الفنان حكيم جاسم

 

من هذا الفتى الذي يتنقل على خشبة المسرح بهذه الثقة الكبيرة ؟ ..كيف تم العثور عليه, ومن اكتشفه؟..هل هذا شكله الحقيقي أم انه يلبس قناعا؟.. عيناه لماذا لاتواجه الجمهور ,ينظران الى المدى الذي لاينتهي ؟..الكلمات لماذا تخرج من فمه بهذا العمق, والى اي مدى يمتد جوف فمه حتى تخرج الكلمات بهذا الشجن والعمق الفظيع ؟..ثم لماذا يتكلم مع من معه بهذا الاستعلاء ,من يكون ؟..كان يأنّ كأنه يغنّي لفيروز ,ويجئر كأنّه يصدح بصوت وديع الصافي ,ويتحدث شعرا كأنه نجيب سرور ,ويتنقل على المسرح كأنه اسد يقف على ساقيه ويصارع الجميع بيديه ..الللللله ماأعمق صدى صوته وهو يحاكي نفسه, ويدغدغ مشاعر يتمنى ان تكون قربه ..الله ماأحلى بكائه الذي يتوقف بكبرياء قبل ان تبدأ العبرات ..اللللله ماأحلاه وهو يقف بكل هذه الرجولة أمام جراحه التي تجاوزت مرحلة الالم لتصل الى حد الروح التي تواجه الجنة وهي تحمل راية بيضاء, لا استسلامية, بل هي ناصعة تتحدى كل نكبات الروح, وتعلن انها تستحق الجنة لا محال .

معقولة ؟ معقولة هذا الممثل يحمل كل هذه الاسئلة والاجوبة في مسرحية ؟ معقولة ماأراه في هذا الفتى الذي لم يلفت نظري يوما في ساحة أكاديمية الفنون, وأجده هنا كأنه كنز صعب المنال ..انتهت المسرحيّة ,الكل وقف وبدأ بالتصفيق الحار, الاّ انا الذي لم اقف ولم ابادل التهاني مع أحد, ولم اغادر القاعة الاّ بعد حين, لأنّي كنت اراقب المنظر ,اراقب هذا الفتى ,هل هو حقيقي ,أم اسطورة استعارها (حسين علي هارف ) لبطولة مسرحيته عن نجيب سرور .

انتهى عرض المسرحية والكل غادر القاعة فوجدت نفسي وحيدا اجلس أكاد ابكي ,لأن حكيم جاسم خرج مع اصحابه ,حتى دون ان يبادلني التحيّة, يومها أقسمت اني سأتعبه بشخصية سينمائية وأجعله يموت ميتة تختلف في شكلها ومضمونها عن مادّية وشكل الموت , أنتظرت حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي لأختاره بطلا لفيلم التخرج (النذر ) عن استشهاد اخر جندي عراقي في حرب ايران (حميد لطيف كاطع ),يومها اعتلى الساتر الذي يفصل القوات العراقية عن القوات الايرانية ليفي بتذره, ان يغني موالا احتفالا بنهاية الحرب (..على النادت بتالي الليل هايوم ..هاروحي ثلثتيام هايوم ..ها قبل المسا يسرون بيّه ) ثم تأتيه اطلاقة ويخر على الأرض بينما يأتيه صوتا من المدى يملأ الكون يصدح ..(دعوه يكمل موّاله )..وكان ماكان وتم تصوير الفيلم وضاع في غياهب المختبر الذي تعطّلت منظومة التبريد فيه, وتاه شريط السليلويد الاسود والابيض ال(35) ملم ,لم اجد له اثرا .

