الفعل السياسي بين العمل الدعائي المسيس و إعادة إنتاج العنف – ج٢


 

تبينا في الجزء الأول أن الدعاية السياسية ساهمت في خلق فعالية مع العمل الإعلامي عامة باستعمال الوسائل المختلفة الاتصال ومن هنا تطور الخطاب الموجه في العديد من المنابر المرئية ،والمسموعة والمكتوبة ليكون الفعل حاضرا، ويكون الفاعل بدوره جاهزا لعملية الاتصال بالجماهير. وأنّ يخدم برامجه ويفعل شعاراتهم ،ويساهم في إبراز أفكاره ومنها تعزيز سلطته الرمزية ليمتد بها نحو سلط أخرى لا تقل أهمية في حقل الفعل: ” فقد بين “لازار سفيلد ومرتون” أنّه لابدّ أنّ تكون الدعاية السياسية فعالة أنّ تشتمل باتصالات مباشرة.”

العمل الدعائي الرمزي:
و يعتبر العمل الدعائي الرمزي أساسا في الفضاء السياسي عامة والتونسي خاصة وهو مؤشر في غاية الأهمية وينم على وجود تجديد على مستوى الفعل والممارسة لدى الفاعلين. وأنهم قادرين على بلورة شعارات وعبارات وصور و رموز خاصة به، تساعده على منافسة غيره من الرموز. وبالتالي أنّ تكون له الاستعدادات الهامة ليولد تأثير في إدراكات باقي الفاعلين والمتقبلين لهذه الرموز. وأنّ يكونوا قادرين على فهمها واستيعابها. و يستغلها الفاعل لمصلحته وتعزيز رأسماله الرمزي ركيزة أوّلية تضمن له مكانته في السلطة الرمزية التي يعمل كل طرف على دعمها وتكثيفها لأنّ الرمز له دلالة تأثيرية هامة في الحياة السياسية للأفراد والجماعات ،وذلك بما حققه من قيمة تعتبر هامة:”فالدعوة عبارة من توجيه المواقف الجماعية عن طريق التلاعب بالرموز اللفظية ذات الدلالة “. وأهمية العمل الدعائي الرمزي يتأتى من قدرته الانتقائية للمؤثرات والمنبهات التي يعمل على إنتاجها في تجسيدات كلامية وخطابية مختلفة ويعيد إنتاجها ليضمن استمرارها وثباتها مع باقي الأنظمة الرمزية “علم اجتماع السلطات الرمزية “.

وتلعب الرموز السياسية دورا فعالا في الإقناع وضمان الانسجام بين الجماعات وتناغم أفكارها وهو ما تعمل الأحزاب السياسية في تونس وخاصة في عملية القيام به لان الرمز بالنسبة لها ضامن أساسي للتضامن بين الفاعلين إذ يوحد الأفكار والمواقف ويعمل على تقوية حظوظ الفاعلين في مراحل المنافسة والصراع مع باقي القوى والتي تشترك معها في إنتاج الرموز وإعادة إنتاج القوة الرمزية ليثبت الفاعل ذاته في الحقل السياسي والدعائي على حد السواء ويضمن سلطته في باقي الحقول الأخرى: “فالرموز هي أدوات التضامن الاجتماعي بلا منازع ومن حيث أدوات معرفة وتواصل فهي تحول الإجماع يحدد معنى العالم الاجتماعي ذلك الإجماع الذي يساهم أساسا في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي فالتضامن “النطقي” شرط للتضامن “الأخلاقي .”

يؤكد الفاعلون السياسيون على أهمية إنتاج الرموز وخاصة كيفية توظيفها واستثمارها لخدمة مصالحها ومنها مشروعية هذه الرموز والتي تتيح لهم بدورها سلطة رمزية تساعدهم على تشكيل بنيات رمزية تساهم في تقوية مؤسساتهم (أحزاب, منظمات, حركات سياسية…الخ) و إنتاجاتهم وتساعد الفاعل السياسي على تنمية رأسماله الرمزي الذّي يمكنه من بناء علاقات مع باقي الفاعلين وهي تطور بدورها خطابات وكلمات وعبارات كل فاعل يسعى لاحتكار السلطة الرمزية”إنّ البنية الرمزية من حيث هي قدرة على تكوين معطى عن طريق العبارات اللفظية من حيث قدرة على الإبانة والإقناع .”

