الاضطهاد الفكري عبر التاريخ

 

عانى كثير من الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ من الاضطهاد الفكري والجسدي من قبل المتعصبين والمتشددين دينياً أو طائفياً أو قومياً والذي تجسد في ممارسة العنف ضد اصحاب الرأي المغاير لهم سواء كانوا افراداً او جماعات لإسكاتهم واقصائهم ليتسنى لهم نشر افكارهم وايديولوجيتهم دون أي معارضة، ولهذا كانوا يحاربون العقل والعلم والفكر، ويضطهدون كل من يعترض او يقترح او يفكر بالمناقشة والتساؤل والتغيير .

مورس الاضطهاد الجسدي والفكري عبر التاريخ ضد كل من له افكاراً وآراءً حرةً وجريئة من خلال تناولهم نقداً لموضوعات فلسفية او دينية وفق منهج اتخذ من العقل مرجعاً كمباحث وافكار ورؤى جديدة للمسائل المطروحة ضد كل ما هو جامد وتقليدي تجاوزه الزمان والمكان معبرين بذلك عن ضعفهم وعجزهم الفكري عن مسايرة قضايا الحياة ومستجداتها .

من ابرز الشخصيات العالمية التي مورس ضدها الاضطهاد :

1- غاليلو غاليلي :
(1564م – 1642م) عالم فلكي وفيلسوف ايطالي نشر نظرية كوبرنيكوس(1) ودافع عنها والتي بينت ان الارض هي كوكب من كواكب المجموعة الشمسية تدور حول الشمس وليست مركز الكون واثبت خطأ نظرية ارسطو(2) بذلك . اتهم بالهرطقة من قبل الكنيسة وحوكم من قبل محاكم التفتيش وحكم عليه بالسجن ثم خفف الحكم الى الاقامة الجبرية ومنع كتاباته فاعتكف في بيته حتى وفاته .

2- انطوان لافوازييه :
(1743 م – 1794م)احد النبلاء الفرنسيين ويعد من اكبر علماء الكيمياء والاحياء والاقتصاد وهو اول من صاغ قانون حفظ المادة وتعرف على الاوكسجين وقام بتسميته ويعتبر ابو علم الكيمياء في العصر الحديث واثبت ان عملية التنفس هي عملية احتراق بطيئة للمواد العضوية بوجود اوكسجين الهواء ، عندما قامت الثورة الفرنسية حوكم 24 شخصاً بضمنهم لافوازييه بتهمة ترطيب تبغ الجيش خلال عملهم في لجنة المعايير المترية فحكم عليهم بالإعدام عام 1794م وعندما طلب من القاضي تخفيف حكم الاعدام على لافوازييه لمكانته العلمية كان رد القاضي (ليس للجمهورية حاجة الى علماء) فاعدم لافوازييه وصودرت امواله .

3- سافونارولا :
(1452م – 1498م) راهب ايطالي بدأ محاولاته اصلاح مدينة فلورنسا من خلال القاء خطب الوعظ الديني استدعاه البابا الكسندر السادس الى روما فرفض الذهاب اليها بحجة مرضه ولكنه استمر بإلقاء الخطب في فلورنسا فحوكم امام المحكمة الاكليريكية(3) فتم اعدامه حرقاً في فلورنسا لنقده اللاذع لرجال الدين والكنيسة .

4- جيوردانوبرنو :
(1548م – 1600م) راهب وفيلسوف ايطالي تبنى نظرية كوبرنيكوس عن دوران الارض حول الشمس التي كانت محرمة من قبل رجال الدين والكنيسة الكاثوليكية فاتهم بالهرطقة فتم نفيه وعند عودته الى روما حكم عليه بالسجن ثمان سنوات ثم قطعوا لسانه واحرقوه بتهمة الكفر وبعد وفاته اعتبروه شهيداً للعلم وقاموا بنحت تمثال له .

5- فولتير :
(1694م – 1778م) كاتب وفيلسوف فرنسي كتب الشعر والرواية والمسرح ويعتبر من اكبر كتاب عصر التنوير وكان من المدافعين عن الحريات المدنية وخاصة حرية العقيدة اشتهر بعدائه لتسلط الكنيسة الكاثوليكية اعتقل في سجن الباستيل ثم نفي الى انكلترا لمدة ثلاثة سنوات ثم عاد الى باريس وفي عام 1778م مرض فولتير وتوفي وبسبب انتقاده للكنيسة لم يسمح بدفنه وفق الطقوس الكاثوليكية وقد قام اصدقائه بدفنه سراً في احدى الكنائس الكبيرة .

6- جان جاك روسو :
(1712م – 1778) كاتب وفيلسوف جنيفي يعد من اهم كتاب عصر العقل ساعدت فلسفته على قيام الثورة الفرنسية عام1789م عند اصداره لكتاب (إميل) الذي جاء فيه (اتبعوا مع النشئ الطريقة العكسية وهي ان يشعر النشئ بانه هو صاحب الاختيار فلا توجد استجابة وتكريس الا بالشعور بان المرء حراُ فيما يتعلمه هذا هو التكريس الحقيقي) وقد انتشرت طريقة روسو في تربية النشئ في مختلف الدول الاوربية . ولم يمضي اكثر من عشرين يوماً عل نشر كتاب (إميل) حتى حكم عليه برلمان باريس بالحرق ففر الى سويسرا وعند وصوله الى مدينة جنيف حكم مجلسها بمصادرة كتابين له فذهب الى انكلترا ثم عاد الى فرنسا التي توفي فيها .

اما من ابرز الشخصيات الاسلامية التي مورس ضدها الاضطهاد :

1- عبد الله بن المقفع:
(724م – 759م) مفكر فارسي زرادشتي اعتنق السلام وعاصر الخلافتين الاموية والعباسية تعلم العربية ونقل من البهلوية(4) الى العربية (كليلة ودمنة) . عند وضعه (كتاب الامان ) الذي جاء فيه ( اذا اخل المنصور بشرط من شروط الامان كانت نساؤه طوالق وكان الناس في حل من بيعته) مما اغاض المنصور العباسي فقتل على يد والي البصرة سفيان بن معاوية الذي قيده واخذ يقطع جسده واكرهه على اكل لحمه مشوياً حتى مات ولم يتجاوز عمره ستة وثلاثون سنة .

2- الحلاج :
(858م – 922م)هو الحسين بن منصور بن محمي وكان من المتصوفة ولد في قرية الطور في ارض فارس ونشأ في واسط وانتقل الى بغداد الذي درس على يد كبار مشايخها . كان الحلاج متصوفاً مبدعاً في معرفة الله مجاهداً ضد الظلم والطغيان وداعياً للتجديد وقد تجلى ذلك بكتابه (الطواسين) . حورب الحلاج من قبل التكفيريين والمتحجرين دينياً الذين عملوا على تكفيره ورميه بالسحر والشعوذة لأنه قال ان الانسان الذي يتمثل بأوامر الله وينفذها يكون قد التحم به واصبح مثالاً للخير المطلق وعلى اثر وشاية من وزير المقتدر بالله العباسي حامد بن العباس امر بإعدامه فقطعت ايديه وارجله وصلب ثم قطع رأسه وحرقت جثته .

3- ابي حيان التوحيدي :
(922م – 1023م) فيلسوف متصوف واديب بارع من اعلام القرن الرابع الهجري عاش في بغداد معظم حياته . تعد شخصية ابو حيان مثيرة للجدل بسبب آرائه ومواقفه فقد اتهم بالضلالة والالحاد والزندقة من قبل بعض علماء زمانه مثل الحافظ الذهبي وأبو الفرج الاصفهاني وابن حجر العسقلاني لقوله بالتعطيل (النفي والانكار) وبسبب العسف الذي تعرض له رأى ان كتبه لم تنفعه فجمعها واحرقها بنفسه وهو في التسعين من العمر ولم يسلم منها الا ما نقل منها قبل الاحراق وبقي خائفاً من القتل بقية عمره .

4- ابن رشد :
(1126م – 1198م)هو ابو الوليد محمد بن احمد بن رشد ولد في قرطبة في الاندلس وكان فيلسوفاً وطبيباً وفقيهاً وقاضي للقضاة . اشتهر ابن رشد بالفلسفة وكان من افضل فيلسوفاً انتجته الحضارة العربية والاسلامية فترجم مؤلفات ارسطو وهو مؤسس المذهب الحر الذي اعتبر الدين عقلاً وليس غريزةً . اتهم بالكفر والزندقة والخروج عن الملة لانتقاده كتاب (تهافت الفلاسفة) لابي حامد الغزالي بكتاب (تهافت التهافت) فامر خليفة الموحدين ابي يعقوب يوسف بتكفيره فحرقت كتبه في ساحة قرطبة وتم نفيه .

ان الاضطهاد الفكري الايديولوجي له نتائج هدامة لبنية المجتمعات وتاريخ البشرية فهم يمارسون الاضطهاد الفكري تحت اسم الدين ويحاربون المخالفين لهم بالرأي والعقيدة من قتل وتكفير وتهجير .

ان الاضطهاد بكل اشكاله الذي تعرض له الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ هو مقدمة طبيعية لفعل الفلسفة الفكرية المتطرفة التي تغذيه وتحوله من تنظير في الفكر الى تطبيق في الفعل والذي يعتبر من العوامل الرئيسية في الافعال اللاإنسانية التي يقوم بها المتطرفون من قتل وتهجير ضد المخالفين لهم .

الهوامش :
(1) نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها.
(2) ارسطو طاليس(384ق.م – 322ق.م) ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين والذي كان يرى أن الارض هي مركز الكون وأن الشمس والقمر وباقي الكواكب تدور حولها .
(3) المحكمة الالكريكية : محكمة كاثوليكية نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، مهمتها اكتشاف مخالفي الكنيسة ومعاقبتهم وتعد “سلطة قضائية كنسية استثنائية”
(4) البهلوية : لغة فارسية استخدمت من القرن الثالث قبل الميلاد حتى القرن الثاني بعد الميلاد .

لا تعليقات

اترك رد