بقي حكيم جاسم صامدا في ذاكرتي الحاضرة والماضية كممثل يقف على المسرح وكأنه يدكّ الخشبة ليعلو صوت قدميه لكنه لا يعلو على قامته, ولا على الفعل الجمالي الذي يقوده الى حيث يريد .تعددت مشاهداتي لهذا الفتى الذي اخترته صديقا على امل ان نلتقي مرّة اخرى في فيلم سينمائي لا أظنه سيتحقق ,ثم حضرت عرضا مسرحيا أخر وأخرله فوجدته يقظا في حلم ,بقي فيه يقظا الى نهاية العرض المسرحي الذي لم ينته للأن. انها مسرحية (الذي ظلّ في هذيانه يقظا) اخراج غانم حميد . احسست حينها ان هذه المسرحية مكمّلة لفيلمي عن اخر شهيد في حرب ايران ,كأنه نفس الجندي (حميد لطيف كاطع) ان كان اسيرا, أم شهيدا ,أم روحا تحاكي الله والوطن ..العجيب ان حكيم يتحدث ويلوي عنق الحوار ويلوكه ويعيده الى قلبه اكثر من مرّة فيخرجه كأنه زئير اسد ,كأنه زئير ذئب ,كأنه زئير بلبل ,كأنه زئير شهيد ,كأنه زئير حكيم جاسم . يملأ المكان ويكسبه قيمة ,يملأ البقعة الضوئية ويمنحها قيمة مرئية معتبرة يحقق لها قيمتها الكونية بأداء لايحتاج لأكثر من هذا ولا أقل .يقيس الافعال بمقياس مضبوط, لأن السيد لا يسرق من الفعل ولا يمنحه اكثر مما يستحق ,عادل في عطائه الفني الابداعي المتفرّد .

تعدّدت شخصياته وتكرر ظهوره المؤثّر على المسرح في مسرحيّات مؤثرة ,(ماكبث ) اخراج شفيق المهدي وغيرها الى أن وجدته مخرجا وممثلا وراقصا في مسرحية العباءة برفقة الممثلة الباهرة (الاء حسين) في مسرحيّة (العباءة ) التي تقول (عرب وين طنبورة وين ), هذا المثل الشعبي الذي استعارته المسرحيّة ممزوجا بسخرية من عالم الحرب الذي عشناه وسنعيشه الى الابد .راهن حكيم جاسم في هذا العرض على قوّة التعبير الذي يمنحه جسد الممثل على حساب مفردات اخراجية اراد ان يؤجّلها كي يبرز قيمة الممثل كروح وجسد اذ جسّد قدرته على قيادة المتلقي الى حيث البهجة الروحيّة التي يستمدّها من الاستعراض والحركة ولغة تعبير الجسد وتمثّل الجمال في مستطيل متحرّك يرافق الممثل بأداء راكز ,ثم تأتي السينوغرافيا لتخدم الممثل كي يؤدي ماعليه دون الخوض في غمار باقي التقنيّات التي تهدد العرض وتقضي عليه احيانا .

ما زلت اتذكر يوم سرّني حكيم جاسم بأنه الان يمثّل شخصية رئيسية في مسلسل تلفزيوني سيعرض قريبا وأوصاني ان لا اتحدث عن هذا الموضوع الاّبعد عرض المسلسل. أكّد كثيرا على ذلك وطبعا انا التزمت بوصيّة صديقي فلم اذكر الموضوع الاّ لألف شخص أو أكثر بفترة وجيزة وأفسدت السر على صديقي الغالي .وأستمرّت مرحلة التلفزيون بمسلسلات اخرى اعلنت عن ولادة نجم تلفزيوني تتركّز صورته في ذهن كل من يشاهده يتحرك بثقته المعهودة, لكني لم اجد فيه تلك الصورة الثريّة جدا على خشبة المسرح, ربما بسبب اللقطة الكبيرة التي سرقت من حكيم ساقيه وجسده الباهر الذي يلقي القبض على الذهن والعين ويقتادهما الى حيث يريد ,أو ربما بسبب سيطرة الصورة التي اريدها له ,عامة دائما ,وهذا مايبرر تركيزي على لقطات حكيم العامة في اي مسلسل من بطولته وكأني ارى ان اللقطة العامة خلقت له ..لكني اعدت حساباتي اللقطويّة وبحثت عن تفاصيل الوجه الحكيمي فوجدت عينين يشتغلان بطريقة عجيبة, وسيطرة لم اعتاد عليها كثيرا ,فهو يتحكم بكل عين على حدة ,اليمنى تتحدث شيء واليسرى تتحدث شيء اخر ثم يجتمعان ان تطلب الامر ذلك فيتفقان في ضحكة وابتسامة ولوعة وو.,ثم اجد فمه وهو يستدير فيوجه خطابا, يفهم جيدا كيف يتحدث للتلفزيون ,ويدرك قيمة حجم اللقطة .اثار حكيم جاسم اعصابي في مسلسل (هيستيريا) ولعب بمشاعري كثيرا ,وأثار غضبي لأنه استفزّني وسرقني من طريقة التلقي التي اعتدتها سابقا في أن اراقب عناصر الصورة في اي خطاب سينماتوغرافي ,لا يسرقني أداء ممثل معين من متعة تدوين ملاحظات عن الاخراج والتصوير والتمثيل وو.. باقي عناصر الصورة في اي عمل تلفزيوني .

تابعت مسيرة حكيم التلفزيونية فوجدته حكيما في اختياره لشخصياته ,ومحترفا في طريقة التعامل مع الافعال الدرامية ,وأيقنت انه سيعتلي منصّة النجوميّة التلفزيونيّة والسينمائية فهو ممثل واع يدرس الشخصية فيغوص في اعماقها ليستخرج زبدتها ولهذا تأتي افعاله حينها غاية في التعقيد والتركيب وغالبا ما يعمد الى توجيه رسالته المطلوبة بنظرة حادة الى اتجاه الفعل مما يكسب ود المخرج الذي يكافئه بلقطة قريبة أو حركة زوم خفيفة كي يؤكد انه امام ممثل يفسّر ولا يلقي الحوار جزافا .انه يمتلك روحيّة ونفس اخراجي واعي للشخصيّة التي يمثلها وهذه صفة يتحلّى فيها كل ممثل محترف يعشق مهنته فيقوم بأخراج شخصيته حسب فهمه لها, ويقدّمها جاهزة للمخرج الذي يتفرّغ الى مهامه الاخرى في تفسير وعكس وتحويل لغة النص المكتوب الى نص مرئي .

تألّق حكيم جاسم في مسلسل (المسافر )اخراج فلاح زكي مع الفنان كاظم الساهر واسيا كمال واخرون ,ومسلسل (هيستيريا ) اخراج جمال عبد جاسم ,مسلسل (السياب) اخراج فارس طعمة التميمي,ومسلسل (عشاق ) لاحمد هاتف ,ومسلسلات(سنوات تحت الرماد,اخر الملوك ,الوحاش,الاحفاد وعيون المدينة,البنفسج الاحمر ,الفرار الى النهر ,عبد الكريم قاسم, الهاجس,ايمان ,) وفيلم (كرنتينة) اخراج عدي رشيد وفيلم (الفرار ) ومسرحية (الخروج دخولا ) تأليف الدكتور عبد الحميد الصائح وأخراج صديقه المرحوم عبد الخالق المختار ومسرحية (رحلة حب ) ومسرحية (ستيشن ) واخراج مسرحية (الميزان ) ,وأعمال كثيرة اخرى .

حكيم جاسم غادر العراق في نهاية التسعينات وعمل مديرا فنيا في مسرح (الفجيرة القومي ) في الامارات العربية المتحدة وهو يحمل شهادة الماجستير ثم عاد واكمل شهادة الدكتوراه بتفوق .حصل الدكتور حكيم جاسم على جوائز عديدة منها جائزة افضل ممثل مسرحي في مهرجان منتدى المسرح التجريبي عام 1986 ,وجائزة افضل ممثل مسرحي واعد لأكثر من مرّة .

لا تعليقات

اترك رد