لقد ضاع عني وعجز الكلام


 

“لَقَدْ ضَاعَ عَنِّي وَعَجَزَ الْكَلَامُ”

هذه نواة منها نشأ نصّ حديث الحمل من رواية ” حدّث أبو هريرة …قال” لمحمود المسعدي تضافر فيها الذّهنيّ والجماليّ، وهي بقوّة الإيحاء وبلاغة الرّمز فسحةُ القارئ ليملأ فراغات في النّصّ بما ينشأ في نفسه “من الأفكار والمشاعر” (1)

يعزف أبو هريرة عن الكلام أيّاما وقد اشتدّت أزمته وضاعت قبلته بعد فشل تجربته مع الجماعة وخروجه عنها ليبدأ تجربة جديدة ” ولم يزل كذلك حتّى فقدناه شهورا”… وقد وازى ضياعَ أبي هريرة في حديث العمى وتيهه في الوجود ضياعُ الكلام. وصاحب انغلاقَ السّبل أمامه عيٌّ وعجزٌ عن الكلام.

وكذا كان كلّما انقطعت به السّبيل في إدراك المعنى انقطعتْ سبيلُ الكلام. لكأنّما كفّت لغة التّواصل عن أن تستجيب للأحوال المعيشة وتعبّر عن كوامن النّفس.

كان صمت أبي هريرة ثقيلا ثقل المعنى يكون في النّفس ولا ينقال؛ ثقله ” إذا همّ أن يكون” وقد قال النّمر بن تولب : ” أعذني ربّ من حصر وعيّ … ومن نفس أعالجها علاجا”

وحال الصّمت أو العَيّ الّتي يكون عليها أبو هريرة لها مواضعها من الرّواية. انظره وقد أعياه اختلال منطق الأشياء في ذكرى أخته الصّغيرة “على وجومه كالممتلئ بكاء لا ينفجر، ثقُل علينا وأعدانا من غمّه فقلنا: قلها، قد ضقنا” (2)، ويصفه و- قد ضاق بأصحابه- كهلانُ: ” كلّما انتشر في خواطره سجا كالبحر وشاع كالدّهر وامتدّ. فكرهتُ أن أسأله ولزمتُ صمتي حتّى عاد إليه الكلامُ” (3)

انظر ” حديث الوضع أيضا” (4) في التّأمّل في تجربة الحسّ، انظره يقول لأبي المدائن في حديث الشّوق والوحدة:” من أنت؟ ممّن أنت؟” يستعدّ لخوض تجربة الجماعة؛ يسأل عن الماهية وعن الآخر فيها، انظره في حديث العمى وضع تجربة الجماعة واستعدّ لأخرى وقد التبس الوجود التباس اللّغة، ثمّ انظر قوله هذا في حديث الحمل:” لقد ضاع عنّي وعجز الكلام” يكابد الوجود يشحذ المعنى.

وانظره في المقاطع الحواريّة طوال الرواية كيف تستحيل المخاطبة لمحة، شذرة لحظاتِ التّجربة القصوى. تبوح بقدر ما تحجب، وتحجب بقدر ما تكشف. كأنّها الإشارة ” تلوح في الفهم ولا تسعها العبارة” على حدّ قول ابن عربي.

وقد وضح في النّصّ ارتباط كثافة التّجربة بالعجز عن الكلام في تعليق حرب بن سليمان:” فهو يومئذ أملأ فأعظم وأبدع ما يُرى وأجلُّ”. وهذا وجه أوّل من وجوه التّشاكل بين الحال والمقال. وأبو هريرة في حاله هذه أقرب إلى الصوفيّ تضيق عبارته على قدر اتّساع رؤيته.

وإنّما ضاع عنه الكلام لتعلّقه برؤيا ومواجيد لغتها الإشارة لا العبارة. وإنّما عجز عن الكلام لأنّه لم يجد في مخاطبيه كفاءة التلقّي وقد تفرّدت تجربته. ” يقول أبو المدائن متحدّثا عن أبي هريرة: ” كنت أقول في بعض الأيّام: عمْ صباحا يا أبا هريرة، فيلقاني بعينين كأنّهما الغيب ويقول: منْ أنت؟ أو: ممن أنت؟ ويمرّ كالخيال”

ونجد عند أبي هريرة على مدى تجاربه إشارات شذرات أشبه بمواقف (5) المتصوّفة” جاءت على التّكثيف والإيحاء والتّرميز وافقت عمق التّجربة وغنى الدّلالة. وقد وصفتْ ريحانةُ إشاراتِه تلك فقالت: ” لم يكن يُغرب وإنّما كان كلامُه بعيدَ المدى. هذا حديث الأبد” (6). ومن شواهد كلامه هذا:” لم أر كالأصنام ظاهرها الرّوح وتملك الجسد” (7)، أو:” إن استطعت فاجعل كامل حياتك فجرا”، أو حديث الحسّ اكتفت فيه ريحانةُ محاورتُه بالسؤال تقدح به خطاب المكاشفة وشى بفرادة التّجربة … وعديد غيرها في ثنايا النّصّ (8).

