معنى واهمية الفن ج 2

 

تبقى الآراء مختلفة في فهم وتفسير معنى ألفن والمفهوم الجمالي والتذوقي لهما، من حيث إستخدام الوسيط الإدراكي والتقبل الإستقبالي له، برغم توافر المواصفات والمقاييس الجمالية العامة لمصدر باثاتها المطلوبة، ومن ضمن تلك التقبلات البصرية التي تأتي مابعد الإنتباه والتنبيه، هي علاقة توافق الإثارة التي تتوافق مع الإستلام، ثم تتم مراحل القياس والتقويم، والمقارنة ألتي تستوقف المتذوق لها، ومن وجهة نظر (ويليام جوزيف نايتر، ميسوري) أنّ الفنّ هو أمر نقوم به، إنه فعل. وهو تعبيرٌ عن أفكارنا ومشاعرنا، عن حدسنا ورغباتنا، لكنه يكتسب خصوصيته من الآتي:

يتعلق الفن بتشارك الطريقة التي نختبر فيها العالم، وهو الأمر الذي يعتبره كثرٌ امتدادا لشخصيتهم. إنه بمثابة تواصل بمفاهيم حميمة جداً لا يمكن للكتابة وحدها التعبير عنها بإخلاص. ولأنّ الكلمات وحدها قد لا تكفي، فلا بدّ من ابتكار وسيلة أخرى تحمل نوايانا. لكن المحتوى الذي نغرسه في الوسيطة الفنية ليس في طبيعته هو الفنّ. يكمن الفن في كيفية استخدامنا تلك الوسيطة، في الأسلوب الذي أوصلنا من خلاله المحتوى. ما الجمال إذاً؟ الجمال أكثر من مجرد مفهوم تجميلي. ولا يتعلق بالمظهر الخارجي وحسب. ثمة العديد من الصور الجذابة في محل للأثاث المنزلي، إلا أننا لن نشير إليها بالجميلة، وقد نتفق على جمال أعمال فنية إنما قد لا نتفق على جاذبيتها بالضرورة. الجمال هو قياس تأثير، إنه مقدار انغماسنَا بالعمل الفني – مدى وصولنا لتصور الفنان حول عمله الفني. الفن الجميل هو ذاك الذي ينجح في تصوير أشدّ انفعالات الفنان المتوخاة عمقاً. سواء كانت جذابة ومشرقة، أم مظلمةً ومنفرة.

في نهاية المطاف، ليس في وسع الفنان أو المشاهد التأكد من أن فكرة العمل الفني قد وصلت كما أرادها الفنان تماماً لأن الذائقة الجمالية مسألة ذاتية.أما (مالوري، واشنطن) فإنه يرى إن الأعمال الفنية، قد تبعث على الدهشة أو السخرية، الأمل أو اليأس، الإعجاب أو النفور؛ قد يبدو العمل الفني مباشراً أو معقداً، غامضاً أو جلياً، واضحاً أو عبثياً، لكن المقاربات والمواضيع التي أفضت إلى خلق العمل الفني ترتبط بمخيلة الفنان وحده. وبالتالي، فإنني أؤمن أن تحديد الفن وفقاً لمحتواه هو أمر محكوم بالفشل. ويمكن تعريف الفنّ على أنه نقلٌ مقصود لخبرةٍ ما، بوصفها غاية في ذاتها. محتوى تلك الخبرة ضمن سياقها الثقافي قد يحدد إن كان العمل الفني شعبياً أو عابراً، مهماً أو تافهاً. لكنه فن في كل الأحوال. وهنالك موضوع في الجماليات (الاستطيقا)، وهو دراسة الفن، يزعم وجود إنفصال أو مسافة ما بين الأعمال الفنية ودفق الحياة اليومية. بالتالي، تطفو الأعمال الفنية كجزر منعزلة عن الشؤون الواقعية اليومية. ندخلها ما إن نغادر النهر. بنفس الطريقة، يتطلب الموقف الجمالي التعاطي مع التجربة الفنية كغاية مطلقة قائمة بذاتها: يسألك الفن أن تأتيه دون أي تحيزات، كوسيلة لتذوق العمل الفني. ومع أن في وسع المرء أن يخوض ‘ تجربة جمالية’ من خلال منظر طبيعي، أو نكهة أو مذاق، إلا أن العمل الفني يتميز عن هذه الأشياء في كونه منتَجاً.

