تلك الليلة (1)


 

كنتُ أُضْمِرُ أن تكون الحلقة الأخيرة من حياتي “تلك الليلة ” لأنها “الكلمة الأَحَب ” والأكثر قربا من قلبي . وحيث أنني لا أعرف متى يسقط اليراع أو يتوقف القلب أردت لها خلاصةً عامةً أُوجز فيها حصيلة الكلمات التي تلقّيتُها طوال خمسين عاما من حياتي المليئة بالأمل والألم إلا أن المساحة الضئيلة المعطاة لها لن تفي بالخلاصة المرجوة وإن طال بي العمر سأُصدرها في كتاب تحليليّ ، أدع الخلاصة للكتاب ، شاكراً من قلبي العليل كل من كانوا أبطال تلك الليلة لأنهم بحق من صنع تاريخي وهذبه وشذبه وأعطاه معنى ومحبة .

تلك الليلة عند الثالثة صباحا أتيت للدنيا وكنت نقطة التحول الفاصلة في حياة أمي الرائعة التي ورثت اليتم من أمها وأبيها ومن يومها صرت صديقها الصدوق وعقدت علي الكثير من الآمال التي لا تمحى . تلك الليلة وفي الصباح الباكر تأتيها جارتنا “ترياق” لتزورها وتخبرها أنها رأت في المنام أن أمي سيأتيها طفل وسيهبه الله سبحانه وتعالى قلما يكتب به . وأنا عرفت هذا السر المهيب عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري . ومنذ ذلك التاريخ ، أردت للكلمة أن تبقى صوتاً أسمعه كي أبقى سعيداً. لأنني في ذلك لا أَقتل ، لا أُدمّر ، لا أَكره ، لا أَيأس ، لا أَتكاسل ، لا أَنتحِب ، لا أُحَرِّض ، لا أُفاضل ، تماما مثل الطبيعة التي لا تفاضل. أردت أن أكونَ كوناً في الكون ، وعالَماً في العالَم ، وشُعاعاً في النور. وفي كل ذلك عملٌ وفِعلٌ، لأن في ذلك إبداعاً وإنجازاً.

تلك الليلة صرت في مدرسة السن الابتدائية وكانت تتألف من غرفتين لا ثالث لهما، غرفة الإدارة والمدرسين وغرفة الصف وكانت تضم في جنباتها ستة صفوف من الأول الابتدائي إلى السادس ومذ كنت في الصف الأول كنت أنتبه إلى أشعار وقصائد الصفوف العليا أثناء شرح المعلمة للدروس والقصص والأشعار ومنذ ذلك التاريخ حفظت أجمل القصص وأحلاها مثل : ” ثياب الإمبراطور الجديدة ” و” الراعية والأمير ” و ” أرض البرتقال الحزين ” . ونظرا لضغط الوقت والدروس وتعدد الصفوف في الشعبة الواحدة وقلة المعلمين وندرة تنوع المعلمين والمعلمات كانت الواجبات تعتمد على التلقين والتوجيه أكثر من التفاعلي وحيث أننا كنا كلنا أقرباء كانت المعلمات تنحاز لطالب دون الآخر وبقي الأمر كذلك إلى أن أخذت

إحدى المعلمات إجازة أمومة فأتت المعلمة الرائعة سلمى عكو من مدينة جبلة (رحمها الله) فأحدثت ثورة علمية في الصف وصارت تقدم لي كل صباح حبة ” سكاكر ” كنت أجدها أفضل تشجيع للجد والاجتهاد . تلك الليلة التي أتت فيها سلمى عكو إلى مدرستنا كانت نقطة تحول في حياتي لأنها أعادت لي الأمل بأن هناك في الكون أناس رائعون همهم تحقيق العدالة والمساواة على هذا الكوكب .

تلك الليلة ونحن في الصف الأول الإعدادي في إعدادية العقيبة جلست مع مجموعة من رفاق المدرسة نتسامر في الباحة لأن مدرس الرسم كان غائبا لسبب نجهله . كثر الهمس بين الرفاق تلك الليلة وعندما استفسرت عن الأمر أظهر كل واحد منهم رسالة غرام من حبيبته وكنت أنا أصغرهم سنا لأن والدي قدمني في المدرسة عاما وكنت دائما أشعر بأنني أقل رفاقي خبرة في الحياة . لم أكن أدرك معنى أن يكون لك حبيبة وأنت في الصف الأول الإعدادي . عند المساء بدأت أكتب رسالة لنفسي متظاهرا أنها من حبيبة مزعومة مسافرة وتعمدت في اليوم التالي أن أريها لهم حتى أكون مثلهم وفي الصباح لم يصدقوني وسخروا مني .

تلك الليلة وأنا طالب في الصف الثاني الإعدادي وفي درس اللغة العربية تعلمت أول درس في السياسة على يد أستاذي الفاضل ابراهيم دوبا . كانت له اليد الطولى في معرفتي لقواعد اللغة العربية في ذلك الوقت . وفي وقت من الأوقات لعب الأستاذ ابراهيم دور الأستاذ المتشدد في دروس اللغة العربية فكان يدقق على كتابة الوظيفة باستخدام الألوان وكان علينا أن نحضر المسطرة والألوان معنا وفي تلك الليلة نسيت صدفة أن أحضر معي عدة الكتابة ولم يبق معي إلا قلم الرصاص وكنتَ في حال نسيت تلك العدة معرضا للعقاب الشديد . كان علي أن أواجه المصير المحتوم وعندما بدأ التفتيش على الوظيفة والأقلام شعرت بالحرج الشديد لأنني نسيت الأقلام والمسطرة وليس معي إلا قلم الرصاص . عندما وصل الدور إليّ سألني أينها الأقلام والمسطرة فأجبت بأنني قد نسيتها . سألني : كيف ستصحح الأخطاء يا سيد محمد ؟ قلت به : بالرصاص . في حقيقة الأمر لا أدري كيف خرجت الكلمة من فمي . جمد الأستاذ ابراهيم ثم تأملني قليلا . ومشى في الممر بين المقاعد انتظر العقوبة ثم هز رأسه قائلا : صدقت . الأخطاء لا تصحح إلا بالرصاص . ثم أجلسني من دون عقوبة . ومنذ ذلك التاريخ بيني وبين الأستاذ ابراهيم صداقة حميمة لا تنتهي .

تلك الليلة ونحن في الصف التاسع أردت التمرد على الأستاذ الرائع ابراهيم الحكيم مدير المدرسة رحمه الله فقد كان صديق أبي المسافر دائما وكان حريصا أن يذكرني دائما بضرورة الجد والاجتهاد . كان ابراهيم الحكيم مدير المدرسة وسلطة قوية

تتحكم بالتلاميذ بغض النظر عن جذورهم أو عائلاتهم لأنهم متى دخلوا باب المدرسة صاروا تحت سقف القانون يطبق عليهم ما يشاء من سلطته المستمدة من الحب والأهل والمنطق العام . في الصف التاسع ، تكونت مداركي أكثر وصار أفقي أوسع . في بداية كل عام ، كان الأستاذ ابراهيم يلطمني على خدي لطمة تحبب خفيفة مذكرا أياي بالجد في بداية كل عام وبأن والدي قد أوصاه بي خيرا . تلك الليلة أردت أن أتمرد على الواقع وأن أسجل نفسي في المدرسة أثناء غيابه . تلك الليلة نجحت في مخططتي لكن في اليوم التالي حدث ما لم يكن بالحسبان . شاهدني مدير المدرسة في الباحة فناداني باسمي وأتيت مهرولا . سألني إن كنت قد سجلت نفسي لهذا العام في المدرسة فأومأت مجيبا . قال لي : كلا لم تسجل هذا العام. وطلب مني أن أرافقه للإدارة ، ففعلت . تأكد من أنني قد سجلت اسمي للعام الدراسي وعندما هممت بالانصراف طلب مني أن أعود إليه فلطمني على خدي تلك اللطمة الخفيفة حتى أتذكر الدراسة والجد والاجتهاد . كان المرحوم ابراهيم الحكيم مديرا عبقريا يتابعنا أثناء المدرسة وبعد انتهاء الدوام لأنه كان يؤمن بنا وبالوطن وبالمستقبل الواعد .

تلك الليلة حدث ما لم يكن بالحسبان . كنت في الصف التاسع وكان أستاذ العلوم والفيزياء والكيمياء عبد الله رجب رمزا من رموز الالتزام بالدوام المدرسي وكان أستاذنا الفاضل على درجة كبيرة من المعرفة وكنا جمعا نسميه ” لافوازية ” . كأن لافوازية يأكل علينا الفرصة التي تلي الساعتين الأولى والثانية أو الثالثة والرابعة . كان دائما يريد أن ينتهي من الفكرة التي يشرحها وكنا نكره هذا السلوك لكننا نرضخ له مرغمين . تلك الليلة كانت من عجائب الدنيا السبع لأن لافوازية تغيب للمرة الأولى عن المدرسة منذ سنوات . وعندما استفسرنا عن سبب غياب أستاذنا تبين أنه رزق بملك الفتاة الرائعة التي تعتبرني حاليا أبا روحيا لها . الأستاذ الفاضل عبد الله رجب الملقب ” لافوازية ” من المعلمين الأكفاء في زمان قلّ فيه المخلصون لعملهم .

……يتبع يوم الاثنين المقبل ….

لا تعليقات

اترك رد