أعمال التشكيلية المغربية خديجة الخيال


 

تتميز أعمال الفنانة المغربية خديجة الخيال بنمط من السلوك الأدائي المرتبط بجمالية وحدات الزحرفة الحرة وباختزال تفاصيل تدرجاتها المستمرة في التطبيق العملي التجريبي. وترتبط أعمالها الفنية بعمق مراحل التأسيس تاريخياً لتلك السلوكيات المزخرفة، كون الزخرفة تعد مجموعة من الخطوط والنقاط والأشكال الهندسيّة، وعدد من الرسوم للنباتات والكائنات، وعدد من الكلمات المتداخلة والمتناسقة، والتي تعطي في النهاية شكلاً مميّزاً يُستخدم لتزيين الكنائس والجوامع والمباني والمدافن وغيرها. وتُعتبر الزخرفة أحد علوم الفنون التي تهدف إلى البحث في فلسفة النسبة والتناسب والتجريد والكتلة والفراغ والتكوين والخط واللون، وهي إما أن تكون وحدات طبيعيّة آدميّة، أو نباتيّة، أو حيوانيّة أو وحداتٍ هندسيّة تحوّلت إلى أشكالٍ تجريديّة، وتركت فيها المجال لخيال وإبداع وإحساس الفنان، وقد تمّ وضع الأصول والقواعد لها في تزيين المباني والأواني والملابس والجوامع والكنائس والمدافن والنقود والعملات والقصور وغيرها من الخدمات.

تأتي أهمية الإنجذاب نحو أعمال الفنانة خديجة الخيال بما يرتبط بعمق جذور الأعداد والتهيئة لمكنونات البنية التشكيلية عبر مراحل التحول والتجدد، وهذا ما ينطبق على ممارسة الصيغة التقنية المميزة لمفردات أعمالها. حيث ترتبط تلك الجذور بما رافق الزخرفة للحياة الإجتماعية منذ ما قبل التاريخ، وازدهرت في كافة العصور، وتُعتبر مرآة الحضارات، ففيها عكست الأمم المتلاحقة أشكالاً ونُظُم الحياة والمعيشة والعادات والتقاليد.

واعتبرت الزخرفة إحدى وسائل معرفة تاريخ الأمم السابقة ومدى تطورهم وتعمّقهم الفكري والديني والمعرفي ومدى تحضّرهم.

وفي أعمالها نتائج تكوينية تتوافق مع تلك المراحل بما عرف عنها إلى ماقبل التاريخ كفن الزخرفة، وبما أنه كان وقتها يسير على الفطرة وكانت اهتماماته لا تتعدى مهام الحياة اليومية وشؤون الحياة بتفاصيلها، جاءت الزخرفة فطرية في نشأتها وظلّت كذلك ردحاً طويلاً. فرسم الإنسان وقتها ونقش وزخرف بعض الأشكال البدائية من خطوط ونقاط. وعندما أحسّ الإنسان بوجود قوى خفيّة في الطبيعة، مسؤولة عن تحريك الكائنات، تغيّرت أشكال الزخرفة والنقوش ورسموا حينها الكائنات والنباتات وبعض الظواهر الطبيعية. ومع تقدّم الإنسان معرفياً وحضارياً، ألحّت عليه الحاجة للتجميل، فاستعمل الزخرفة في تزيين الكهوف ووشم الأجسام وزيّن بها الأواني والأدوات والملابس برسوم وزخارف ونقوش شتى، وقد قصد بها التجميل والتزويق.

وللفنانة خديجة أعمال تعبيرية معاصرة إرتبطت بما كان في وقتها تاريخياً مختلف مضامين أهدافها الحالية، ففي السابق كانت بعض الزخارف تمثّل الإلوهية، وقوّة الطبيعة والسحر، حيث استخدمها الإنسان عندما شعر بوجود قوى خفيّة في مظاهر الطبيعة، فراح يتقرّب منها بتعبيرات زخرفية فرمز للشمس بدائرة تتوسطها نقطة، ورمز للجهات الأصلية بقطرين متعامدين في دائرة. بينما في أعمالها وحدات زخرفية تجمع بين الجمال الاستاطيقي وادائها التعبيري واستخدمت وحدات مدورة مليئة بأحجام مصغرة. كذلك في أعمالها وحدات ومفردات مكوّنة من نقاط وخطوط وأشكال هندسية ومضلعات متداخلة أحياناً ومتشابكة فيما بينها للحصول على تكوينات زخرفية منفصلة في ترتيب خطوطها المحيطة لها.

ضوابط أكاديمية هندسية :
وفي محصلة الصيغة النهائية للرؤى الشكلية في ترتيب أعمالها، نجد هنالك إرتباط بالاسس التشكيلية ومنها التوازن والتي تعد قاعدة أساسية ينبغي توفّرها في كل تكوين زخرفي أو عمل فني زيتي، وهو يعبّر عن التكوين الفني المتكامل عن طريق حسن توزيع العناصر والوحدات والألوان، وهو قانون مستوحى من الطبيعة وما تحويه من كتل ذات سطوح ودرجات لونية في علاقات متّزنة ببعضها. أي أن اتباعها لتطبيق التوازن ليس في حدود أحجام الأشكال، وإنما مستويات الأعماق اللونية ومتضاداتها. وفي الوقت ذاته هنالك تناظر أو تماثل، وهو من القواعد المهمّة التي تقوم عليها بعض الزخارف الذي ينطبق نصفها على نصفها الآخر بواسطة مستقيم يُسمّى المحور والتناظر النصفي والكلي. والزخرفة لديها يتطابق مع الإيقاع المتكرر، سواء كان في الفراغ أو مفردات الوحدات. وهي صفة رئيسة عند قوانين الزخرفة. ولكن برؤيتنا العامة، أما عندما نتأمل التفاصيل نجد أن أعمالها متحررة من الإيقاع الثابت الممل، وخاصة أعمالها التي ترتبط بمفردات الأشكال البشرية ومنها الوجوه وكذلك المفردات النباتية.

ونلاحظ الوجوه محاطة بتموجات مستطيلة تنحدر نحو الأسفل لتبيان الإحاطة بالجسم، تتكون من خطوط غامقة وفاتحة أو تضاد ات لونية. وكذلك نجد نقاط متجاورة بيضاء ولون مجاور يحيط الدوائر والوجوه. وتنقسم أجزاء الوجوه بتغطية تكوينية متراصة في اسفلها، إضافة إلى تراكمات النقاط في مساحات فضائية أو الفراغات داخل اللوحة، تمتاز تلك الصيغ من المنهج الشكلي بما يتلاءم مع مضامينها المختزلة في الإفصاح عن نفسها بما يوافق رؤيتها الجمالية المريحة للمتلقي. إنها تريح النفس والشعور والإسترخاء والتأمل.

ولم تقتصر صيغة أعمالها على طريقة التجاور المليء بالأشكال الدقيقة فقط، وإنما هنالك مساحات منفذة بلون مجرد كي تتنفس التكوينات الدقيقة للمشاهد.

في أعمالها الزخرفية الخاضعة إلى الدوائر والتركيبات الهندسية تحتاج إلى دقة في إستخدام الفرشاة وبأحجام صغيرة ورقيقة، تتطلب مزيد من الوقت والصبر والأصغاء والانغماس في مجريات التفاصيل والحذر من انحراف المقيدات المنظمة.

وتعد هذه الأعمال لها صلة بالزخرفة الهندسية وقوانينها المنهجية الأكاديمية. ولكن كما نوهنا إلى ذلك بأن أعمالها فيها إرتباط بخيالها الفنتازي والوجداني كي تتنفس نحو الاسترخاء وراحة البال والتفاؤل والمحبة والأمل في جوانب الإيجابيات المتفائلة للحياة. عكس التشاؤم والإحباط والبؤس واليأس. يتم ذلك التجسيد من خلال الألوان المبهجة ووحداتها الزخرفية المتناسقة. وهنالك تموجات من وحدات لونية متجاورة تتحرك بسرعة فائقة ومستديرة نحو نقطة تلاشي وكأنها عاصفة موجية حادة من الهواء. لذلك نجد في أعمالها هنالك تنوعات في صيغ تطبيقاتها الشكلية برغم توافق المشتركات التي تخص الوحدات الدقيقة لأعمالها والتي تعكس إنفرادية أسلوبها الخاص.

أرى تلك الأعمال تخضع إلى جوانب التطبيق العملي التجريبي المستمر الذي يؤدي إلى إفرازات متجدده عبر مراحلها الزمنية اللاحقة، وهذا الأمر ينطبق على أسماء كبيرة من الفنانين العالميين، سواء فنانين من الدول الغربية أو العربية. وتعد هذه الصفحة هي صفة إيجابية متحركة غير مقيدة بإطار أسلوبي محدد. تلك الصفة التي أتوقع تطبيقها عند الفنانة الخيال. والسبب يعود إلى نضوج وجودها الإنجازي الجديد القابل إلى التطور والتجريب عبر سنواتها المقبلة.

وبإختصار خديجة الفنانة الخيال من مواليد 1969 بدوار لمعانات ضواحي مدينة موكادور أو الصويرة التي تعتبر قبلة للسياح من جميع بقاع العالم.

خديجة المرأة العصامية التي كسرت قيود الأمية لوحدها عن سن يناهز … بتعلمها القراءة والكتابة،
خديجة المرأة التي تمردت عن واقع يقزم أدوار المرأة وخصوصاً القروية في أشغال البيت لتصبح أيقونة الفن التشكيلي بمدينة الفنون (الصويرة).
الفنانة خديجة الخيال بدأت الرسم منذ 3 سنوات، وتستخدم … في رصيدها الآن 50 لوحة فنية أهلتها بأن تعرض في معارض ومسارح كبرى .

المقال السابقصناعة التغير في المجتمع ج 1
المقال التالىمافيا الاراضي والعقارات
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد