أعداء إسرائيل الفاسدون !


 

الصهيونية حركة سياسية يهودية، ظهرت في وسط وشرق أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر ودعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين بدعوى أنها أرض الآباء والأجداد، وهي من هذه الناحية تشبه جميع الحركات القومية والدينية التي تحث الجماعات العرقية أو الدينية لإقامة أوطان قومية أو دينية مثل حزب البعث أو الأخوان المسلمين أو حزب الدعوة الإسلامية، لكن الصهيونية استطاعت أن تحقق بعض أهدافها المعلنة في تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.

كلّفت الحركات القومية والدينية الدول العربية ملايين من الضحايا في حروب استنزاف عبثية فضلاً عن ذلك تخريب نظام التعليم وأدلجة السياسات الاقتصادية والثقافة والفنون مخلفة أجيالاً من المقهورين في وطن مهدور وقائد ضرورة، مثقلين بالجهل والتطرف والفقر والتخلف وغياب العدالة والمساواة، وفي مقارنة بسيطة مع منجزات الحركة الصهيونية في إسرائيل سنكتشف أن الصهيونية حققت إنجازات كبيرة لجمهورها، فبعد إعلان إسرائيل وطناً قومياً لليهود وفرّت بيئة سياسية ديمقراطية بحدود أكثر من مقبولة حيث حكم إسرائيل تسعة رؤساء منتخبون إبان حكم صدام من (2003 -1979) بينما قضى صدام والبعثيون على التعددية السياسية والحزبية في العراق تماما في غضون ذات المدة، هذا ولو أخذنا معدلات التنمية الاقتصادية في ذات الفترة الزمنية سنكتشف أن العراق خسر حضوره كفاعل رئيس في اقتصاديات المنطقة بينما إسرائيل سجلت معدلات نمو استثنائية.

يحاول القوميون والإسلاميون تبرير فشلهم بغياب الدعم الدولي لهم وانفتاحه على إسرائيل وهو تبرير مضحك لأن إسرائيل تعاني من حصار وتهديد فعلي من محيطها الجغرافي بينما لم تمنع الدول الصناعية الكبرى العراق وسوريا ومصر والسعودية وإيران وتركيا من تنشيط السوق المشتركة والزراعة والصناعة والتعاون الاقتصادي البيني.

لست بصدد دراسة مقارنة للسياسات الإسرائيلية الدفاعية والاقتصادية والتنمية المستدامة من عام 1948م حتى الآن، على الرغم من أهمية هذا النوع من الدراسات عربياً، لكني وأنا أستمع لكلمة رئيس الوزراء العراقي الأسبق السيد نوري المالكي في “مؤتمر الوحدة الإسلامية” المنعقد بطهران، وجدّت نفسي مندهشاً من حجم التماهي بين خطاب الجماعات القومية العربية ومنهم البعثيون وبين الجماعات الإسلامية الجهادية والثورية والسياسية، فالجميع يستغل القضية العادلة للشعب الفلسطيني متخذا من انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان ذريعة لتضليل الرأي العام وتعمية الشعوب إزاء حاجاتها الأساسية والضرورية!

فالمالكي الذي هدر في سني حكمه الثمان أكثر من 800 مليار دولار لم يبنّ أثناءها مدرسة نموذجية واحدة، ولا جامعة أو كلية عصرية واحدة أو مركز أبحاث علمية أو مستشفى نموذجياً واحداً، أو دار أيتام واحدة، أو مبرة للمسنين وذوو الاحتياجات الخاصة، أو مصنعاً واحداً يستثمر ثروات العراق الهائلة والطائلة، بل لم ينجح في استصلاح ملايين الهكتارات من الأراضِ الزراعية أو بناء سدّ ينقذ العراقيين من خطر العطش الذي يهددهم، بل لم يبنّ محطة تنقية مياه صالحة للشرب لمدينة البصرة التي تقدم وحدها ما يزيد على 80٪ من موارد الدخل القومي حسب إحصاءات وزارة التخطيط العراقية، المالكي يشنّ هجوماً عقائدياً يعلن فيه حرباً مفتوحة ضد إسرائيل متهماً إياها بتهديد استقرار المنطقة وزعزعة أمن العراق، ولا أدري هل نسي أم تناسى السيد المالكي بأنه في غضون فترة حكمه تمكنت عصابة لا يزيد عدد أفرادها على 350 من مرتزقة داعش من احتلال ثلث الأرض العراقية من دون أي قتال يذكر من قبل قواته في عام 2014 تاركين خلفهم ملايين المواطنين الأبرياء والمعسكرات المملوءة بالأسلحة الفتاكة والأعتدة والدبابات والطيارات ومصارف الدولة التي تحتوي على مليارات الدنانير وملايين الدولارات والتي أصبحت فيما بعد أهم مصادر تمويل وتقوية هذه العصابة الإجرامية!

لا أدري هل منع “الكيان الصهيوني” (كما يحب المالكي تسمية إسرائيل) محافظ حزب الدعوة في البصرة أو الناصرية أو بغداد أو باقي المدن الشيعية التي كانت تدار من قبل حزب الدعوة الذي يتزعمه السيد المالكي، هل منعتهم إسرائيل هؤلاء من بناء المدارس والمستشفيات وتعبيد الطرق والبنى التحتية.

حرص السيد المالكي على الإشادة بالدور الإيراني في ترسيخ قيم المقاومة ودعم الشعوب المقهورة معلناً ولائه لقائد الثورة الإسلامية والمرشد الإيراني الأعلى السيد علي الخامنئي، ما جعلني اتذكر تظاهرات الجماهير الغاضبة في المدن والمناطق الشيعية التي طالبت بمحاكمة سراق المال العام وتقديم الخدمات الضرورية للمناطق المنكوبة في الوسط والجنوب وهي ترفع شعار “إيران برا برا” في أبرز ردّ فعل شعبي على قطع إيران روافد نهر دجلة الذي أدى لنقص حاد في مناسيب المياه مسبباً ارتفاع الملوحة ونفوق الماشية وهلاك الزرع في مناطق واسعة من ديالى إلى البصرة، فضلاً عن ذلك أطنان المخدرات التي تدخل هذه المدن من إيران وتدريب آلاف الشباب الشيعة وتجنيدهم في ميليشيات تنفذ أجندة الحرس الثوري الإيراني وتمثل أكبر تهديد للأمن الوطني والاستقرار المجتمعي في العراق.

لا أدعو لتعويم القضية الفلسطينية ولا أتفق مع سياسات التطبيع مع إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، ولكني أدعو لتحكيم البديهة التي تقضي أن يدافع عن الشرف النبلاء والأفذاذ من الذين نجحوا في بلدانهم ومجتمعاتهم ورفعوا من شأن شعوبهم، وكفى استغلالاً لقضية الشعب الفلسطيني من قبل المجرمين واللصوص والمستبدين والفاشلين.

المقال السابقمن أشد الضرورات إلحاحا
المقال التالىوصايا غيمة
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد