كابوس


 

لا يزال الأرق اللعين يمارس لعبته الخبيثة معها، تغطّي رأسها؛ تجده متربّصاً لها يضحك ساخراً تحت الغطاء، أصبح سوطاً بيد مجنون، يجلدها متلذِّذاً كلّ ليلة، وحين لا تجد مفرّاً سوى أن تستسلم؛ تهاجمها قوافل ذكرياتٍ تحاول نسيانها.. تشعر بحياتها مملّةً اقرب إلى اللاجدوى، تحاول أن تستعيد نفسها، تبعثر نظراتها في أرجاء غرفتها الصغيرة؛ فتطالعها صورة بيتها الواسع وحديقته الغنّاء، وزوج تركها وثلاثة أطفالٍ ورحل مبكّراً، تطلق حسرةً على أيّام عزّ مضت.أمامها مرآةٌ تعكس ساخرةً وجهها المكتئب، وثمة كتب منسيّة وشمعة خضراء تآكل نصفها، تتطلّع مليّاً في صورةٍ لها بالأبيض والأسود، معلّقةٍ على الحائط، تحررها من عقالها وتمعن النظر فيها ثمّ إلى وجهها في المرآة، تقارن بين الوجهين، يشهق جسدها متحسّراً.. ياألله!.. كم تغيّرتُ، أين ذلك العنفوان وتلك النضارة؟
تسرح بعيداً بأفكارها، ثمّ تعاودها فكرة راودتها منذ حين، سمعت ابنتها وصديقتها تتحاوران..
– لا أدري ماذا أفعل بملابس والدتي وأغراضها الأخرى …. تقول الصديقة
– ابعثيها إلى الجمعيّات الخيريّة… تقول ابنتها
– والصور؟ هناك المئات من الصور القديمة.
– أحرقيها…
– كيف؟ قلبي لا يطاوعني، صورنا أنا وأخوتي حين كنّا صغاراً، صور للعائلة وللأجداد… هههه، وأجداد الأجداد..
تضحك ابنتها
– اعرضيها في المتحف
– أتسخرين؟
– وماذا عسايَ أن أقول؟ أنا مثلكِ حائرة.. تجول دموع في عينيها، تتذكّر صندوقها الذي استحال لونه إلى تراب، تمدّ يدها تحت السرير، تكاد تسقط .. وبكلّ جهدها المتخاذل ترفعه.. ” العمر يمضي مسرعاً خطاه…”
تختنق بغصّة طعمها علقم .. ” ماذا سأترك لأولادي؟ لا شيء غير هذا الصندوق العتيق ومئات صورٍ لا تهمّهم بشيء..”
تنشرها على فراشها، صور عائلية قديمة فقدت ألوانها، وتآكل بعضها، كانت قد أرشفت معظمها حسب تواريخها وشخوصها، يخترق سمعها صوت ابنتها وهي تضحك ساخرةً ” اعرضيها في المتحف …”
فيضحك صوتٌ في المرآة، ” نعم، ماذا سيفعلون بها، هم يؤرشفون أيامهم وأعيادهم وحتى ضحكاتهم على أجهزتهم الذكيّة، لم يعد للصور الورقيّة حيّز في عالمهم الذي يلهث وراء كلّ جديد.. سيتخلّصون من هذا الإرث
الثقيل..”
– كيف؟..
– يحرقونها.. يهبونها إلى الجمعيّات الخيريّة مع ملابسك وبقايا عطورك.. أو ربما…
– ربما ماذا؟.. ينشب خلاف بينهم بسبب هذه الصور اللعينة؟ إذن سأعفيهم من هذه المهمة الصعبة، سامزّق الصور وأحرقها..
تفتح ظرفاً بعد الآخر، تتأمّل ما بداخله، تتوقّف طويلاً عند ظرفٍ كبير
متخمٍ بصور أولادها.. هذه ندى وهي تتأرجح بخطواتها الأولى.. وميض،
عائد من المدرسة ببدلته الزرقاء في يومه الدراسيّ الأول.. وهذه تينا حبيبتي في عامها الأول.. ويقع نظرها على صورةٍ تلهب مشاعرها، أوّل يوم في بيتهم الجديد، محتضنةً أولادها وزوجها يقف خلفهم يحتضنها بحبّ.. تناثرت حبّات دمعٍ ساخنة فوق الصورة؛ مسحتها بشفتيها..الظرف الآخر .. وفيه صورها في الجامعة، تتأمّلها الواحدة بعد الأخرى.. آه.. كزهرةٍ بريّة جميلةٍ كانت، تحوم حولها أسراب النحل، ترتسم على وجهها ابتسامةُ طفلة حين تذكر كيف كانت تتعمّد إظهار مفاتنها في الصور، كي تثير غيرة صديقاتها، ورغبة الذكور فيها، يعود من جديد ذلك الشعور الذي سيطر عليها ويشعرها بالعدم، الخطوات تسارع بعضها إلى محطتها الأخيرة بعد أن هدّها المرض الخبيث، بيدٍ مرتجفة، تخرج صورته.. ياااااه.. كم من العمر مضى منذ أن أطلق الحبيب ساقيه للريح حين سمع قرقعة سيوف الأهل وخناجرهم، معلنةً رفضه زوجاً لها..!
لا يزال بعض نبضٍ في القلب يهفو إليه، تحمل الصورة، تضعها على موضع القلب.. بحركاتٍ مرتعشة بطيئة ترقص معها، تدور الغرفة بها، وتدور معها، تطبق جدرانها عليها، فتسقط.. تجدها ابنتها في
الصباح ممدَّدةً على الأرض، وشظايا صور ممزّقة تحيط بها…

المقال السابقالقضاة في بلاد الرافدين
المقال التالىالإبداع المتمرد
ليلى المرّاني .. قاصة عراقية مغتربة خريجة قسم اللغة والأدب الإنكليزي / كلية التربية / جامعة بغداد عملت في سلك التدريس، درست في مدارس العمارة الثانوية وفِي دار المعلمات الابتدائية، ثم انتقلت إلى بغداد، وواصلت التدريس لحين مغادرتي العراق كتبت القصة القصيرة في المجلة الادبية الصادرة في كلية التربية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد