الولادة والنشأة


 

وفي اللوحة رقم 8 المرفقة تبدأ رحلة الفنانة عالمة خارج مرحلة الولادة والنشأة، فهي في هذه اللوحة تستعيد ما خزنته ذاكرتها عن فترة إقامتها في القاهرة، واستغلت الوقت للتعرف على مدينة كنت أسميها قبل زيارتها مدينة الحلم، وأيضا بدأت بإكمال دراستها الفنية في معهد ليونارد دافينشي للفنون، حيث ستنهل الفن من كبار الفنانين في مصر، فالمدرسة التشكيلية المصرية الحديثة من أهم واقدم المدارس التشكيلية العربية، والفنانة مهتمة بتطوير قدراتها وإمكانياتها الفنية.

المكان كان دوما وما يزال يأسر الفنانة عالمة كما الطبيعة وجمالها، بل أن تجربتها الإبداعية تقوم على ركيزتين أساسيتين هما الطبيعة والمكان، فالطبيعة هي المكان البكر وإبداع الخالق، والمكان هو الموروث من جهد الآباء والأجداد، والفن التشكيلي المرتبط بالمكان تطور عبر العصور، فالعمارة أحد أشكال هذا الفن عبر الزمان قبل أن يرسم على لوحات فنية، وفي فلسفة خاصة بالفن المرتبط بالمكان أعتبر مرتبط بالزمان الذي انجز به العمل الفني، فاللوحة الفنية قائمة على استحضار الذاكرة وتفريغ الصورة من العقل الباطن، وإضفاء المتخيل والذوق الفني على الصورة المستحضرة، فيصبح العمل الفني يجمع بين المتخيل والذاكرة عن طريق إعادة تشكيل صورة المكان وخلق جماليات جديدة ومختلفة عن الواقع وإن حملت بعض من سماته في داخلها، فالفنان يقوم بالرسم حسب الرغبة بالوسائل المتاحة وحسب الأساليب التي تطغى عليه لحظة تولد إشراقة اللحظة، معتمدا على ذاكرته الفردية وكيف انطبع المكان في ذاكرته.

اللوحة كانت محاولة لتصوير غير المرئي في القاهرة من خلال التجوال في المكان التراث وليس الحديث المشوه بأشكال معمارية دون فن وجمال ودون فكرة أو عبق تاريخ، فالفنانة هنا الرؤية البصرية أوجدت علاقات مباشرة بين المكان والإنسان، فهذه اللوحة من اللوحات النادرة التي رسمتها عالمة العبداللات وضمت شخوصا بشرية، واضعة هذه الشخوص ضمن الواقع المعاش، فالمرأة التي ترتدي الملائة السوداء التقليدية تجلس للأرض وتفترشها ولعلها تعرض بضاعة بسيطة للبيع على الأرصفة، بينما الشخوص الأخرى لذكور يرتدون الملابس العربية التراثية ويسيرون في الشارع، فهنا كانت اللوحة ممازجة بين المتخيل والواقع وما حوته الذاكرة، فأوجدت علاقة جمالية من خلال اللوحة بين العناصر التي أدت إلى رسم اللوحة وأشارت تلقائيا إلى علاقة الإنسان بالمكان.

لقد استخدمت الفنانة اللون البني الترابي وهو اللون الذي يغلب على مباني وأحياء مصر التراثية والقديمة، وضمت لوحتها المئذنة وقبة مسجد، ولو تذكرنا فقط أن القاهرة في بدايات ستينات القرن الماضي كانت توصف بمدينة الألف مئذنة، لأدركنا أهمية ورمزية المآذن في اللوحات التشكيلية ولوحة الفنانة، وأيضا لم تفل الفنانة نمط البناء التراثي من جهة والمشربيات الخشبية من جهة أخرى، ولم تغفل الأسواق المسقوفة أيضا، وفي نفس الوقت اعتمدت البساطة في اللوحة فابتعدت عن الحشو غير المبرر، معتمدة البساطة باللون المنساب وفي رموز اللوحة التي تعبر عنها.

فاللوحة كعمل فني متناسق ومتكامل الأدوات عبارة عن لغة إنسانية باللون والرمز والتشكيل، فهي تخاطب الآخرين من خلال لغتها التشكيلية وأفقها الإنساني وارتباطها بالمكان، هذه اللغة التي تحقق التواصل الإنساني بدون كلام وبدون مفردات لغوية، فهي تؤمن تماما أن الفن رسالة إنسانية وجمالية ولغة تواصل بين الشعوب، وعالمة المنزرع الجمال في داخلها لا تبحث عن التعبير عن الألم والهموم والمعاناة البشرية، فهي تؤمن أن الجمال وتلمسه يؤدي إلى الحب والمحبة والسمو بالروح وبالتالي الترفع عن الاستغلال البشري مما يجعل الحياة أكثر فرحا وسعادة، فالفن التشكيلي عندها رسالة جمالية وإنسانية واجتماعية.

*من كتاب عالمة العبدلات مسيرة فن وابداع للكاتب.

المقال السابقحوار مع الفنانة الكبيرة نجاح سلام
المقال التالىالاعلام والأمن القومى المصرى
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد