العالمية والإنسانية وهويتنا


 

العالمية Universalism نزعة إنسانية توجه التفاعل بين الحضارات، والتعاون والتساند والتكامل والتعارف بين مختلف الأمم والشعوب، والحضارة العالمية نزوع عالمي يرى التعدد والتنوع والاختلاف القاعدة والقانون. وهي تقوم على المساواة والنّدية بين مختلف الشعوب، انفتاح على العالم، وإقرار بتباين الثقافات والحضارات .

فالعالمية تخاطب أعمق مشاعر الإنسان عموماً، وأقوى مشاكله، وأخص هواتفه، والعالمي في الأدب والفن هو الذي يتصيد، ما بين البشرية جمعاء، العواطف المشتركة، وما في وجدانها من حقوق موحدة وقيم سامية ومثل عليا على الرغم من اختلاف الأجناس وتباين الأزمان والأوطان، ويعد الحياة كرامة والحرية حقاً، والعدالة الاجتماعية حتماً والفضيلة جوهراً.

إنها طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي ، فهي تفتحٌ على ما هو عالمي وكوني . لذا ، فإن نشدان العالمية في المجال الثقافي كما في غيره من المجالات ، طموح مشروع ، ورغبة في الأخذ والعطاء ، في التعارف والحوار والتلاقح ، إنها طريق الأنا للتعامل مع الآخر ، بوصفه ” أنا ثانية ” طريقها إلى جعل الإيثار يحل محل الأثرة .

فالعالمية حق للأمم كافة ، في أن تتجاوز أطرها القومية والحدودية ، كي تقدّم حضارتها وثقافتها للعالم ، فهي ترتبط بالتمدد الثقافي والفكري والحضاري في الأساس. وفي هذا المضمار فإن الأمر يصبح تنافسا لا تحاربا ، تلاق وحوار وليس نزاعا وصراعا ، لأن الأنا الجمعية المعبرة عن هويات الأمم هي المتحاورة .

إن العالمية حلم إنساني مثالي ، يعبر عن رغبة بشرية في توحّد المجتمعات الإنسانية بكل أعرافها ولغاتها في وحدة واحدة ، تكون جغرافيتها العالم الممتد ، على أسس من القيم الإنسانية والأخلاق المشتركة ، وأهمها أخوة بني البشر ، والطموح يحدوها إلى التفاهم الإنساني ، متخذين من الفنون والثقافة والآداب ميادين مفتوحة للتلاقي الإنساني ، جنبا إلى جنب مع نشر قيم السلام والتعاون والترابط ، وكل هذا يكمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . وقد اختلطت هذه الفكرة النبيلة ،

خلال القرون الماضية ، بفكرة التفوق الأوروبي ، فبات مفهوم العالمية مرتبطا في حالات كثيرة بهيمنة أوروبا ثقافيا ، وفرض نموذجها في الحضارة والثقافة ، أو ما يسمى المركزية الأوروبية .

وهذا ما يمكن أن نراه متحققا في المشروعات الاستعمارية الكبرى للدول الأوروبية واحتلالها للشعوب ، فقد كانت الشعارات المرفوعة عن الارتقاء بالشعوب وتنويرهم، تخالف ما اكتوت به الشعوب من نير الاستعمار .

وقد اعتمدت الأمم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين ، إبان الحقبة الاستعمارية على الصراع الإيديولوجي ( جنبا إلى جنب أو يسبق الصراع العسكري)، فالصراع الإيديولوجي يكون حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل، بهدف تشكيل وعي الشعوب الأخرى .

ورأينا ذلك واضحا في الاتحاد السوفيتي قبل تفككه العام 1990م، هذه الدولة الكبرى التي ضمت عشرات القوميات واللغات ، سعت إلى فرض الماركسية عقيدة وفكرا ، واللغة الروسية بوصفها رابطة لغوية ، وكان المقابل لمن يقاوم من الشعوب هو التهجير أو الإفناء ( كما حدث مع الشيشان وغيرهم ) .

أما عن موقفنا الثقافي من العالمية ، فإننا بداية نؤكد أن الإسلام يؤسس للعالمية من خلال مبدئين : الأول : التعارف الذي يعني التواصل والتلاقي بين البشر جميعا ، دون تعصب أو احتقار لأفراد أو جماعات أو الشعوب . والثاني : التعاون فيما هو خير ورحمة وبر وتقوى ، انطلاقا من قوله تعالى : { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}( سورة المائدة ، الآية 2 ).

والإنسان بطبعه إنساني التوجه ، ويعي من خلال طبيعته المخلوقة أنه في حاجة إلى التواصل مع الناس جميعا ، ومن المهم أن يعي المسلم أن القرآن الكريم في العديد من آياته شدد على بعد التواصل الإنساني ، والتقارب بين الشعوب ، ولابد أن يعي الإنسان المعاصر أن منجزات العلوم الطبيعية لا ترتد على نحو فلسفي لتكريس الذات البشرية وإخضاعها للمجال الطبيعي الضيق ومن ثم الانحراف بها عن البعد الكوني والعالمي والإنساني الرحب، وللأسف فإن الدراسات الحضارية والتاريخية لم

تستوعب وتفهم التاريخ الإسلامي في بعده الحضاري العالمي والإنساني، ولم تعطه وزنه الحقيقي ، وتغافلت عن الإطار التاريخي لكيفية تطوره وعطائه .

إن المنظور الإسلامي للعلوم جميعها يرى أنها سبيل إلى استكشاف الكون الفسيح ، وخدمة الإنسان أيا كان ، دون النظر إلى جنسه أو عقيدته أو السعي إلى السيطرة عليه ، ومن هنا وجدنا أن الإسلام تمدد قديما إلى أقطار كثيرة ، وانتشر بفعل رسالة المسلمين السامية التي لا تكره أحدا على الديانة ولا تحتكر العلوم ولا الإبداع لها ، فدخل الإسلام واستقر في بلدان كثيرة ، بسماحة أهله وعقيدته وسمو شريعته ، وهذا يعاكس النموذج الغربي ، الذي فهم العالمية على أنها تكريس لسيطرة النموذج الغربي الأوروبي على الشعوب ، وامتصاص خيراتها، لذا قاومتها الشعوب ، ورفضت ثقافتها إلا قليلا ، فانسحبت تجر أذيال الخيبة .

لقد رفضت الشعوب الإسلامية العالمية التي تكرس النموذج الغربي العلماني، المنطلق من تصورات فكرية ونسقية حداثية ، أن تجعل العقل الغربي هو الموّجه والمتحكم، وجاء رفضها من خلال ثوراتها ومقاومتها على امتداد بلدان العروبة والإسلام .

فنهج البناء الحضاري الإسلامي قديما جاء مختلفا عما فعلته الدولة الرومانية ، وأوروبا الاستعمارية حديثا ، فلم تكن علاقات المسلمين بالشعوب الأخرى قائمة على القهر والصراع ، ونهب الثروات ، إنما حفظوا ثروات الشعوب ، أما الدولة الرومانية فقد استعبدت الشعوب التي احتلتها ، لتبني ملاعب روما الضخمة ، ومعابدها الفخمة ، وقصورها المكدسة في تلالها ، ونفس الأمر حدث في العصر الحديث ، فأنفاق لندن ومبانيها الشامخة وراءها نهب لثروات الهند والصين ، وكم من أفراد وأسر في “جامايكا ” ماتت في المناجم ، أو دفنوا أحياء في انهياراتها ، ليتنعم الإنسان الأوروبي، فالحضارة الإسلامية قديما كانت إنسانية عالمية ، أما الحضارة المعاصرة فهي أنانية غربية .

لقد حققت الثقافة الإسلامية في الماضي بعدها العالمي ، لأنها أعطت ما كان غيرها يحتاج إليه ويتلهف عليه ، لقد كانت ثقافة غنية لأمة قوية ذات حضارة مزدهرة ، صادفت أمما كانت أدنى منها حضارة وثقافة فكان لابد أن تنساب الثقافة

الإسلامية إليها ، وتؤثر فيها ، وتملأ الفراغ عندها ، فكانت اللغة العربية هي لغة العلم والحضارة ، ولم يقتصر الأمر على الأمم الضعيفة ، بل امتد تأثير الحضارة الإسلامية على الأمم القوية ذات الحضارات القديمة مثل فارس والروم ومصر ، فانتشر الإسلام والعروبة ، وتحولت شعوبهما لتبدع ضمن المنظومة الحضارية الإسلامية .

لذا ، يمكن القول إن ثقافة الإسلام ببعدها الإنسانية قادرة على تحقيق البعد العالمي إذا اتصلت بمصادر ثروتها وتراثها واستخرجتها، وانطلقت من قيمها الروحية ورسالتها الخالدة النابعة من دينها ، وبذلك تتحقق العالمية مثلما حققها أجدادنا. وبالطبع لن تكون إرادة القوة هي السبيل للعالمية ، وإنما إرادة المسلمين حاملي مشعل الإسلام ، الذي يدعو إلى الخير والرحمة والتآخي ، ويسعى إلى نشر السماحة والعدالة وتكريم الإنسان ورقيّه .

لا تعليقات

اترك رد