انموذج الدولة المثالية


 

يتبادر الي ذهن الكثيرين بأن الدولة المثالية التى أقصدها هي الدولة الأفلاطونية التى حلم بها افلاطون وتمنى أن يحكمها الفلاسفة ظنا منه أنهم لحكمتهم سوف يجعلون كل شئ في هذه المدينة معياريا. أو قد يفهم بأنني أقصد الدول الغربية والأوروبية التى وصلت الي أوجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي بما تقدمه من نظم علمانية وديمقراطية ليبرالية ومساحة كبيرة جدا من الحريات الفردية ودعم البحث العلمي والابداع في مختلف مجالاته. ولكن الحقيقة في بعض أوجهها لا تكون دقيقة أو قد تحمل مضامين ودلالات أخرى تغيب عن ذهن القارئ أو لا يستوعبها الفرد بالضرورة نظرا لما تعلمناه أو ما تم أدلجتنا عليه من أفكار وإجابات مسبقة.

يخبرنا التاريخ دائما، بأن هناك أمما عاشت تحت نير الاستبداد والجهل والتخلف والفساد ولكنها في مرحلة ما، وتحت ظل عوامل وظروف فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية، كانت مثالية في حينها للبدء في القطع مع ماضيها، قد تغيرت وتغلبت على جلاديها وبنت ثورتها الفكرية والعلمية والاقتصادية بعد أن استوعبت الشعوب بأن ما كانت تعيش فيه هو الظلم والخنوع والعبودية، فرفضته أملا في الانتصار على واقعها البائس للإنطلاق الي واقع أكثر قوة وكرامة وتطور. وهو تماما ما حدث للدول التي نطلق عليها اليوم صفة المثالية الموجودة الآن في الغرب وأوروبا وبعض الدول الآسيوية. ولكن علينا أن نفهم بأن هذه الدول قد اصبحت مثالية الآن فقط بعد أن خاضت تحديات واقعها وانتصرت عليه واهتمت بالإنسان والأخلاق والعلم والفلسفة فتقدمت وازدهرت.

لذا يكون هنا أيضا، على الأقل من ناحية فلسفية جدلية، أن نقدم تعريفا للمثالية في واقعنا العربي الحالي بأنها الحالة أو الوضع المناسب والمثالي في وقته وزمنه الذي يتطلب النهوض ومواجهة التحديات، ولا يكون هذا القول صحيحا الا إذا كان هذا

المجتمع أو المجتمعات المثالية تعاني من التخلف والاستبداد وتراجع مؤشرات التنمية وظلم الإنسان وسحق كرامته. وهذا تماما ما نتعايش معه في مجتمعاتنا الخليجية والعربية والإسلامية. فهي دول مثالية جدا للتطور بما تعانية من فشل ورثاثة وانحطاط. فاليابان وألمانيا وماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية على سبيل المثال دول عانت من حروب وكوارث وهزائم وانقسامات أهلية، لكنها تقدمت اليوم بعد أن أكتسبت أسباب التقدم والتفوق. فالمثالية التى أقصدها ليست بالضرورة هي الحالة المكتملة النهائية المنجزة للشئ أو للدولة فهذه يوتوبيا متخيلة غير واقعية ولا عقلانية، ولا أعنى بها أيضا الفلسفات المثالية الواقعية أو اللامادية أو الموضوعية..الخ. بل المثالية في عنوان المقال هي الحالة الملائمة للتقدم بما تحمله من أسباب موجبة وعوامل ناضجة.

إن مظاهر التخلف في مجتمعاتنا كثيرة ومتداخلة ومتشعبة من جهة، وعلى درجات متفاوتة من الأهمية من جهة أخرى، ذلك أن بعضها يتعلق بالبناء التحتي مثل تخلف القوى المنتجة وبالتالي علاقات الإنتاج، وبعضها يتعلق بالبناء الفوقي كأشكال الإدراك والوعي الاجتماعي والسياسي، وبعضها ايضا خارجي يتمثل في التبعية للقوى الكبرى والقوميات الدينية والعرقية، وبعضها يغلب عليه الطابع الاقتصادي، وبعضها الآخر الطابع الديني والطائفي والقبلي والثقافي مع غياب تام للإنسان لكونه الحلقة المركزية في العملية النهضوية، وبالتالي فإن الحالة المثالية للتقدم يجب أن تنطلق الآن قبل الغد واللحظة قبل الانتظار لتجاوز حالة التخلف ومن ثم بناء دول ومجتمعات متقدمة تلاحق الزمن وتبني المستقبل ضمن رؤية وطنية وسياسة ديمقراطية وأخلاق إنسانية.

من الضرورة الآن أن نتسائل، وضمن الواقعية المثالية التى ننشدها، ماهي إذن العوامل المحفزة كي تنهض مجتمعاتنا وشعوبنا حتى تدرك مثاليتها في العصر الحديث؟..وماهي المثالية التى تعيشها الشعوب المتقدمة؟..وهل هي بالضبط ما نريده أن يتحقق لدينا كي نشعر بأننا مجتمعات ودول مثالية للإنسان كي يعيش فيها ويتعلم منها بل وتهاجر الينا

الشعوب الأقل حظا في العلم والحقوق والكرامة كما نفعل نحن ذلك تماما اليوم بالهجرة واللجوء الي الدول العلمانية كي ننعم بأمنها ونعيش تحت كنف رغدها وإنسانيتها؟!!

إن مقياس تقدم أمة على أخرى لا يكون بمقدار ما تملك من مال ونفط وموارد، وليس ايضا بمقدار تمسكها بالدين والعبادات وإلا لأصبحت المجتمعات الخليجية بالذات من أكثر الدول تقدما لما تملكه من أموال ومساجد وحسينيات ومدارس دينية وتبرعات وتيارات دينية. لذا، من الخطأ اليوم أن نعتبر مجتمعاتنا العربية مجتمعات مثالية فقط لانها ذات ثقافة دينية وعادات وتقاليد اجتماعية موروثة، فهذه المحددات لا تعتبر اليوم مثالية للتقدم بقدر ما تم اعتبارها تاريخ وهوية للأفراد بعيدة جدا عن أسس التقدم والتطور.

ولكن مقياس التقدم اليوم ومعايير المجتمع المثالي للسكن فيه يكمن في عدة مفاهيم نوجزها بالتالي:

* الحرية، الديمقراطية، الإستقرار السياسي، القاعدة الصناعية الانتاجية، تحقيق الإكتفاء الذاتي، حقوق الإنسان والمساواة والعدالة، التعايش وقبول الآخر المختلف، مستوى رفاه الفرد، مستوى الأعمار والصحة، تقدم العلوم والجامعات ونمط التعليم، احترام القانون والنظام، نسبة الزيادة السكانية الطبيعية.

إن الخروج من رثاثة مجتمعاتنا للوصول الي المثالية المجتمعية عملية صعبة ومعقدة ولا تتم في ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى تضافر مقومات فكرية واجتماعية وسياسية، فالتنمية والمثالية المنشودة هي عملية حس مشترك ومسؤولية مجتمعية ووعي ينبض بالحياة قبل كل شئ. ورغم صعوبة الأمر إلا أن الواقع وتجارب الدول الحديثة تؤكد أنها عملية غير مستحيلة، فالعامل الأهم ضمن هذه العملية هو وجود الإرادة السياسية الديمقراطية والاجتماعية الإبداعية القادرة على الإلهام واستنفار الشعب لإحداث هذه النقلة التاريخية العظيمة.

نحن اليوم، كشعوب ومجتمعات وحكام، نتحمل المسؤولية الأكبر في عملية التخلف والإبتعاد عن المثالية الواقعية لدولنا، فلا يحق لنا الاستكانة والاستسلام بدعوى أن التخلف قدر، وأن المثالية تحتاج إلى معجزة إلهية. بل علينا معالجة العقل الجمعي العربي باعتباره، ذاكرة المجتمع ومحور هويته وثقافته، وباعتباره، من جهة ثانية، قيدا ثقيلا على حرية الإنسان العربي وقدراته الإبداعية، والمسؤول تماما عن حالتنا الراهنة المقاومة للتغيير الايجابي. علينا اليوم البحث عن كيفية الخلاص من قهر العقل الجمعي، وتحريك الصراعَ بين العقل الفاعل والعقل المنفعل، على صعيد الفرد والجماعة، وهو صراع يتوقف على نتائجه تقدم المجتمع أَو بقاءه ضمن منظومة التخلف والجهل والاستبداد. فبقدر ما يتحرر الإنسان العربي من العقل الجمعي، ومن هيمنة السلطة الأبوية في مجتمعه والمتمثله بالحكام الطغاة والمؤسسات الدينية ورجال الدين وقوى الفساد والرجعية، يكون قادرا على الإبداع، والإبداع هو مفتاح تقدم الأُمم وبناء الإنسان وانطلاق الحضارة.

لا تعليقات

اترك رد