تنازعٌ إذن في وعي أبي هريرة بين الحال تكثّفت والعبارة تحاول جلاءها ولا تستطيع، بين حاجة البوح وشكاة العيّ والحصر. وتنازعٌ في التّركيب بين الفعلَيْن (ضاع وعجز) في الفاعل (الكلام) تردّد بين الإضمار والإظهار لتعذّر اجتماع عاملين على معمول واحد على حدّ تعبير النّحاة.

ويسلمنا النّظر في عاملي التّنازع فِعلَيْ “ضاع وعجز” والمعمول المتنازَع فيه الفاعل “الكلام” إلى مقاربة لغويّة بلاغيّة تكمّل المقاربة الدلاليّة الآنفة.

ضاع عنّي Ø وعجز الكلام.

جاء في اللّسان” الضّاد والياء والعين أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على فَوت الشّيء وذَهابِه وهلاكه”. وفي معنى المجاوزة الذي يفيده الحرف “عن” إجمال للمعنى المعجميّ وإضافة لمعنى الطلب يجدّ فيه صاحبه ولا يبلغ مطلوبه.

والعجزُ الضّعفُ والقصورُ عن الأمر. وإنّما يعجز الإنسان يريد الفعل فلا يتمّ له، يريد الكلام فلا ينفتح له باب القول وهو الذي توفّر على آلته فالعبارة على المجاز المرسل وعلاقته المُسبّبيّة فلا يكون كلام حتّى يتلفّظ الإنسان.

ويعيدنا هذا التّفصيل البلاغيّ إلى صلة اللّغة بالإنسان تكون به أو يكون بها. تكون به لأنّه الوحيد القادر على إنتاج الرّموز بكلّ محمولها الثّقافيّ، ويكون بها؛ “يوجد فيها وبها” فهي سبيله إلى الوعي بالذّات وبالعالم وبالآخر لقدرتها على إنتاج المعنى وتوليد الدّلالة، ولدورها في فهم الوجود إذ ينفتح الإنسان، ذاتا حرّة متنوّعة بالكلام مقابل اللّغة مواضعة اجتماعيّة مُلزمة، على موجودات العالم يحاورها. كذا يسكن الإنسان لغته إذ يسكن العالم. يحقّق بها كينونته آلاما وآمالا، وأسئلة كبرى تجلو – أو تحاول-أسرار الوجود. يقول هيدغر:

” في اللّغة تصبح الأشياء وتكون. وإنّ وظيفة اللّغة الجوهريّة هي التّعبير عن الكينونة والوجود” (9)

ووَفْقَ هذا الفهم فإنّ عجز الكلام أمارةٌ على القصور في كشف حجب الوجود ودليل على فيض أحوال النّفس على حدود اللّفظ.

على أنّ المجاز الظّاهر في “عَجَزَ الكلامُ” يفهم على الحقيقة إذا ما استحضرنا البعد الأنطولوجيّ للكلام باعتباره ” مأوى الوجود”؛ “يرى هايدغر أنّ الإنسان لا يستعمل اللّغة بل اللّغة تتكلّم من خلاله والأشياء تتجلّى من خلال اللّغة… النّداء الصّادر عن الوجود يأتي إلى الإنسان عبر اللّغة والّتي تعتبر أشمل منه وأبعد من أن يكون لها سيّدا ومالكا لها مادامت هي المتكلّم الفعليّ لما يقول”.

“أنا لغتي. أنا ما قالت الكلمات: كن جسدي، فكنت لنبرها جسداً. أنا ما قلت للكلمات: كوني ملتقى جسدي مع الأبدية الصحراء. كوني كي أكون كما أقول!” المدخل الوجيه الّذي يقترحه محمود درويش لقراءة كتابة المغامرة ومغامرة الكتابة: حدّث أبو هريرة…قال لمحمود المسعدي.

(1) حدّث أبو هريرة .. قال. مقدّمة المؤلّف. ص 12.
(2) حديث الحقّ والباطل. ص 102
(3) حديث العدد. ص 129
(4) حديث الوضع أيضا. ص 93
(5) «المواقف» جملة من النّصوص المتميّزة بـ”حواريتها” و”كثافتها” تكون حكمة أو مخاطبة وقد تكون حوارا مقتضبا
(6) حديث الوضع. ص 88
(7) حديث القيامة. ص 71 . عقّب أبو المدائن :” أردت أن أثنيه عمّا أخذ فيه من مبهم القول”
(٨) ثمانية أحاديث، مكتوبة بالأسلوب الشّذريّ: حديث الوضع أيضا (ص101) وحديث الشّوق والوحدة (ص113) وحديث الحاجة (ص125/126)، وحديث العمى (ص167/168)، وحديث الحمل (171ص)،وحديث الهول (ص193)، وحديث الشّيطان (ص197)، وحديث الجمود (ص217/218). وقد تراوحت طولا بين أربعة أسطر في حديث الشّيطان، واثنين وعشرين سطرا في حديث الحاجة، أمّا بقية الأحاديث الموجزة فقد تراوحت بين خمسة أسطر وعشرة.
(٩) انظر” انطولوجيا اللغة عند مارتن هيدغر. إبراهيم أحمد ط 1. 2008 . الدار العربيّة للعلوم. بيروت.

لا تعليقات

اترك رد