ولكن تبقى هذه التفسيرات والتعريفات حسب ماورد من (مالوري) هي وجهة نظر وتحليل قد لايتاطبق مع الفروقات الكبيرة بين مشاهير الإنتاج الفني المسرحي، أو التشكيلي مع مستويات أدنى في المضمون والصياغة الأدائية. أما (شيارا ليوناردي، بيركس) يرى إن الفارق الجوهري بين الجمال والفن يكمن في أن الفن يتعلق بمن يقدّمه، بينما يتعلق الجمال بالناظر إليه.. مما لا شك فيه، أن ثمة معايير للجمال – ما نراه جميلاً ” بشكل تقليدي”. لكن ثمة من غيروا قوانين اللعب – فلنقل إنهم المتميزون – وهم أولئك الذين رأوا المعايير التقليدية للجمال وقرروا الوقوف ضدّها خصيصاً، ربما فقط لإثبات وجهة نظرهم. لدينا بيكاسو ومونك، وشوينبيرج إن اكتفينا بثلاث منهم. عبرهؤلاء عن رفضهم من خلال الفن. ولولا إقدامهم على هذه الخطوة لكان فنّهم مثل أي فنّ آخر: حيث يوجد العمل الفني فقط لكي يُعاش، ويفهم ويُخمَّن (أو لا).

ولكن أود أن أشير هنا، ومن خلال إطلاعي للفرق بين الجمال، أو مايسمى (الإستيطيقا) والفن، إن الفن هو وسيلة للتصريح برأي أو إحساس، أو التأسيس لرؤية أخرى للعالم، سواء كانت مُستلهمة من أعمال الآخرين أو من شيء مبتكر وجديد كلياً. وهو تحويل وتشكيل الجزئيات إلى بنية جديدة مختلفة عن أصلها الطبيعي الذي يحمل الجمال، ولكنه جمال تلقائي لم تتدخل فيها أيدي المنتوجات الأدائية والفكرية، والجمال يدخل في جانبيها الطبيعي قبل التحوير والتشكيل وكذلك مع منتوجها الفني، وفي جانب آخر ما يبعث على السعادة والإيجابية في الأشخاص. إذاً الجمال وحده ليس فناً، لكن الفن يمكن أن يُصنع من، أو حول أو من أجل الأشياء الجميلة. يمكن العثور على الجمال في منظر جبلي: لكنّ الفن هو صورة هذا الجبل حينما نريها للعائلة، أو تنفيذ المنظر على لوحة زيتية وعرضها في معرض فني، أو التسجيل الموسيقي الذي يعيد خلق هذا المشهد بالنزوات والاختلاجات الأولى. ومع ذلك، فليس الفن إيجابياً على الدوام من ناحية التفاؤل : قد يتعمّد الفن أن يكون مؤذياً وباعثً على الأسى: قد يدفعك للتفكير في أشياء أو أخذها بعين الاعتبار حينما تفضل ألا تفعل ذلك. إلا أنه إن كان يستدعي فيك إحساساً ما، فإنه عندئذ فن وخاصة المواضيع التراجيدية المؤلمة، أو تشخيص دمار وجثث وبشر أحياء مندثرة في الهراء. أما ليات (ماكفرالين، جويند) فإنه يعتبر الفن وسيلة لألتقاط العالم. لا العالم المادي وحسب مثلما يحاول العلم أن يفعل: وإنما العالم ككل، وتحديداً العالم البشري، عالم المجتمع والتجربة الروحية. لا يتعلق الفن بإنتاج أشياء أو أحداث جميلة، حيث أن في وسع القطع الفنية إثارة مشاعر أخرى عدا تلك التي يثيرها الجمال، كالإحساس بالرعب، أو القلق، أو حتى الضحك، لقد ظهر الفن قبل حوالي 50.000 سنة، قبل المدن والحضارات بكثير، إنما بأشكال لا نزال قادرين على الارتباط بها في الوقت الحاضر. حيث يقدَّر عمر اللوحات الجدارية في كهوف لاسكو، والتي كثيراً ما أذهلت بيكاسو، بحوالي 17.000 سنة. اليوم وبعد ابتكار فن التصوير والهجوم الشرس الذي شنه دوشامب على المؤسسة الفنية، لم يعد ممكناً تعريف الفن استناداً إلى عدد من المعايير المسبقة مثل ‘ دقة التمثيل’ أو مفاهيم مجردة وضبابية مثل ‘ الجمال’.

كيف يمكننا والحال هذه تعريف الفن ضمن شروط كل من سكان الكهف وخبراء المدينة الحديثة في آن؟

لحلّ هذه المعضلة علينا طرح السؤال الآتي: ما الذي يفعله الفن؟ والإجابة هي بالطبع أنه يبث فينا استجابة عاطفية، أكثر منها معرفية. تكمن إحدى وسائل مقاربة مسألة تعريف الفن، في هذه الحالة، بالقول: إن الفن يتألف من أفكار يشترك فيها الناس ولها تأثير عاطفي يتشاركه الناس. لا يتعلق الفن بإنتاج أشياء أو أحداث جميلة، حيث أن في وسع القطع الفنية إثارة مشاعر أخرى عدا تلك التي يثيرها الجمال، كالإحساس بالرعب، أو القلق، أو حتى الضحك. غير أن اشتقاق نظرية فلسفية مقبولة للفن من هذا الفهم ينطوي على معالجة مباشرة لمفهوم ‘ الإحساس’، وقد اشتهر الفلاسفة بترددهم على الإقدام بمثل هذا الأمر. إنمّا ليس جميعهم: فكتاب روبرت سولومون Robert Solomon The Passions (1993) قد مثل بداية ممتازة، ويبدو لي طريقاً يمكن البدء منه. وليس الأمر بالهين. فقد لاقى الفيلسوف المظلوم ريتشارد رورتي ((Richard Rorty نقداً لاذعاً حينما قال إن الأدب، والشعر والحب، والوطنية وكل ما شابهها مهمة على الصعيد الفلسفي. غير أن أهمية الفن تكمن في أنه حيوي في الإبقاء على المعايير رحبة ضمن الحضارة. ناهيكم عن أن عمر الفن يرجع إلى ما قبل الفلسفة بكثير، والتي يبلغ عمرها وحسب 3000 سنة، والعلم الذي بالكاد يبلغ عمره 500 سنة. يستحق الفن إيلاء اهتمام أكبر من قبل الفلاسفة.

أما (هالانيان، كو كيلدار ) يقول، قبل عدة سنوات كنت في نهم للفنّ. ولأبدأ رحلتي توجهت إلى معرض فني. في تلك المرحلة مثّل الفن بالنسبة لي كل القطع التي رأيتها في معرض فني. وغالباً، ما كانت هذه القطع لوحاتٍ، ولأنها في معرض فقد عّرفتها فوراً على أنها فن. كلوحة لروثكو بلون واحد وحجم كبير، لاحظت إلى جانبها قطعة إضافية مشابهة لم يبدو أنها تحمل توقيعاً. وكانت أيضاً بلون واحد – الأبيض – بحجم ضخم، تحتل جداراً بأكمله من الغرفة الواسعة ذات السقف المرتفع ترتكز على عجلتين صغيرتين.

من خلال ذلك نستنتج ان للفن خطاب ومسعى وغاية فيها نطق ونغم يحاكي الفكر والواقع، وليس كل التكوينات تنطق بهذا البث كالجدران الصامتة، أو مفردات الطبيعة الساكنة.

