ماوراء الإصرار على الفياض ؟!


 

يتبنى الصدر مشروعاً يهدف لإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية تضمن سحب سلاح الميليشيات (جميع الميليشيات بما فيها سرايا السلام) وحصر السلاح بيد الدولة، وتقوية القوة الإجرائية للقوات المسلحة، ومن أجل ضمان نجاح هذا المشروع الذي يمثل طموح الغالبية العظمى من أبناء الشعب المدعوم والمؤيد من المرجعية الدينية العليا في عدد من الخطب والبيانات الواضحة بهذا الخصوص، يتطلب تقديم وزراء مستقلين سياسياً ومهنيين عسكرياً وأمنياً.

وهذا المبدأ حصل التفاهم بشأنه بين القوى الشيعية الرئيسة، وهو أحد ركائز التوافق الذي أنتج تسمية عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة، المفاجئ هو تقديم السيد فالح الفياض مرشحاً وحيداً لتسنم منصب وزارة الداخلية، والفياض كما هو معلوم زعيم حزب عطاء، ورئيس كتلة سياسية، ومحسوب على محور سياسي محدد، وقد شاب عمله في رئاسة هيئة الحشد الشعبي ملاحظات فيما يتعلق بالنزاهة والحياد في التعامل مع فصائل الحشد المنقسمة في ولائها بين محور ولاية الفقيه “فصائل المقاومة والممانعة” والفصائل الأخرى التابعة لمرجعية النجف والقرار الوطني، الأمر الذي أدى لصراعات واِنقسامات أبرزها مع ما يعرف بـ(حشد المرجعية) أو فرقة العباس القتالية.

ترشيح السيد فالح الفياض منفرداً والإصرار عليه بهذا الشكل وعلى الرغم من كونه يبدو صراع كسر إرادات بين الصدر وغرمائه، لكنه يكشف للمطلعين على خفايا الأمور أن سيناريو الاستقرار الأمني في العراق، وحصر السلاح بيد الدولة، والسيطرة على الجماعات المنفلتة، وعصابات الجريمة المنظمة، قد رُفض من الجانب الإيراني الداعم للفياض، وأكثر من ذلك يبدو أن الفياض من دون غيره يمثل مشروعاً آخرَ مدعوماً من المحور الإيراني، وعلى الرغم من أن الصدر والحكيم والعبادي لا يمثلون خطاً معادياً لإيران في العراق، إلا أنهم وحسب تصريح العبادي مؤخراً “ضحية صراع محاور داخل إيران” فالحرس الثوري القابض على الملف العراقي يعتمد استراتيجية خشنة تتجاوز حدود العراق السيادية، وتهدد اِستقرار المنطقة عن طريق تورطها مع الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والبعثيين في سوريا والوفاق الإسلامي في البحرين، والحركة الإسلامية في نيجيريا، والجهاد، وحماس في غزة، وغيرها من الجماعات الثورية، والجهادية المرتبطة بالمشروع الإيراني، بالمقابل تناضل قوى عراقية مثل الصدر، والحكيم، والعبادي، وعلاوي، والمطلك، وآخرون من أجل اِستقلال القرار الأمني والنأي به عن صراعات المحاور في المنطقة لاسيما بعد الدمار الفظيع الذي خلفه اِحتلال داعش واِستباحة الأراضي العراقية، إزاء التقاطعات الدولية.

بعيداً عن أية شخصنة، لم يعد السيد فالح الفياض قادراً على تسوية الانقسام الشيعي، وكلنا يعلم أن نجاح أي مسؤول أمني يعتمد على قدرته في تحييد الأطراف المؤثرة وتسوية الخلافات وإقناع الجميع بضرورة منح المؤسسة العسكرية فرصتها في مسك الأمن وتطبيق القانون وتحقيق العدالة، كيف إذا أصبح المسؤول الأعلى للمؤسسة هو ذاته أبرز نقاط الخلاف والانقسام؟!

سيكون السيد الفياض عبئاً على حكومة السيد عادل عبد المهدي أكثر من كونه عبئاً على أجهزة وزارة الداخلية ومنتسبيها وقرارها الأمني، بل سيؤدي وجوده إلى تعزيز المخاوف بشأن حياد المؤسسات الأمنية واستقلال قرارها، وهذه النقطة كافية لأن يُؤثِّر السيد الفياض المصلحة الوطنية ولا يُقحم نفسه في مثل هذا النوع من الصراعات التي تؤدي في الغالب لسقوط ضحايا وتعريض أمن البلاد للخطر.

في الجانب الآخر أرسل السيد عادل عبد المهدي رسالة سيئة للغاية، تشكك في قدرته على إدارة الأزمات في بلد تعصف به الصراعات بلا حدود، كما ساهم بشكل مبكر وغير مبرر في اتساع هوة الخلافات بين الأطراف الرئيسة، متجاهلاً أهمية حفظ التوازنات وتطوير التفاهمات بين القوى المتكافئة في نجاح حكومته في تنفيذ المنهاج الوزاري الطموح الذي عرضه على مجلس النواب.

إن أزمة وزارة الداخلية ليست خلافاً يتعلق بوزارة أو شخص كما يتصور بعضهم، إنما هي خلاف بشأن استراتيجية الأمن الوطني في العراق، وتحرير القرار الأمني من صراع المحاور، واِستعادة القوات المسلحة لدورها في السيادة الوطنية، وإنفاذ سلطة الدستور والقانون.

لا تعليقات

اترك رد