الدور المؤمل لتحديث تشريعات التعليم وتفعيل مهامه التنويرية

 

نافذة (03): التعليم وآفاق متغيراته

مقتبس من المعالجة:
“إن تحديث نظم التعليم وشرعنتها يزيح من جهة فرص الثغرات الأخطر لما يأتي به الإفساد والتخريب ومن جهة أخرى ينقل التعليم من حرفية اجترار كتاتيبي إلى قدرات بناء وتنوير نوعية للإنسان والارتقاء به”.

يوصف التعليم في الغالب بموضوعية تقرّ له مكانه ومكانته في محاور العيش والوظائف المجتمعية الأشمل. ولكن التقاطعات والكبوات تبدأ بمنطقة الحوار والمناقشة بشأن (نُظم) التعليم واتجاهاته. إذ عادة ما نجد في المجتمعات المتخلفة وتلك التي تعاني من سلطة الاستبداد والاستغلال حالات اختلاق المشكلات والعقبات التي تقف بوجه أي شكل للتقدم والتنمية..
إن طابع النظم الاستغلالية المتخلفة يظل مدافعا عما نهبه ووضعه تحت وصايته وملكيته ومنها الوصاية الفكرية المؤدلجة. وهنا سنجد كل ما يكرس رؤى التخلف المجتمعي قيميا أخلاقيا بالمعنى الأوسع للمصطلح وأخذ أدنى مستويات المعارف التي تجتر الماضوي من جهة وتتمكن من تمشية بعض مفاصل عمل في مؤسسات الحياة بطريقة لا توفر أية أرضية لمتغيرات واجبة…
بالمقابل هناك نواتات في المجتمع امتاحت أفضل المتقدم علميا مما وصلته البشرية ، ونجدها لهذا السبب تحمل مشروعات مراجعة النظم السائدة ومنها ما يخص موضوع معالجتنا، نظم التعليم، دفعا وتنمية للموجود وبحثا عما يستقطبونه من جديد يتماشى وعالمهم ومرحلة التقدم فيه…
والمشكلة ليست في الحوار ولا الصراع بين القديم والجديد من نظم التعليم حسب ولكنها في وجود حالات تشدد، بالتحديد ببلدان التخلف (النامية)، حيث يكون الأمر بصيغة فرض قوانين ماضوية تستجيب للمصطنع من العراقيل والمشكلات بوجه الجديد وتُبعد ولو مؤقتا فرص التحديث..
ولعل مما يساعد التقليديين في فرض سطوتهم هو وجود عناصر مشوشة تجاه الجديد، بسبب حداثة عهد اشتغاله وما ربما يكتنفه من نواقص فضلا عن عدم تمكن نظام التحديث من عرض رؤاه بالصورة المثلى في الحيز الزمني الضيق لولادنه وظهوره، ولكن وجود (نظم التحديث) عالميا بالمقابل يساعد على توجيه النظر للتعريف الأفضل وإزاحة المشكلات من طريق تطبيقه وتبني قوانينه..
إننا نجد ظروفاً قاسية تعانيها مهام تحديث نظم التعليم وتعاني من هشاشة البداية بالإشارة إلى بلدان (عربية أو شرق أوسطية). ونحن نجد نظام التعليم عن بعد \ التعليم الألكتروني يجابه على سبيل المثال، الميل الإنساني السائد للركون إلى الموجود والقبول بالمعروف بدل ولوج طرائق جديدة لم يجرِ تجريبها أو اختبارها بشكل نهائي وحاسم… بشكل مباشر في هذا البلد أو ذاك مستبعدين النظر إلى التجاريب العالمية بحجج أخرى ليس موضع البحث فيها هنا…
إن منظومة التعليم التقليدي يمكنها بالتأكيد تغيير محدداتها وشرعنة التحديث على وفق منطق التجاريب العالمية وما توصلت إليه وما منحته من دروس وعبر فضلا عما تتطلبه المجتمعات ببلدان النمو من حاجات يمكن التخطيط لسدّها بإيجاد النظام الأحدث تعليميا..
وما نتحدث عنه من نموذج التعليم الألكتروني، مازال في النموذج العراقي مجرد تجاريب تكافح في المهاجر القصية بأوروبا وغيرها فيما يُضرب حوله أعتى القيود وأشكال التسلط البائسة الكارثية.. ولربما كان ذلك (أحد) أسباب ظهور قيم الفساد والتخريب بالنظام التعليمي الجديد ووقوعه بدائرة فعل فيه من السلبية ما يقتضي بالتأكيد المراجعة ولكنه لا ينفرد باللعبة السلبية.. فكل وجود حي يتعرض لفيروسات مرضية على وفق طابع الحياة نفسها..
وبين تلك الفيروسات المرضية ومؤشراتها وبين ظاهرة النمو المتباطئ لمشروعات التعليم الألكتروني حوصر دوره في دائرة ضيقة بوزارة التعليم العراقية من جهة وبتلك المشروعات التي تجد حربا شعواء ضدها فأما تنسجم مع التوجه السياسي المرضي السائد أو تجد الحصار والحرب العبثية.
وبخلاف هذا النهج نريد أن نصل إلى أوسع جمهور يهمه إشادة صرح تعليمي يليق بدولة تنتمي لعصرنا كي تتضح الصورة بدقة وموضوعية تساعد على جمع أكبر الطاقات لتبني نظام التحديث وبالذات نظام التعليم الألكتروني الذي سنتحدث بموضع آخر عن أهميته وفوائده على البلاد في ظروفها الحالية وعن سلامة وجوده بين نظم التعليم التي تظل بحاجة للتحديث جميعا..
وسيكون من بين أفضل المعالجات لما يكتنف أنظمة التعليم جميعها، هي أن تعترف وزارات التعليم العالي بهذا النمط المعاصر من التعليم كيما تتعزز فرص مكافحة الانهيار بتفاصيل ألاعيبه، وظواهر أمراضه، مثل الغش والمتاجرة وهزال المخرجات.. تلك المعالجات التي تتأتى بفضل إيجاد الحاضن الطبيعي لنمط التعليم الحديث (الألكتروني) والإشراف على مؤسساته عبر صلات مباشرة معه على النقيض مما يجري اليوم من إقصاء واستبعاد بل ومحاصرة غير مبررة إلا بما يخدم لعبة النظام العام ومن يتحكم به لمآرب لا علاقة لها بالتعليم وأسس عمله..
غير أن الإبقاء على مؤسسات التعليم الألكتروني ونظامها خارج دائرة العمل (المشرعن) على الرغم من وجوده الفعلي، لا يقف عند ممارسة إنكار أو سياسة الإلغاء والإقصاء المتعمدة لهذا الوجود المادي الملموس بل أيضا يمثل ممارسة فعلية ميدانية أخرى لإخراج البلد ولجمهور طلبة العلم فيه، من دائرة تحصيل المعارف والعلوم بأحدث طرق التعليم المعاصرة التي أقرتها تجاريب الدول الأكثر تقدما وتطورا علميا والتي التي تتصدر جامعاتها قائمة التعليم العالي عالميا…
إنّ جامعات هارفارد ويال وأكسفورد وكامبرج وأمستردام ونايميخن وغيرها بالعشرات والمئات، هي جامعات تقليدية منتظمة تمثل القمة في التسلسل العالمي ومع ذلك فهي تستخدم بنسبة مميزة وواضحة أساليب التعليم الألكتروني في أداءاتها وتعقد أشكالا من التعاون مباشرة أو غير مباشرة بمؤسسات أو طرائق التعليم الألكتروني…
ونذكر هنا بأن حوالي نصف بلدان شرق الأوسطية صارت تقر هذا النظام (الألكتروني) وتتعامل به كونه نظام التعليم الأحدث ولادة ودورا ومهاما نوعية مهمة… غير أننا مازلنا في العراق نراوح بعيدا عن دخول عالم التعليم الألكتروني وعلى الرغم من أن كاتب الأسطر هذه دفع بصياغات قانونية لشرعنة النظام التعليم إلى اللجان البرلمانية والشخصيات المهمة في إدارة المنظومة والدولة إلا أن اللعبة بقيت بعيدا عن إقرار القانون الذي تم إقرار نظيرات له في بلدان مجاورة وشرق أوسطية وخليجية بما يمثل كسبا للنظام الأحدث ولصالح جمهور التعلّم والتقدم والتنمية…
وهكذا سيبقى إهمال وزارات التعليم ولجان الإشراف البرلماني التشريعي عليها سببا في قيود مرضية على مشروعات التعليم الألكتروني عرَّضها وسيعرّضها لمزيد تضاغطات العلاقة مع إدارات التعليم التقليدي المنتظم من جهة ولضغوط شديدة من جهات تشوّه حقيقة أو طبيعة التعليم الألكتروني وتلصق به تهما تحاصره وتقطع طريق صلاته مع جمهور التعليم من طلبة العلوم والمعارف بما يفضي لإفشال مشروع التحديث ليس في نظام التعليم عن بُعد وحده وإنما مشروع التحديث برمته بمختلف نظم التعليم عندنا…
إن تشريع منظومة التعليم الألكتروني لا تقف بحدود اشتغالها عند التعليم مجردا بآليات محددة محدودة بل تشمل بمنجزها كوكبة العلم الخبراء الأجلاء الذين هاجروا في ظروف قمعية قاهرة وعانوا من التهميش والإقصاء حتى في بلدان المهاجر الأوروبية وعانوا من التعطل والتبطل ومن خسارة طاقاتهم بشكل مركب مضاعف ما يتطلب توجها جديا نحو شرعنة تلك التجاريب بروح موضوعي سليم!!
وفي ضوء ذلك ينبغي ألا تستمر حال قبول وضع رؤوسنا في الرمال منعا لنا من النظر للحقائق الجارية حولنا. ولا ينبغي أن تكون الضغوط النفسية والقانونية التي تصطنعها تصريحات أو مقالات مغرضة تتهم مشروعات التحديث بأمور ليست هي القانون ولا الحقيقة، ولابد بديلا عن ذلك من متابعة الجهود لشرعنة نظم التعليم بتحديثاتها كافة والاعتراف الرسمي القانوني بما يدخلنا في مرحلة تعيشها الإنسانية بكل تطوراتها ودرجات تقدمها…

سيكون إذن موقنا منصبا على مزيد تعريف بمعنى التحديث وبمعاني وصور النظم التعليمية وأدوارها وكيفية تشغيلها وسلامته إلى جانب السعي الحثيث لاستعادة مكانة مشروعاتنا ودفع الضرر عن إنضاج مهامها وتنقيتها مما وقع لها وبها..
وليس غير الانتصار لشرعنة النظم التعليمية بقوانين جديدة تنفتح على عالمنا المعاصر وما وصل غليه من نماذج متقدمة غادرت منذ زمن المنظومة التقليدية العتيقة وستجد البلدان التي ترفض شرعنة النظم الأحدث ((أمية)) منفصلة عن محيطها وتلفظها الأوضاع العلمية بما يوقع شعوبها بمصائب جديدة من نوع مختلف!!
ألا فلنعد إلى حيث سلامة الاتجاه ونضمن إقرار قوانين وتشريعات التحديث التي حتما ستلج بنا طريق (التنوير) وصحة العقل وعلميته.. ويمها ستكف أمراض وأوبئة من ظواهر الفساد والتخريب عن فرص الظهور وأي فرص لتخريب العقل الجمعي والفردي وترتقي بهما إلى ذرى التقدم المنشود والحياة الإنسانية الكريمة الحرة…

لا تعليقات

اترك رد