رحلة عشق عبر الوديان السبعة 7-4


 

وادي التوحيد
وأما وادي التوحيد فهو رابع المراحل يرتقي فيه السالك من عالم التحديد إلى عالم التجريد، فلا يرى عالم الخلق بقصور عينه الذاتية بل يرى بعين الله مجرداً عن الغرض ويكتشف أن الله متجلٍ على المخلوقات ببعض صفاته كل حسب استعداده، ويختلف مقدار التجلي هذا باختلاف عوالم الوجود. فإذا تحرر السالك من قفص النفس والهوى وتخلص من قيود التحديد يدخل عالم الكون الفسيح كمن يُـحلِّق في الفضاء الخارجي وينظر نحو الأرض برؤية شاملة فتتسع رؤيته ولا ينظر إلى نفسه أو يتعلق بهذا العالم، “بل يرى الله في كل شئ وينظر إلى الأشياء بنظر التوحيد ويشاهد إشراق تجلي الشمس الإلهية من مشرق الهوية على الوجود إشراقاً واحداً وأنوار التوحيد موجودة ظاهرة على جميع الموجودات”. فلا مكان للذات في هذا الوادي وهنا “يدخل السالك في خلوة المعشوق ويصبح محرم سرادق المحبوب.. ولا يرى في نفسه وصفاً ولا اسماً ولا رسماً بل يرى وصفه في وصف الحق واسم الحق يراه في اسمه”.

وبوصوله إلى ذاك المقام الرفيع من الانقطاع عن الدنيا يجد السالك نفسه مستغنياً عن كل الموجودات ويدخل وادي الاستغناء ومع انه قد يكون فقيرا في الظاهر ففي الباطن وُهِب الغنى والقُدرة من عالم الروح.

4- وادي التوحيد:
فاذا قطع السالك وادي المعرفة وهو اخر مقام التحديد يدخل أول مراتب التوحيد ويشرب من كأس التجريد ويسير في مظاهر التفريد ، فيخرق في هذا المقام حجاب الكثرة ويفر من عوالم الشهوة ويعرج في سماء الوحده و يسمع باذن الالهي ويرى بعين الرباني اسرار الصنع الصمداني ويخطو بقدمه إلى منزل الحبيب ، ويصبح محرم سرادق المحبوب ويخرج يد الحق من جيبه فيبدي اسرار القدرة وهو لا يرى لنفسه اسما ولا رسما ولا صفة ، بل صفته في صفة الحق، واسمه من اسم الحق وعلم إن كل الالحان من لدن السلطان ، فسمع منه الانغام جميعا ، ويجلس على كرسي “قل كل من عند الله” ويستريح على بساط ” لا حول و لا قوة الّا باللّه ” وينظر في الأشياء بعين التوحيد، ويرى اشراق الشمس الالهيه من مشرق الهوية وتجليها في كل الممكنات على السواء، ويشاهد انوار التوحيد تبدو على جميع الموجودات.

ومن المعلوم لجنابك ، إن جميع اختلافات عوالم الكون التي تبدو للسالك في مراتب سلوكه انما هي من أثر خياله نفسه ولنضرب لذلك مثلا : أرأيتم الشمس الظاهرة التي تشرق وتتجلى على كل الموجودات والممكنات سواء بسواء ، فهي تفيض النور بأمر سلطان الظهور على كل الأشياء ، ولكنها تظهر في كل مكان وتفيض عليه من نورها بما يقضي به استعداد هذا المكان، فهي في المرآة تتجلى بقرصها وهيئتها و ما ذلك الا لصفاء المرآة نفسها ، وهي في البلور تحدث النار على حين تظهر في سائر الأشياء اثر تجليها دون قرصها، وبهذا الاثر تنمى بأمر الله كل شئ حسب استعداده كما ترون، وكذلك الالوان فهي تبديها بما يقضي به المكان فترى انها تبدو صفراء في الزجاجة الصفراء وتتجلى بيضاء في البيضاء وحمراء في الحمراء . اذا فهذا الاختلاف انما هو من المكان لا من اشراق الضياء فاذا احتجب مكان بحجاب من جدار أو سقف ظل هذا المكان محروما من تجلي الشمس فلا تشرق فيه، مثله مثل نفوس ضعيفة حجبوا اراضي المعرفة بجدار النفس والهوى وحجاب الغفلة والعمى فهي محجوبة عن اشراق شمس المعاني واسرار المحبوب الازلي وابتعدوا عن جواهر حكمه دين سيد المرسلين المبين ، حرموا من قدس الجمال، وهجروا من كعبة الجلال تلك رتبة اهل الزمان.

فلو انتفض بلبل من تراب نفسه وسكن إلى ورد قلبه وصدح بالالحان العراقية ، وتغنى بالنغمات الحجازية اسرار الإلهية تحي حرف منها كل الاجداث والرمم وتنفخ روح القدس في عظام الكائنات وهي رميم – لرأيت نسور الحسد تتخطفه وصقور البغض تجد سعيا في هلاكه، اجل إن الجُعَل يضيق بالريح الطيب وما للطيب لدى المزكوم من ثمره وكذلك قيل في ارشاد العوام

ادفع عن رأسك الزكام وعن انفك
حتى تجد ريح الله في مشامك

وضح اختلاف المكان اذاً وبرهن عليه ، فالسالك اذا نظر في المكان المحدود – أي في الزجاجات – رأى الاصفر والاحمر والابيض ومن ثم كان الجدال بين العباد، وغمر العالم الغبار المظلمة من النفوس المحدودة، بعضا انصرفوا إلى اشراق الضوء ، و بعضا شربوا من خمر الوحده فهم لا يرون سوى الشمس شيئا.

ولما اختلف السير في هذه المقامات الثلاثة اختلف فهم السالكين وتباين بيانهم ، فبدت آثار الاختلاف في العالم لان بعضا رقى رتبة التوحيد وتكلم عنها وبعضا قام في عوالم التحديد وبعضا اخر لبث في مراتب النفس، والقليل احتجب بالمرة، لذاجهال العصور الذين لم يكن لهم نصيب من نور الجمال فقد تكلموا ببعض المقال وآذوا اهل لجة التوحيد في كل عصر وزمان بما كان اجدر وأولى بانفسهم ” ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابه ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى” يا اخي إن القلب اللطيف بمثابة المرآة فاصقله بصيقل الحب وطهره بالانقطاع عما سوى الله تتجلى فيه الشمس الحقه ، ويتنفس الصبح الازلي وتتبين معنى ” لا يسعنى ارضى و لا سمائى و لکن يسعنى قلب عبدى المؤمن ” واضحا جليا وخذ روحك بيديك وبألف حسرة قدمها للحبيب الجديد فداء فاذا استوت انوار سلطان الاحدية على عرش قلبك تجلى نوره في سائر الاعضاء والأركان وانكشف لك من حجاب الديجور سر الحديث المشهور” لازال العبد يتقرّب الّى بالنّوافل حتى احببته فاذا احببته کنتُ سمعه الذى يسمع به.. ” الخ لان صاحب البيت يتجلى في بيته فتستضئ اركان بيته جميعا بضيائه وما فعل النور وأثره الا من المنير حيث يتحرك به الجميع وبارادته يقومون، وهذا هو النبع الذي يشرب منه المقربون كما قال عينا يشرب بها المقربون وحاشى أن يكون في هذا البيان ريح الحلول اوتنزيل لعوالم الحق إلى مراتب الخلق، فلا يشتبه الأمر عليكم ، ذلك بان الحق مقدس بذاته عن الصعود و النزول والدخول والخروج، لم يزل عن صفات الخلق غنيا ولا يزال لم يدركه احد ولم تصل إلى كنهه نفس ، ضل العارفون في وادي معرفته وتحير الاولياء في ادراك ذاته تنزه عن ادراك كل مدرك وتعالى عن عرفان كل عارف ، السبيل مسدود والطلب مردود ، ” دليله آياته ووجوده اثباته ” قال العاشقون لجمال المحبوب: ” يا من دلّ علی ذاته بذاته و تنزّه عن مجانسه مخلوقاته” فأنى للعدم الصرف إن يجري الخيل في ميدان القدم ، وأنى للظل الفاني إن يبلغ شأو الشمس الباقية ؟ قال الحبيب “لولاک ما عرفناک” وقال المحبوب : “او ادنى ما بلغناک”.

أجل إن ما ذكر في مراتب العرفان انما كان لمعرفة انوار شمس الحقيقة : تلك التي تتجلى في المرايا وتجلى ذلك النور انما يكون في القلوب ولكنها محجوبة بالحجبات النفسانية والشئونات العرضية مثله مثل الشمع تحت الفانوس الحديدي فلا يظهر نور الشمع الا اذا نزعت عنه الفانوس وكذلك عندما تهتك الحجبات الافكية عن وجه القلب تنبعث أنوار الاحدية.

اضحى من المعلوم اذا انه لا يصدق خروج ولا دخول على التجليات فما بالك بجوهر الوجود والسر المقصود؟
يا اخي اعرج في هذه المراتب محققا لا مقلداً ولن تصد السالك عن سبيله همهمة الكلمات ولن يسد طريقه هيمنة الاشارات:

ما شأن الستار بين العاشق ومعشوقه
فسد الاسكندر لن يحول ولن يمنع دون معشوقه

الاسرار كثيرة ، والغرباء عنها عديدون، ولن يكفي القرطاس باسرار المحبوب ولا تكفيها هذه الألواح رغم انها ليست باكثر من كلمة واحدة. ومجرد رمز ، ذلك بان ” العلم نقطةٌ کثّرها الجاهلون” فانظر من مقامك هذا إلى اختلاف العوالم وان كانت عوالم الله لا نهاية لها الا إن البعض ذكر لها اربع مراتب:

عالم الزمن : وهو ماله أول وآخر
عالم الدهر : وهو ما له أول ولكن لم يبد بعد آخره
عالم السرمد : وهو ما لم يدرك اوله ولكن آخره معلوم
عالم الأزل : وهو ما لم يشهد له احد أول ولا آخر.

ورغم ما بين هذه المراتب من اختلاف كبير الا إن التفصيل في ذكره يبعث السأم والملل فمما قاله البعض إن ليس لعالم السرمد ابتداء ولا انتهاء وان عوالم الأزل من الغيب المنيع الذي لا يدرك ، وقال آخرون بعوالم اللاهوت والجبروت والملكوت والناسوت ، وعدوا مراحل سبيل العشق اربعا: من الخلق إلى الحق ومن الحق إلى الخلق ومن الخلق إلى الخلق ومن الحق إلى الحق. ولن نتعرض لهذه البيانات الكثيرة التي قال بها الحكماء السالفون ، وذهب اليها العارفون السابقون، وما ينبغي لنا أن نسرد ما قال به السلف فان سرد أقوال الاخرين دليل على العلم المكتسب لا على الموهبة الإلهية على إن ما ذكرناه لم يكن الا جريا على عادة الناس وتأسيا بالاصحاب ، فضلا عن إن تلك

البيانات خارجة عن هذه الرسالة وما عزوفنا عن ذكر اقوالهم لا غرورا منا وانما هو لظهور الحكمة وتجلي الموهبة.

فان كان الخضر قد خرق السفينة في البحر
فكم من حكمه بدت من فعل خضر

وإلا ، فان هذا العبد يعد نفسه معدوما مفقودا في ساحة حبيب من أحباء الله فناهيك على بساط اوليائه ” فسبحان ربي الاعلى “.

وما مبتغانا مما سلف الا أن نبين مراتب سير السالكين لا اختلاف اقوال العارفين، ورغم اننا ضربنا مثلا مقتضبا لاول و آخر العالم النسبي و الاضافي ، ومجددا نضرب مثلا آخر كي يظهر كمال المعنى في قميص المثال. هل رأيت إلى نفسك فانت بالنسبة لولدك أول وبالنسبة لأبيك آخر وأنت في ظاهرك تحكي القدرة المتظاهرة على عوالم الله، وانت في باطنك تستلهم الاسرار الباطنية التي اودعها الله فيك، اذن فالأولية والآخرية والظاهرية والباطنية صادقة بالمعنى الذي أوردنا، فإن بهذه الرتب الأربع التي اسعفتها العناية عليك ، لعلك تدرك الرتب الإلهية الاربع فيتغنى بلبل قلبك على كل اشجار ورد الوجود في عالم الغيب والشهود بأنه ” هو الاوّل و الآخر و الظّاهر والباطن ، أن الذي ذكرناه على قدر أفئدة الناس ، اما اولئك الذين طووا عالم القيود والحدود بخطوة واحدة واستكانوا إلى بساط التجريد البديع وضربوا خيامهم في عوالم الأمر والاطلاق و أحرقوا كل هذه النسب بالنار ومحوا كل تلك الالفاظ بقطرة واحدة و سبحوا في يم الروح وصاروا في افق قدس النور، وأنّى للالفاظ أن تكون في هذه الرتبة فتكون لفظة الأول او الآخر أو غيرها من الكلمات حتى تذكر أن الأول في هذا المقام هو نفس الآخر والآخر هو عين الأول:

اشعل في العشق بروحك نارا
ثم احرق العبادة والفكر جميعا

يا صديقي تأمل في نفسك وألحظ انك لو لم تكن ابا ذا ولد لما وعيت هذه الكلمات فتناسى كل ذلك كي تتعلم عند أديب العشق من مصطبة التوحيد ، وترجع من ” انا ” إلى ” راجعون ” وتصل من الباطن المجازي إلى المقام الحقيقي وتستظل بدوحة العرفان.

ياأيها العزيز: افتقر بنفسك لتبلغ عرصة الغناء العالية وذل بدنك تشرب من شريعة العزة وتبلغ جميع معاني الاشعار التي سألت عنها، اذن فقد عرفت إن هذه المراتب رهينة بسير السالك يرى في كل مدينة عالما. ويرد في كل واد عينا ويسمع في كل صحراء نغما ولعندليب الآفاق المعنوية الحان روحانية بديعة في القلوب ، وللطائر العراقي اغاريد حجازية رائعة خفية كانت مستورة وما زالت.

لو قلتها لاختلت العقول
ولو رقمتها لتحطمت الاقلام
و السّلام علی من قطع هذا السّفر الاعلی و اتّبع الحقّ بانوار الهدى.

ونتابع في المقال القادم والوادي الخامس وادي الاستغناء…..

لا تعليقات

اترك رد