أما (كاثرين بوسلي، سافلوك ) فيعتبر”الفنّ” هو صياغة المعنى فيما وراء اللغة. يكمن الفنُّ في خلق المعنى بأداة ذكية، تستثير ردّ الفعل الجمالي فينا. إنه وسيلة التواصل حينما تفشل اللغة في تفسير ووصف محتواها. في مقدوره البوح بالمسكوت عنه، ولأن ما يعبر عنه الفن وما يبثه هو في جزء منه فوق كل وصف، فإننا نجد من الصعب تحديده أو ترسيم معالمه. يقع تعريف الفن ما بين نيّة الفنان وتعبيره وما بين خبرة الجمهور بالفعل الفني، يشترك الجميع في صياغة معناه، ولذا فمن الصعب القبض على تعريف للفنّ. إنه متنوع واستمراري. وحتى هاجس الاختلاف في تعريفه، يعبّر عن شيء ما.

يؤدي الفن إلى تطور الحضارة، لكنه إن كان يدعم المؤسسة الحاكمة فهو أيضاً صوت الثوار- الفن يقود ويعكس ويعرّي التغيير في السياسات والأخلاق. كما أنه حجر الأساس في عملية خلق الثقافة، جائش بالفكر دافق بالأفكار، ولا يمكن فهمه تماماً بمعزل عن سياقه. إنما وللمفارقة، فإن في وسع الفن إيصال رسائله متجاوزاً الزمن واللغة، أن ينشد الإنسانية المشتركة، ويصل المجتمعات اليائسة ببعضها بعضاً. ولربما لو انخرطت جماهير أوسع بالتقاليد الفنية العالمية المتنوعة، لتولد المزيد من التسامح والاحترام المتبادل.

إحدى الأوجه الأخرى التي لا مفر منها للفن تكمن في إمكانية تسليعه. تنمّي هذه الحقيقة العملية الإبداعية، سواء في تحفيز الفنان لتشكيلٍ قطع فنية لها قيمة تجارية، أو تحفيزه لتجنب هذا الأمر، أو من خلال التسليع الفني للتجربة الجمالية. ويؤثر هذا التسليع أيضاً على أولئك المؤهلين لصنع الفنّ، أو التعليق عليه، أو حتى تعريفه، إذ يجتهد أكثر المنتفعين من التسليع في الإبقاء على جودة ‘ قطعهم الفنية’ عالية ‘. ينبغي على هذه التأثيرات توسيع فهم الثقافة لما هو فنّ في أي زمن كان، فخلق الأفكار الفنية مشروط بالثقافة. ومع ذلك، فقد منح هذا التسليع، وما يترتب عليه من حراسة صارمة للناقد الفني، منح الفرصة لصعود ثقافة مضادة ضمن ثقافة الفنّ، عادة ما يعبر عنها من خلال الفن الذي لا يباع. وتعتمد عندئذ منزلة العمل الفني على قيمته وعلى التوتر الناجم عنه وهو ما يضفي المعنى على الفنّ، وعلى علاقته بالمجتمع. ويرى تومي (ترونستن، السويد) بادئاً ذي بدء علينا إدراك البديهيات. ‘ الفن’ كلمة، والكلمات والمفاهيم عملية وهي تغير معانيها بمرور الزمن. لذلك فقد دلّ الفن على الحرفة، في الأزمنة القديمة. كان شيئاً في وسعك أن تبرع به بالتدريب والعمل الجادّ. فيما مضى لو كنت تعرف كيف ترسم أو تنحت، تكون عرفت أياً الرمزية المميزة لعصرك. خلال الرومانتيكية وميلاد الفردانية، بات الفن يعني الأصالة. فالذي ميز الفنان عن أقرانه كان قيامه بعمل فني جديد لم يسمع به من قبل. وسرعان ما باتت شخصية الفنان/ الفنانة جوهرية بقدر العمل الفني نفسه. خلال عصر الحداثة، دفع البحث عن الأصالة بالفنانين إلى إعادة تقييم الفنّ. ما الذي في وسع الفن القيام به؟ هل في وسعك رسم الحركة (التكعيبية، المستقبلية)؟ هل في وسعك رسم ما هو غير مادي (التعبيرية التجريدية)؟ جوهرياً: هل يمكن لأي شيء أن يعتبر فناً ؟ وإحدى وسائل حل هذه المعضلة كانت بالنظر إلى ما وراء العمل الفني نفسه، والتركيز على عالم الفن.

المقال السابقالشروط الأساسية للتسوية السياسية
المقال التالىالعالمية والإنسانية وهويتنا
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد