلا خشية أو تردد في عالم التنوير ومجتمعه..

إذن، فالمشكلة في قضية جودة التعليم بمستوييه العام والعالي ليست عابرة ومجرد قضية تمييز مستويات بصورة كمية، ولكنها قضية اعتبارية نوعية ترتبط بالهوية وباختيار الإنسان بين العيش في كنف السلبي أو تحدي الذات والواقع والعيش في ضوء قدرات حية فاعلة للخلق والإبداع مما يمتلكه الإنسان الذي يتلقى التعليم المتسم بالجودة..

إنَّ التنوير المعرفي إضافة نوعية لا كمية إذا امتلك جودة ترتقي به إلى حيث التناسب والتلاؤم مع معطيات الواقع ومتطلباته… وهنا القضية لا تنحصر بالأداء التخصصي لوظيفة او شغلٍ بل تتسع لتشمل قدرات التفكير (العلمي) ومن ثمّ التحليل والاستنتاج ووضع الحلول والبدائل ذات الأصالة والاعتمادية الموثوقة في المعالجة بما ييؤكد منطق التنوير ومعطيات اعتماد التفكير العلمي وسلامة الأداء فيه..

وعليه، فحيثما كان التردي والابتعاد عن جودة التعليم كان التخلف في مخرجاتٍ تستقر في بركة وظيفية ماضوية تحيا على اجترار يُراكِم المشكلات والتعقيدات لتتحول إلى معضلات تستفحل وتتفجر مخاطراً تهدد الإنسان بوجوده الفردي والجمعي.. وحيثما كانت جودة التعليم القائمة على موقف شامل في متغيرات العملية التعليمية بالارتباط مع النظام المجتمعي العام كانت فرص التغيير والتطور والتقدم رديفة للإنسان وتطلعاته لتحقيق أحلامه وأهدافه النبيلة السامية…

من هنا كان علينا واجبُ وضعِ الخطط والاستراتيجيات الضرورية؛ لقراءة واقع التعليم لا في ضوء البحث عن المتغير الترقيعي الإصلاحي المحدود ولكن في ضوء توفير بنى تحتية تتلاءم ومستقبل العملية التعليمية في وجودها التكاملي مع النظام العام ومنظومته القيمية ومحاور المخطط الذي يهيئ لمخرجاتٍ تمتلك أسس الجودة، لتمتلك أفق التنوير في وجود الإنسان ومسيرته نحو أنسنة وجوده وكفّ التوحش والتخلف وإنهاء وجود ظاهرة همجية الهوية، تلك الرديفة لرديء المنظومات…

فهلا وعينا وأدركنا معنى جودة التعليم ومعنى سعينا لتحقيقه؟ وما يعنيه ذياك السعي والاجتهاد؟

في الحقيقة عدم إدراك ذلك يعني قطعاً فتح المجال واسعاً لقوى الفساد الظلامية أن تشيع أوبئتها وأن تُنهي وجودنا المؤنسن وترسله إلى منطقة العبودية الأشد خطراً على حيواتنا ومستقبل الأجيال من بعدنا…

لنتأكد من اشتغالنا موقف كلّ منا في ضوء فحص مواقفنا من مخرجات المدرسة والجامعة اليوم، هل ندها سوية مستجيبة لتطلع أو غاية سليمة؟

لكم أن تضعوا ما تشاؤون من تفاعلات فتلك غاية هذه المعالجة

لا تعليقات

اترك رد