حكاية الجمعة السوداء


 

الجمعة السوداء من التقاليد التجارية المعروفة على الصعيد العالمي وتكثر في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا المختلفة . أما اليوم الرسمي للجمعة السوداء فهو أخر يوم خميس من شهر تشرين الثاني الذي يلي عيد الشكر وفي هذا اليوم تقدم المحلات التجارية والشركات ومراكز الأزياء عروضا خيالية تتسبب أحيانا في خلق مشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية . أما في باقي دول العالم فنجد يوم الجمعة الأسود يحدث في أيام غير يوم الجمعة خلال فترات محددة من النهار . فتقوم إحدى الشركات بالإعلان فجأة عن تخفيض في منتجات محددة لساعات قليلة تكون بمثابة صدمة للشارع والسوق خاصة وأن المال لا يكون متوفرا دائما .

فما هي قصة الجمعة السوداء؟
يروي لنا التاريخ قصصا عديدة ارتبطت بمصطلح الجمعة السوداء . لقد ارتبط مصطلح الجمعة السوداء بأزمة مالية أدت لانهيار أسواق الذهب في الولايات المتحدة الأمريكية في 24 أيلول عام 1869 م ولم يكن على علاقة بعطلة التسوق كما هي معروفة حاليا في مختلف دول العالم .

لقد ارتبطت ” الجمعة السوداء ” برجلين من ذوي السمعة السيئة هما غاي غولد وجيم فيسك حيث تعمدا شراء كميات كبيرة من ذهب الدولة الأمريكية على أمل رفع أسعار الذهب بدرجة كبيرة وتحقيق أرباح قياسية غير مسبوقة ، وفي ذلك اليوم ” الجمعة ” انكشفت المؤامرة وانهارت البورصة وأعلن الكثيرون إفلاسهم .

ويروي آخرون حكاية أخرى حيث يقوم باعة التجزئة بعد عام كامل من الخسارة البيع تحت الخط الأحمر بالبيع فوق الخط الأسود. ويبدأ البيع بالأسود في اليوم الذي يلي عيد الشكر حيث ينفق الكثير من المواطنين المال على شراء السلع المعروضة بخصم كبير . وهذه الطريقة في البيع والشراء وحكاية الخسارة والربح مستبعدة في العلوم التجارية ولهذا السبب تستبعد هذه الحكاية عن أصل تسمية يوم ” الجمعة السوداء ” .

وهناك قصة أخرى لها أصل غير محبب لأنه بعيد عن الإنسانية ولكنه في ذات الوقت قريب من التفكير الأمريكي إذ يروى أنه في الثمانيات من القرن التاسع عشر كان العبيد في الولايات المتحدة يباعون ويشترون بخصومات كبيرة في اليوم الذي يلي عيد الشكر وهذه القصة بذاتها دفعت الكثير من الناس حول العالم لمقاطعة يوم ” الجمعة السوداء ” سابقا وحاليا . ونحن لا ندري حقيقة رابط القصة مع هذه التسمية.

وهناك من يقول أن أصل ” الجمعة السوداء ” استخدم لأول مرة من قبل الشركة في ولاية فيلادلفيا الأمريكية لوصف الفوضى وحالات الشغب التي تحدث عقب عيد الشكر حيث يتدفق الكثير من المشترين والسياح في شوارع المدينة قبل مباراة كرة القدم الأمريكية التي تقام يوم السبت من كل عام . وفي يوم الجمعة الذي يسبق المباراة يمنع رجال الشرطة من الحصول على إجازة ويعملون لساعات طويلة في مواجهة الحشود ويستغل لصوص المتاجر هذا الوضع للسرقة مما يزيد من الضغط على رجال الشرطة . وفي عام 1961 م لجأت المؤسسات التجارية في ولاية فيلادلفيا لإلى التخفيف من وطء التسمية فغيرت الاسم وصارت ” الجمعة الكبيرة ” لكن كل هذه الجهود لم تصل إلى نتيجة ترتجى .

وفي بداية عام 1980 م حاولت المؤسسات التجارية الأمريكية تغيير الصورة السلبية للجمعة السوداء في عقول الناس فلجأت إلى الإغراءات المذهلة والمفاجئة والتخفيضات غير الطبيعية في الأسعار عقب عيد الشكر وحاولت الانتقال من الأحمر إلى الأسود ومن الخسائر للأرباح .

ثم انتقلت فكرة الجمعة السوداء من الولايات المتحدة الأمريكية إلى عموم دول أوروبا .

ومن دول أوروبا انتشرت فكرة ” الجمعة السوداء ” إلى كافة دول العالم وصارت رمزا تجاريا للتسوق الفجائي غير المخطط له على الأقل بالنسبة للزبون على الأقل .

ويلاحظ أن الإعلان الحالي عن تسوق الجمعة السوداء بدأ يتغير عن المفهوم الدولي المرتبط بعيد الشكر وصار يحدث بشكل فجائي وضمن ساعات محددة لا علاقة بعيد الشكر أو الجمعة السوداء ذاتها وفي هذه الفترات المفاجئة يتم حرق الأسعار بشكل غير معقول وغريب وصادم للسوق الأمر الذي يؤثر على عقول المشترين وأحيانا يصيبهم بلوثة عقلية وحالة هوس لا تنتهي .

هل تختفي ” الجمعة السوداء ” قريبا ؟
حاليا نحن نشهد على شاشات التلفزة تدافع الكثيرين من الناس نحو رفوف المحلات لإفراغها من البضاعة بطريقة غير عقلانية بسبب انخفاض الأسعار . ولكن من المتوقع أن يشهد التسوق تحولا كبيرا خلال السنوات القليلة القادمة لأن الناس الذين يستخدمون الفضاء الإلكتروني في ازدياد ويميلون للتسوق الالكتروني بدلا من الشراء المباشر من المتاجر خاصة وأن المتاجر الالكترونية تتيح للمتسوق تجربة المنتج وإعادته في حال عدم الرضا عن المنتج . وهذا المبدأ يعتمد على التجربة الشخصية وإعادة المبلغ في حال عدم الرضا .

ويعتبر صعود فكرة التسوق عبر التجربة الذاتية رد فعل على تزايد التسوق عبر الإنترنت الذي ارتفع بنسبة 15 في المئة العام الماضي في أوروبا وأمريكا الشمالية، ويُتوقع أن يزيد بنفس النسبة هذا العام. لكن هذه الزيادة في التسوق الإلكتروني تعني أن الأسماء التجارية قلّت فرصتها في لقاء زبائنها وجهاً لوجه ، وأنها ستسعى جاهدة للتواصل معهم ، ما يجعلها تبحث عن طرق أفضل للوصول إليهم.

الحزن والرغبة بالتسوق والشراء
ربما يُحسّن التسوق من الحالة المزاجية السيئة للمرء لفترة من الوقت ، ولكن الشعور بالندم الذي يتبع متعة إنفاق مبالغ كبيرة من المال سيزيد على الأرجح حالتك المزاجية سوءا. وتوجد بعض الحيل التي قد تساعدك في مقاومة الرغبة في التبذير. تشير الدراسات النفسية إلى أنه ما من متعة تضاهي متعة الشراء بلا تخطيط مسبق ، أي بمجرد ما يقع بصرك على المنتج المعروض.

لا شك أن التسوق يُحسّن الحالة المزاجية ، وفقا لدراسة نشرت في دورية “علم النفس والتسوق”، وقد يشعرنا بمتعة وسعادة تشبه حالة النشوة التي يشعر بها مدمنو المخدرات. وفي استطلاع للرأي أجراه موقع “إي بيتس دوت كوم” على ما يزيد على ألف مواطن أمريكي بالغ، قال 96 في المئة منهم إنهم اشتروا شيئا لأنفسهم لمجرد رفع حالتهم المعنوية. إلا أن المزايا التي نجنيها من الشراء من المحال هي مزايا زائلة في الغالب، وقد تترتب عليها آثار تضر بالحالة النفسية ، وستدوم لفترة أطول . وقد تؤدي المشاعر السلبية والحزن إلى فقدان الثقة بالنفس ، وهذا الشعور هو الذي يدفع الناس غالبا للجوء إلى التسوق عندما ينتابهم الحزن.

المشكلة أن هذه المشاعر السلبية قد تراودك مجددا في صورة رغبة في الانتقام من الذات، ووخز الضمير والندم ، إذا كان المال الذي أنفقته مُبالغ فيه أو يتجاوز ما كنت تخطط لإنفاقه.

الخاتمة :
الجمعة السوداء وغيرها من الطفرات التي مرت خلال التجربة الإنسانية السابقة دليل على عدم التوازن بين حاجات الروح وحاجات الجسد . وهي ، إن رغبنا أم لم نرغب في ذلك ، خطوة في تعميم الانفلات من الضوابط الأخلاقية والقانونية إذ تغيب الرقابة الداخلية والخارجية ويصبح الإنسان عبدا لسيارة الشارع التي اسمها الشهوة تحصد أمامها من تصادفه بلا حسيب أو رقيب أو وازع أو ضابط .

لا تعليقات

اترك رد