الله بين تصوّر العلم والاختبار والحبّ


 

الّذين يكرهون الله لا يعلمون أنّهم يحبّونه بشكل أو بآخر. فالمسألة غير متعلّقة بإرادتهم في الحبّ الموجّه إليه، بل هي متعلّقة بنوره المشرق على الأبرار والأشرار. في المنطق الإلهيّ، ليس من أشخاص أشرار، وإنّما أفعال شرّيرة تخاف النّور فتبني جداراً يعزلها عنه. وأمّا هو فحاضر أبداً.
الّذين يكرهون الله ويتّهمونه ويعيدون إليه أسباب مآسيهم ومعاناتهم، هم أولئك الّذين تربّوا على أنّ الله، إمّا حاكم متفرّغ لقهر الإنسان، وإمّا شخص مكرّس لتلبية طلباتهم. فيبقون عند مرحلة الطّفولة في ما يخصّ العلاقة معه. أطفال، إذا ما رُفضت طلباتهم، ثاروا وتحوّلوا إلى مُعادين. لكنّ هذا العداء يخفي حبّاً يتلازم والطّبيعة الإنسانيّة الّتي ما زالت في أسفل الدّائرة تحاكي رغباتها السّطحيّة والفانية. فالتّعلّق بأسفل الدّائرة الوجوديّة يحجب نظر الإنسان ويعيق التطلّع إلى فوق. ما يمنع بناء علاقة مع الله، لأنّ الحبّ البشريّ لا يستطيع أن يتسلّق مدارج النّور. ولئن كان الحبّ البشريّ مجموعة مشاعر قابعة في مستنقع الضّعف البشريّ، والتّناقض العاطفيّ، ارتبط بتصوّرات خاصّة عن الله غير معنيّة باختبار قلبيّ عميق، على ضوئه يلتقي بالله الشّخص، الله النّور، الله الحبّ. ما يحول بين الإنسان وهذا الاختبار هو إسقاط الأفكار الشّخصيّة على الفكر الإلهيّ بدل الانقياد إلى هذا الحبّ. أي أنّ الإنسان يريد إلهاً على قياس بشريّته الفانية. وفي ذات الوقت يريد إلهاً حاضراً له بشكل خاص، خاضعاً لرغباته، مذعناً لتساؤلات أشبه بتحقيق وعلى الله أن يجيب عليها وإلّا تمّت معاداته. ليست المشكلة في التّساؤلات، بل هي مشروعة ومطلوبة حتّى تتشكّل علاقة واعية بين الإنسان والله. لكنّ المشكلة في عدم احترام الإنسان لاختلاف الله عنه. وهذا يعود إلى التّربية القمعيّة الّتي تستبعد احترام الاختلاف. ما يؤدّي إلى تشكّل مشاعر الكره والعداء والرّفض وربّما المحاربة.
من أصعب المراحل الّتي تمرّ فيها النّفس الإنسانيّة هي تلك الّتي تحيا قلق محاربة الله. وهي لا تعي أنّها تحارب عبثاً، لأنّ الطّرف الآخر، أي الله، لا ينحدر إلى مستوى ردود الأفعال الإنسانيّة، وإلّا لانقرض الجنس البشري منذ البدء. فالله لا يحمل في ذاته أفعالاً وردّات أفعال، ولا يفعل أو لا يفعل. إنّه الفعل. النّور المتسرّب بصمت منتظراً تفاعلاً من الإنسان. الّذي يحارب الله يحارب ذاته ويتخبّط في مفاهيم وحقائق يلتقطها من هنا وهناك ويستند إليها وكأنّها حقائق مطلقة. فيقلق ويتساءل ويمعن في التّساؤل الّذي لا ينتظر جواباً، لأنّه يريد إدانة الله لا الحوار معه.
إنّ الّذين يطّلعون على حقائق ودراسات عن الكون والوجود ونقطة البداية والنّهاية، والدّراسات التّاريخيّة، يظنّون أنّهم كشفوا حقيقة الله المزيّف. بيد أنّ كلّ هذه الدّراسات والحقائق تبقى ضمن إطار التّجربة الإنسانيّة. وبناء عليه وجب الفصل بين الاقتناع بها والعلاقة مع الله. أن يبدأ الكون بشكل ما أو ينتهي بشكل آخر، فذاك لا يلغي الوجود الإلهيّ. فموضوع هذه الدّراسات ليست الذّات الإلهيّة، وإنّما هي بحث عقلانيّ عن حقيقة الوجود ولا ريب في ذلك. والبحث في التّاريخ الإنسانيّ وتبيّن أحداث معيّنة قد تتناقض والموروث الدّينيّ والإيماني لا تمس الحضور الإلهيّ، وإنّما تعبّر عن مسيرة الإنسان واختباراته التّاريخيّة الإنسانيّة. ولا يستطيع الإنسان أن يخضع الحضور الإلهيّ لفلسفته ومنطقه العقلانيّ؛ لأنّه ليس أمام معادلة حسابيّة أو فكرة. لذلك فالّذين بعد قراءات ودراسات علميّة وفلسفيّة وتاريخيّة واختبارات شخصيّة يكرهون الله أو يستبعدونه أو يرفضون مبدأ حضوره، هم عمليّاً لم يبلغوا شيئاً من المعرفة عن الله. فمعرفة الله مقتصرة على المعرفة القلبيّة أوّلاً، ثمّ العقليّة. ولا بدّ من فصل بين معرفة الله ومعرفة الحقائق الّتي يختبرها الإنسان عن الله. والفرق شاسع، فالأولى تعتمد على الحبّ الإلهيّ الّذي يجذب قلب الإنسان ويستحوذ عليه، وعلى التّفاعل الإنسانيّ القلبيّ. وأمّا الثّانية فتعتمد على مختلف الاختبارات الإنسانيّة الفكريّة والوجوديّة.
لم نسمع أو نقرأ عن متصوّف قال إنّه عرف الله، لأنّه يعي في عمق ذاته ومعرفته أنّه لم يعرف إلّا بعضاً من نوره وبلغ بعضاً من حبّه. وذاك يعود إلى إدراك العاشق الإلهيّ أنّه أمام حضور الحبّ الّذي يفوق كلّ تصوّر وكلّ منطق. ولأنّه تلمّس اللّغة الإلهيّة وانغمس فيها فاستنار وولج النّور وبات يرى الأمور من منطلق إلهيّ، ويفهم انطلاقاً من الفكر الإلهيّ ويحبّ الله بقلب الله لا بتفاعلاته البشريّة.
إنّ البشر على اختلاف أفكارهم وانتماءاتهم ومعارفهم ودرجات فهمهم ومستوياتهم العقليّة المتفاوتة، يتصوّرون الله بشتّى الطّرق. وأمّا العاشقون لله ورغم التّباعد الزّمني بينهم، أو اختلافاتهم الفكريّة والعقائديّة والمعرفيّة، إلّا أنّهم على فكر واحد، فكر المحبّة. يقودهم النّور إلى النّور فينسلخون عن مشاعرهم وعواطفهم ويمتلئون حبّاً وعشقاً، ويلجون العمق الإلهيّ بصمت وتواضع فيغتنون ويغنون.

لا تعليقات

اترك رد