استئساد الناقدين الرُّعاع

 

التفّاح المسموم لإهلاك المسلمين، أو الدجاجة التي تكتب اسم الله من بذور الأرز، أو حتى حمّالات الصدر التي فيها “زيت مسرطن” يراد منها سرطنة المرأة العربية.. هذه عيّنة من معجزات الشعب العربي المزعومة، والتي ما فتئ يندّد بها “أحمد مساد”، الممثّل والكوميدي الأردني الساخر، من خلال فيديوهات على قناته في اليوتيوب، والذي أعلن الحرب على المشهّرين والصفحات الوهمية والنقّاد الرُّعاع، واستطاع التأثير على عقول المتابع والمواطن.

هل المجتمع الكوردي يمتلك فنّ السخرية والفنّانين الساخرين، ليقنعوا المواطن الكوردي بأن أمريكا قادرة على بيع الكورد خلال ساعة واحدة، وبأن عليهم انتقاد الأحزاب الكوردية، ومحاربة القياديين الفاسدين وتجّار الحروب، وتغيير العقول المريضة، وتعديل ما في المجتمع من اعوجاج؟ هل راجع الكوردي نفسه يوماً على ما ينشره في مواقع التواصل الاجتماعي؟ وقدّم دراسة لنفسه قبل العامّة عمّا حصده من تغيير ونتائج وتأثيرات؟ لِم نحن أبطال خلف الشاشات، وجبناء أمام الرشاشات؟

تضاءلت أشكال وأساليب النقد البنّاء والهادف، وكادت أن تندثر بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، لما توفّره الأخيرة من تسهيلات في نشر الآراء والأفكار، دون أسس وضوابط تكفل جودة وموضوعية ومصداقية ما نراه ونقرأه ونسمعه على هذه المواقع، فمثلاً بإمكانك أن تصبح شاعراً بين ليلةٍ وضحاها، دون أن تتعب نفسك بقراءة النتاج الأدبي، ودراسة بحور الشعر، ومن السهل أن تكتسب أضواء الشهرة بكتابة منشور خاصّ بالأحداث المحيطة بك، لتغدو محلّلاً سياسياً مستأسداً، يحصد آلاف “اللايكات”، أما أحدث صيحات الموضة، والتي أنتجتها هذه العوالم الافتراضية هي النقّاد السياسيين والمحلّلين العسكريين، من فئة الرُّعاع المستأسدين.

بدون شكّ، التربية المجتمعية تواجه موجة ضغوطات وانتقادات من وسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت محرّكاً لتصرّفات أبنائها، فالتربية تهدف إلى تنشئة الإنسان الجيد والمفيد، لكن اليوم في زمن العولمة أصبحنا بعيدين كلّ البعد عن أهدافنا السامية، التي نأمل أن نحقّقها بالوصول إلى إنسان صالح يثق بنفسه، وبدون شكّ أن التعامل مع الأبناء يحتاج إلى قوّة تربوية هادئة وحازمة في نفس الوقت، فمنذ أن ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي فُقِد التواصل والتفاعل التربوي بين الأسرة بأكملها، وأصبح الجميع في بوتقة فكرية ذهنية مغيبة بتاتاً، فالكلّ يتواصل مع مَن يروق له نفسه، والنتيجة الحتمية انهيار فكري كامل للعقل والذهن والفكر والجسد.

يعاني المجتمع الكوردي في غربي كوردستان من الفيس بوك كثيراً، على المستوي النفسي والاجتماعي والعقلي، فهو كالمخدّرات، إن أُدمن عليه أحد فالشفاء منه صعب جدّاً، بالرغم من أن له إيجابيات كثيرة لا أحد ينكرها، لكن اتّضح أن له مشاكل كارثية واضحة في المجالين الاجتماعي والنفسي، والسؤال الذي يجول في خاطر الجميع “هل بالفعل أصبح الفيس بوك مرضاً يستشري في المجتمع الكوردي وأيضاً العربي؟ وما العلاج المناسب له؟ وأيّ طبيب قادر على تشخيص النفسيات الافتراضية ومعالجتها؟ متى نصل لمستوى نقد الإبداع لنكون ناقدين مبدعين، بدل أن نكون ناقدين رُعاع؟

المقال السابقالثقافة والفنون
المقال التالى(ثمن الواجب الوطني هو النسيان)
شاعر وكاتب وصحفي سوري. من مواليد مدينة كوباني، ومقيم الآن في تركيا. عمل أستاذاً في اللغة العربية، في المدارس والمعاهد التعليمية الخاصة في المدينة. له نصوص شعرية، وقصص وخواطر أدبية، ومقالات سياسية وثقافية ورياضية نقدية، منشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، منها كُردية وأخرى عربية. انت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد