يا لحب المتخلف للمؤامرة

 

العقل البشري بطبيعته لديه دافع الاستطلاع لما يجري من حوله و حتى و لو لم يكن له فائدة مباشرة من ذلك الاستطلاع. و لقد أعطاه ذلك الدافع اسبقية على باقي الحياوانات، لأنه اصبح يمتلك مقومات للتطور عن طريق كل الافكار التي حصل عليها من خلال استطلاعه.
طبعا الإنسان لا يستطلع العالم فقط، بل انه يبني لنفسه أفكار تصف له ما يشاهده. فكل ما يلاحظه الإنسان يمر من خلال نظريات يؤمن بها ذلك الشخص. و طبعا النظريات التي يحملها الانسان قابلة للتشكيل و التغير. و لذا فإن للإنسان قابلية التعلم عن طريق بناء نظريات تساعده على فهم العالم المحيط به، و يتم ذلك عبر سنين النمو في مرحلة الطفولة و الشباب.
لكن كل ما تقدم الانسان في العمر، قلت قدرته على تغير سلوكه و افكاره، و يبقى يعول على نظرياته التي اكتسبها خلال سنوات نضوجه.

لذا فإن للنظريات اهمية قسوى في كيفية فهم الشخص لما يلاحظه، فإن شاهد شخصان لديهما نظريات مختلفة تماما نفس المشهد فسوف يفسران المشهد ذاته بشكل مختلف تماما.

هذا الشيء معلوم بشكل مفصل للمتعلمين و المتنورين، فهم يعرفون تماما تأثير وجهة النظر و زاوية المشاهدة و القاعدة النظرية التي يبنون عليها تحليلهم للمشهد. لذا فإن المتعلم لا يكتفي فقط في الملاحظة و التحليل من خلال النظريات التي بحوزته، بل يذهب الى ابعد من هذا عن طريق تطوير نظرياته لكي يتسع افقه المعرفي اكثر فأكثر. فالباحث العلمي يبحث بنظرياته عن نظرية تكون ادق وصف للواقع. فالمتعلم لا يكتفي البتة بأن يصف ما يراه بشكل سهل بناء على نظرية غير دقيقة و غير مجدية، بل يكون هدفه الحقيقة حتى و لو تطلب ذلك تطوير و تغير نظرياته كلها.

اما المتخلف، فيا حبه للخرافة، فهو يرى العالم من خلال تلك الخرافات، ولذا فإنه يدعم خرافاته بشتى الوسائل، لا بل انه مستعد ان يدير ظهره للحقائق بكل ما أوتي من قوة لكي لا يدحض نظرياته الخرافية. تلك الخرافات تتوزع إلى جذوع متعددة للتعامل مع جوانب الحياة المختلفة.
أحد اهم جذوع الخرافة هي ما يسمى ب “نظرية المؤامرة”، و هي نظرية يمكنا ان نكتب عنها مجلدات ضخمة، لكني اليوم اكتب عنها بشكل سطحي فقط للاشارة إلى اهم مواصفاتها و تأثيرها.

نظرية المؤامرة تقوم على مبدأ وجود مجموعة شريرة بعيدة في المكان و الزمان لديها قوة لا متناهية و أيضا هي معادية للعالم “الخير” و لا تتوانى البتة عن احداث الأذى بكل نواحي الحياة. في الجانب الاخر لدينا عالم خير مكون من افراد صالحين لا شائبة بهم. ولكن يا سبحان الله، تحاك لهم المؤامرات الخفية، واحدة تلو الأخرى. و هنا لا حول و لا قوة للاخيار أمام تلك القوى الشريرة لأنها ببساطة اقوى بكثير بالمقارنة مع الأخيار الذين لا اظافر لهم و لا أنياب.
لذا فإن كل الدمار و التدهور الذي يحدث في المجتمع سببه المؤامرة و لا شيء آخر. و انه لمن الغير مجدي ان يحاول أي شخص فعل أي شيء او السعي في اي مشروع، لأن كل ذلك سوف يفشل أمام مؤامرة الأشرار الجبارة و المدروسة جيدا من قبل اناس اشرار يجتمعون سرا في مكان ما في العالم و تحت امرمتهم كل السبل و تطوع لهم كل الوسائل و ايضا لهم أيادي كثيرة في كل مكان و خصوصا على رقاب الدول الخيرة.
و اكاد أرى مشهد هؤلاء الأشرار و هم يجلسون في غرفة مظلمة إلى طاولة مستدية منارة بضوء مسلط على الطاولة، و كيف ان هؤلاء الأشرار يخطوطن ليلا و نهارا لكي ينالوا من الاخيار بكل شكل ممكن.

و لما كان الإنسان بطبعه كسول، كان من الطبيعي أن يتثاقل ذلك الإنسان الكسول إلى فكرة أن “ما في اليد من حيلة”، و هذه هي أول خطوة في طريق الفشل و التخلف الذي يستمر في الصعوبة و الانحدار. ففي كل خطوة فشل يكون الخيار الأصعب هو التفكير خارج الصندوق و العمل على تغير الواقع بشكل جذري و في المقابل هناك الخيار الأسهل في تعليل كل المشاكل بنظرية المؤامرة، حيث الحقيقة تكون سلة الفهم. فهنا لدينا اناس اشرار يفعلون كل الجرائم بوسائل و قدرات جبارة و يكون الاخيار المجني عليهم هم اناس غلب على امرهم الضعف.

لذا فإن المتخلف يحب المؤامرة حبا جما، فما من شيء يفيده اكثر من نظرية لا يمكن تخطيئها و تعطيه تبرئة لكل تقاعسه و اخطائه. فكل متخلف يبقى على تخلفه من دون ان يلومه احد، و لا بأس بالمشاركة في الخطأ، فكل المتخلفين سواسية هنا. فلا أحد يستطيع مسائلة أي أحد عن واجبه لأن الملام ببساطة سوف يشير الى نظرية المؤامرة بكل بساطة و من دون ادنى تأنيب للضمير.

فيا لحب المتخلف للمؤامرة…

لا تعليقات

اترك رد