(4 دور العمل الدعائي في تكوين الرأي العام:
تكمن خصوصية العمل الدعائي في قدرته على التبليغ واعتماده على العديد من الوسائل الاتصالية التي تجعل من أفعاله قوية التأثير على الفاعلين وتحملهم على توليد تصرفات خاصة بكل فعل موجه .كما أنّ الاختلافات الإيديولوجية القائمة في الحقل السياسي.أفرزت اختلاف على مستوى السياسات الدعائية والإستراتيجية التي ينتجها الفاعلون في الفضاء الذي يشتغلون فيه.
فكل فعل دعائي تقوم به الأعوان في حقل من الحقول الاجتماعية يتلقى إدراكا من قبل الفاعلين ويدفعهم للتفاعل مع كل فاعل سياسي.ويؤثر في تقييماتهم وبالتالي يفرز أراء وأفكار تتقاسم مبادئ معينة مع الدعاية القائمة ويعمل الداعي على توليد عناصر متناغمة مع حاجات الجماهير التي يتوجه لها ليخلق رأي عام مؤيد له ويدعمه و” يعني الرأي العام اتجاهات ومواقف الناس إزاء موضوع معين, حين يكون هؤلاء الناس أعضاء في نفس الجماعة المعينة .”

وعملت العديد من الأحزاب على تكثيف تفاعلاتها مع الجماهير مستغلة في ذلك بعض الأحداث السياسية. فيقع استغلالها وتحويلها إلى رأسمال رمزي يساعدهم بدوره على خلق رأي عام لديهم يتوافق مع أراء من يقوموا بالعمل الدعائي ويقدم مصلحتهم في التعبئة والتأييد الجماهيري الذين يريدون تحقيقه.

وفي المجال السياسي التونسي تسعى العديد من الأطراف للسيطرة على الرأي العام وتوجيهه والتحكم فيه فتعيد إنتاج نماذجها الإيديولوجية والفكرية لتكسب أغلبية ساحقة من الفاعلين الاجتماعيين يشرعون لها حق تشكيل آراء موحدة بينهم ويقع اعتناقها وتفعيلها فالرأي العام يتمتع بدوره بسلطة هامة في تفوق سلطة القادة والحكام ولهذا يحمل كل طرف على توليد استعداداته الكفيلة باستمالة الرأي لصالحه وليتمكن من إحراز حيز من القوة التي يتمتع بهاو”القوة الهائلة التي يتمتع بها الرأي العام تشكل خطرا على أفراد الشعب أنفسهم مثلما تشكل خطرا على قادتهم .. إنّما تكف على أن تجعل منهم طغاة بيد أنها تملاهم بثقة لا مبرر لها في حكمهم وتفاؤلهم وحريتهم.”

II- جدلية العلاقة بين العمل الدعائي والفعل السياسي:
يعتبر الفعل السياسي فعالا وبالغ الأهمية كلما كثف من العملية الدعائية التي تسهم في رصد استعدادات الفاعلين في حقل اشتغالهم، وتنتج تصرفات وأفعال مختلفة تؤثر في المتقبلين بهدف شرعية نشاطها ونموذجها الثقافي الذي تسعى لإعادة إنتاجه باستخدامها الوسائل الدعائية المختلفة. وفي الحقول الاجتماعية المتنوعة تتنازع العديد من الأطراف لترسيخ نموذجها أكثر من غيرها حتى تكسب تأييد جماهيري،ولهذا يستدعي الفاعلون السياسيون العمل الدعائي ويعملون على ابتكار أعمال ومبادلات إعلامية متنوعة. كلما توجهوا للجماهير والشاشات والإذاعات حتى يراودوا أفكارهم وخدماتهم التي يقدمونها و”ضمن تشكيلة اجتماعية محددة تدخل المرجعيات التي تطمح موضوعيا إلى الممارسة الشرعية لسلطة الفرض الرمزي التي تسعى غالى احتكار الشرعية في علاقة تنافس, أي ينعقد فيما بينها علاقات قوة وروابط رمزية تعبر من خلال بنيتها ووفق منطقها الخاص عن ميزان القوى القائم بين الجماعات أو الطبقات .”
والدعاية تخدم أصحاب السلطة والقائمين بالشأن العام ،وهو ما يجعل من العمل الدعائي ضرورة ملازمة للفعل السياسي الحر” فعلى المستوى التنفيذي يلجا المسؤولون في السلطة إلى الدعاية باعتبارها أسلوبا يساعد على تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية والاجتماعية”. ،وأنتج المشهد الحزبي واقعا إعلاميا متنوعا يسعى الفاعلون من خلاله لإعادة إنتاج الدعاية السياسية لخدمة برامجهم وأهدافهم ومنها تحصيل رأسمال يمكنهم من امتلاك السلطة والمشاركة في أخذ القرارات وهذا هو هدف كل حزب عامة في تونس ” فالحزب السياسي هو مجموعة منظمة من الناس ذات مبادئ ومصالح واحدة, وتسعى هذه الجماعة لتحقيق أملها في الوصول إلى السلطة والمشاركة الفعلية والحقيقية في الحكم.ومن ثم لم نتمكن من وضع مبادئها وأهدافها العديدة موضع التنفيذ.”
وفي تونس سرعان ما تدافعت الأحزاب السياسية والفاعلون على تكثيف أعمالهم الدعائية لترويج أفكارهم والتأثير في الجماهير لكن بقيت العملية الدعائية تقتصر على بعض الأطراف دون غيرها، وذلك أن بعض الفاعلين لهم رؤوس أموال تمكنهم من السيطرة على الدعاية وتوجيهما أكثر من أطراف أخرى “ومع ذلك فإنّ الفرص غير متساوية بالنسبة للجميع لامتلاك الرأسمال السياسي الضروري من أجل الالتحاق بالنخبة من هنا فإنّ هذه الأخيرة وإنّ كانت مفتوحة مبدئيا أمام الجميع فإنها تبقى من الناحية الواقعية حكرا على الفئات والطبقات المتوفرة على الإمكانيات الضرورية من أجل تزويد أعضائها بالرأسمال السياسي الضروري و يلخص بورديو لإمكانات في وقت الفراغ و الرأسمال الثقافي ” .

1) العمل الدعائي والنزعة لاحتكار السلطة الرمزية:
إن التفاعلات والعلاقات القائمة في الفضاء المجتمعي والسياسي هي أساس التبادلات والتصرفات السائدة في مختلف الحقول الاجتماعية من سلطة ومجتمع سياسي ومدني, رأي عام وإعلام التي تسعى لتحصيل المعلومة والوقائع ورصد الأحداث الطارئة باختلافها. وباعتبار أنّ الحقل يعد فضاء للنزاع والصراع حول امتلاك النوع الخاص من رأسمال، ففي تونس تطور المشهد السياسي وتنوع وكذلك المشهد الإعلامي. فأصبح بدوره يبحث عن رأسماله الخاص من السلطة والقيام بدوره في اتخاذ القرارات ونقد القائمين على السلطة و” فالحقل يتكون من مجموعة من العلاقات الموضوعية والتاريخية بين أوضاع قائمة على بعض أشكال السلطة (او رأسمال).”

وفي ظل ثقافة التعدد والاختلاف القائمة في تونس أصبحت العديد من الحقول الاجتماعية تسعى لتعزيز رأسمالها الرمزي من السلطة وأنّ تكون لها استعدادات من خلال فاعليها لتحدد موقعها مع باقي الحقول الساعية بدورها لتحصيل السلطة الرمزية التي تعتبر من بين السلطات الهامة وتمكن القائمين في مختلف المجالات من تثمين رؤوس أموال مختلفة وتساعدهم على الاحتفاظ بمواقعهم مع باقي المنافسين”السلطة الرمزية هي سلطة لا مرئية ولا يمكن أن تمارس إلا يتواطآ من أولئك الذين يأتون الاعتراف بأنهم يخضعون لها ويمارسونها”.

و أصبح الحقل الدعائي مجالا للتبادل والتفاعل، فهو يقوم بإنتاج شروط اجتماعية تضمن ديمومته كفضاء للنزاع وأيضا ليثمن رأسماله. فيولد العديد من العلاقات مع الحقل الإعلامي الذي يثمن فعاليته وأنّ وسائل الإعلام لها القدرة على تعميم الدعاية السياسية، وتبليغها للجماهير .وأنّ تكون قادرة على التحكم وضبط إدراك وتقويمات الفاعلين الذّي يتقبلون مضمون الرسائل الدعائية المتنوعة، وهذا ما يدل على الدور الجوهري الذي لعبه الإعلام في المشهد السياسي التونسي عامة والدعائي خاصة و”وسائل الإعلام وصحافة وإذاعات وبشكل خاص الدور الخطير الذي لعبه التلفزيون في تكريس الأوضاع والمصالح السائدة والتلاعب بعقول المستهلكين من المشاهدين.”
وتطورت وسائل الإعلام وتنوعت بدورها من خلال خطابها وموادها المقدمة، وتسعى لتضمن فاعليتها في الفضاء السياسي. وتؤسس لأنساق وبنيات رمزية تعزز دورها وتجعلها قادرة على كسب حيز من السلطة. وأنّ تفوض رؤية خاصة للواقع الاجتماعي والمشهد الذي نعيشه عامة، وتخول للقائمين على الحقل الإعلامي حتى تكون لهم طقوس محددة تساعدهم على النزاع والصراع من أجل الدفاع عن خصوصية الحقل واستمراره والتحكم في الرأسمال الرمزي العام والقيام بتوجيهه حسب المصالح التي يخدمونها و”إن المنظومات الرمزية بما هي أدوات تواصل ومعرفة تشكل بنايات تخضع العالم لبنيات تؤدي وظيفتها السياسية من حيث من أدوات لفرض السادة وإعطائها صفة المشروعية التي تساهم في ضمان هيمنة طبقة على أخرى (العنف الرمزي) وذلك عندما نفذ لنجدتها وتطعيم علاقات القوة والغلبة التي تؤسسها مساهمته بذلك في مؤلفة المسودين على حد عبارة فيبر .”

و أنتج التفاعل بين الفاعلين السياسيين والإعلاميين علاقات متنوعة لأن كل طرف يسعى للسيطرة وفرض علاقة هيمنة على الطرف الآخر. كما أنّ كل فاعل في فضائه الاجتماعي يفرض علاقات قوة ليكتسب سلطة رمزية. تمنح له من خلال خططه التي يعتمدها واستعداداته الكفيلة بتوليد ممارسات فعالة يحفظ بها مكانته وقدرته على النزاع. والإعلام التونسي بعد الثورة أصبح قادرا على توجيه النقد للسلطة. وأصبح أكثر تحررا وله مهارات تؤهله ليعبر عن حاجات الجماهير العريضة التي يوجه لها إنتاجاته وبرامجه المتنوعة وأنّ يدخل كذلك في نزاعات يختبر فيها قدراته للتحكم في ميدان الإنتاج الرمزي و”تدخل مختلف الطبقات والفئات التي تتفرع عنها في صراع رمزي للعمل على فرض التصور عن العالم الاجتماعي الذي يكون أكثر ملائمة لمصالحها.”.

وأصبح الإعلام فضاء مشترك بين جميع الفاعلين في المجال السياسي يتبادلون فيه التصرفات والخطابات ويمارسون فيه أعمالهم الدعائية كل طرف حسب إيديولوجياته وأفكاره التي يستشرفها من خلال استراتيجياته .ليساهم في تغيير الواقع ولاتصال بالجماهير كل فاعل سياسي يسعى لاحتكار نوع خاص من العنف الرمزي ليضمن به قدرته على التنافس مع باقي الأطراف الفاعلة و” وباستطاعتها أنّ تدخل في ذلك الصراع أي مباشرة من خلال النزاعات الرمزية التي تعرفها الحياة اليومية أو بالتفويض الذي..المختصون في الإنتاج الرمزي الذين يقضون وقتهم بكامله في الإنتاج، بعضهم البعض والذّي يدور حول احتكار العنف الرمزي المشروع .” ويعتبر المشهد التونسي إعلاميا وسياسيا قد حقق نجتح على مستوى التفاعلات والتبادلات كما أنّه أنتج صراعات وهذا بدوره ما أنعكس على وسائل الاتصال ومنها الصحافة ،”الحملة الانتخابية في يومها الربع صراع الرموز والألوان والأشكال تطور العمل الدعائي للأحزاب التي تسعى لترسيخ رموزها وبرامجها وتتمكن من رأسمالها من السلطة معتمدة على تجنيد مناصرين لها باعتبار ان الحزب حسب هارولد لازويل:” الحزب بأنّه المنظمة المختصة بتقديم المرشدين والقضايا السياسية تحت اسمها في الانتخابات .”

فاعتمدت الأعمال الدعائية والحركات السياسية أساسا على وسائل الإعلام ومنها الصحافة والتي أصبحت تتكلم وتكتب من خلال إيديولوجيات مموليها،وتنطق بأسماء الأحزاب التي تنتمي إلى أفكارها فترصد الأحداث وتروج لآراء والمواقف المتعلقة بها و” نحن في اليوم الرابع من عمر الحملة الانتخابية التشريعية والمعطيات الأولية تعكس واقعا انتخابيا قريبا من الواقع السياسي التونسي, إذ أن الأحزاب التي تملك آلة انتخابية فقد سجلت حضورها حتى الآن بمعلقات في كل الدوائر الانتخابية, سيارات تجوب الأنهج والشوارع والقرى و العمادات، أقمصة تحمل رقم ورمز القائمة الانتخابية للحزب .” وبالتالي أصبحت الخارطة الحزبية المتنوعة تعكس على العمل الدعائي وهو بدوره أصبح متطورا على ما عهدناه من قائمة واحدة واسم موحد لدى جميع التونسيين، فالعديد من الفاعلين السياسيين يحملون برامج وشعارات ورموز وأرقام تؤهلهم لخوض منافسة تجعلهم قادرين على إدارة الصالح العام ،وأنّ التضامن بين أعضاء الحزب يضمن لهم المشاركة وامتلاك السلطة و”لا تنمو الدعاية السياسية إلا إذا وفر الحزب الذّي يخوض هذه الدعاية السياسية لأعضائه حدا أدني من الإشاعات لينمي سلطته بفضلهم وليصبح بالنسبة لخصومه قوة يجب أخذها بالاعتبار .”

كما رصد المقال أهمية الرموز المعتمدة لدى بعض الأحزاب “وبالعودة إلى الأحزاب التي ركزت في معلقاتها على الرمز والرقم الانتخابي نجد حزب حركة نداء تونس الذي خصص النصف الأوّل للمعلقة والرمز هو النخلة, وحزب الإتحاد الوطني الحر الذي قسم المعلقة بشكل أفقي مكن من إبراز رقم القائمة ورمزها والجبهة الشعبية التي وضعت وسط المعلقة للرمز وهو رسالة أما العدد فقد تم تخصيص الجزء الأول من المعلقة له فيما تم تقديم القائمة بشكل دائري بشكل اقل نجد حركة النهضة بإبراز الرقم والرمز الحمامة لكن بشكل متوازن مع أعضاء القائمة الانتخابية مقابل تركيز حزب المؤتمر من اجل الجمهورية على رمز النظارات التي خصص لها الجانب السفلي من المعلقة, بالنسبة للاتحاد من اجل تونس الذي ركز في معلقاته الانتخابية على رمز الفانوس .” إنّ تطور المشهد الإعلامي هو الذي مكن الصحافة التونسية من العدول عن مقاربات الخضوع والولاء إلى مقاربات إعلامية أكثر تحررا وقدرة على رصد واقع سياسي مختلف وأنّ تولد استعدادات تمكنها من ربط علاقات بالطبقات والفئات الاجتماعية،فالإعلام ليس محايدا ومجردا فهو مرتبط بالواقع والأفراد واتسع هامش حرية التعبير.

فالصحافة الحزبية التونسية أصبح لها توجهات إيديولوجية محسوبة لأطراف حزبية تدعمها برؤوس أموال هامة .والصحافة بدورها تسخر أقلامها ومفرداتها وعقولها لتقدم رأسمال رمزي يساهم في خدمة أطراف سياسية دون أخرى و” الإعلام حقل فضاء للمنافسة والعلاقات الاجتماعية ترتكز على المصالح المشتركة التي تعود إلى المواقع التي يحتلونها في مجال الإنتاج الرمزي والى طبيعة وحقيقة أصولهم بشكل عام من حيث التركيبات المعرفية, مستويات الإدراك والتفكير التي ترتبط كلها بأصولهم الاجتماعية وتكوينهم المهني .”
يبقى الفعل السياسي مرتبطا أساسا بالعمل الدعائي الذي يساهم في توزيعه وتقريبه من الجماهير والفئات والطبقات المختلفة باعتماده وسائله الاتصالية والإعلامية المتنوعة وقدرة الفاعلين على تحقيق فاعلية في فضاء اشتغالهم وربط علاقات موضوعية مع باقي الحقول الاجتماعية وهذا ما أسهم في إنتاج علاقات صراع ونزاع حول امتلاك السلطة وفرض رؤيته للواقع التونسي يرى كل طرف أنّه الأجدر بتطبيقها إذ أنّ”فردين متمتعين برأسمال إجمالي متعادل تقريبا يمكن لهما إن في وضعهما أو في اتخاذهما المواقف, وذلك لان احدهما يكون له الكثير من رأسمال الاقتصادي وقليل من الرأسمال الثقافي بينما الآخر له الكثير من رأسمال الثقافي وقليل من رأسمال اقتصادي, وبشكل أدق فان خطط لاعب ما وكل ما يحدد لعبه تخضع ليس فقط لبنيته وحجم رأسماله في اللحظة المعنية ولحظوظ في اللعب .”

2) دور الإعلاميين في توظيف الخطاب السياسي:
اقتضت الأرضية السياسية الجديدة في تونس بروز وظائف مختلفة للإعلام وأنّ لهذه الوسائل المتعددة علاقة بالسلطة وأصحاب السيادة والقرار لأنّها بشكل أو بآخر تتنافس معهم في مجال الإنتاج الرمزي. ويساهم الإعلام في ترويج إنتاجاته الرمزية وهو مرتبط بالسلطة التي تفوضها التشكيلة الاجتماعية التي تسعى بدورها للحفاظ عليها وتعبئتها وتجنيدها لخدمة مصالحها وإيديولوجياتها الخاصة و” تعلمنا القراءة المنهجية للإعلام استحالة دراسة الإعلام بمعزل عن علاقته بالطبقات الاجتماعية, وبمعزل عن إسهامه في إعادة إنتاج النظام الإيديولوجي الذي يغذيه. الإعلام ليس مسالة محايدة كاللغة أو الدين أو القانون انه عنصر من عناصر البنية الفوقية للمجتمع .”
و الإعلام تخطى أشواطا هامة من القمع والاستبداد المفروضة، لكنه سرعان ما وجد نفسه في مربع التوظيف والتوجيه، وسعت العديد من الأحزاب والأطراف السياسية لقلب المعادلة الإعلامية واحتكارها لتكون أكثر فاعلية من غيرها. وتساعدها على توجيه الخطاب وتوظيفه بما يخدم مصالح فاعلين سياسيين لهم رؤوس أموال اقتصادية هامة.

فالممارسة الإعلامية لازالت تخدم القائمين على السلطة وتقوم بإعادة إنتاج علاقات الهيمنة وتضمن استمرارها وتروج للدعاية الخاصة بها لترسيخ أفكارها وآراء ومواقف أحزاب تمتلك حيزا هاما من السلطة دون أخرى و” أنّ كل خطاب إعلامي هو نتاج سياق اجتماعي اقتصادي سياسي ثقافي معين، ويتوجه إلى جمهور محدد ويسعى لتحقيق أهداف ملموسة ومحددة” .

اقرأ ايضا:  الفعل السياسي بين العمل الدعائي المسيس و إعادة إنتاج العنف – ج١

لا تعليقات

اترك رد