الحقوق والعقوق في فيلم ” هذا الزمن “

 

كثيرا ما نسمع في الشارع ،وفي مجالس ، آباء وأمهات يتحدثون عن عقوق أبنائهم لهم ، وكثير منهم تركه أبناؤه حينما توظفوا وصارت لهم رواتبهم ، يصرفونها على نسائهم وأولادهم ، ويستبعدون استبعادا مساعدة آبائهم ، بل هناك من يغلق الهاتف أمام مكالمات أبيه أو أمه. ومن هنا ينشأ الأسف والندم والحنق مستبدا بهؤلاء الآباء الذين يحتاجون إلى اعتراف أبنائهم بجميلهم تجاههم أعواما وأعواما.

أبناء يتكبرون على آبائهم وأمهاتهم بمجرد أن تمكنوا من الاستقلال المادي ، وأبناء لا يعترفون بوجود آبائهم فيعتبرونهم في عداد الموتى رغم كونهم ما يزالون على قيد الحياة ، وأبناء يفكرون في إلحاق آبائهم المسنين بدور المسنين لأنهم صاروا يشكلون عبئا عليهم.

تقول إسراء خليفات ( فضل الوالدين على الأبناء لا حدود له. وإن حقوقهما لا تعد اعترافا بالجميل او ردا لفضلهم في التربية. حيث اصبح البعض ينظر الى والديه بطريقة متعالية من حيث التفكير وفهم الحياة او انهما لا يناسبان مقامه الاجتماعي. هذا كله نجده يغير من مفاهيمنا وأفكارنا ومعتقداتنا وتقاليدنا نحو بر الوالدين. حيث نرى الابن وللأسف يتكبر على والدته ويضرب بها وجه الثرى ويعتبر الاب لتكميل حياته فمجرد أن يستقل بمصروفه وحياته او يقوم بإرساله الى دار المسنين. حيث تغير الوقت واصبح من النادر رؤية الابن يقبل يد والده او جبين والدته حيث يكونان من وجهة نظره لا يستحقان الاستمرار). (1 ).
ويأتي فيلم “هذا الزمن” ليسلط الضوء على هذه المعضلة التي يُؤسَف لها.
وفكرة الفيلم تتلخص في أم عجوز تأتي لتزور ابنها وسط القاهرة ، وحين تجده ، يطلب منها أن تجلس في مكان ليغادرها واعدا إياها بالعودة إليها بعد أن سلمها ورقة ، بعد انتظار طويل، يقترب منها شاب غريب ويحاول أن يتعرف على مشكلها إلي أن تسلمه ورقة كتب فيها أبنها الذي لم يعد بعد ” على من يجد هذه السيدة أن يوصلها لأقرب دار مسنين”.

بطلة الفيلم هي الممثلة المصرية “عواطف حلمي” التي حصلت عام 1998 على درجة فنان قدير بدرجة مدير عام من وزارة الثقافة ، وشاركت في أفلام شهيرة كثيرة ومتنوعة منها ليالي الحلمية وأنوار الحكمة ويوميات ونيس ، وخان القناديل وغيرها (2 ) ،وهي في فيلم ” هذا الزمن ” امرأة عجوز أدت دورها كما ينبغي إذ تجعل المشاهد يتعاطف معها كنموذج للأمهات اللائي ولَدْن وربَّيْن وعانين ليكون مصير ذلك كله النكران والتجاهل المقيت. ومن المعلوم أن الفنانة معروفة في جل الأفلام بأدوار الطيبوبة والفضائل ، وقد حقق هذا الفيلم نجاحا باهرا إذ أدت دور الوالدة التي تحتاج إلى أبنائها لحبها لهم قبل أي اعتبار آخر.

في الفيلم ضدان بارزان متمثلين في ابن الأم التي قطعت مئات الكيلومترات وبشق الأنفس كي تزوره ويتركها وحيدة تنتظر عودته في أي وقت ، وبين الشاب المهذب الذي أثرت في نفسه وهو يلاحظ تواجدها على كرسي ساعات كثيرة ، ويطلب مساعدتها رغم أنها ليست أمه لكنه يعتبرها بمثابة أمه التي تحتاج إلى مساعدته.
هذان الضدان نفخا في الفيلم صراعا دراميا بين الخير والشر بين الاعتراف بالجميل ونكرانه بين الصدق والكذب في المعاملة. عواطف حلمي في الفيلم نموذج حي للأمهات المخذولات في فلذات أكبادهن في كل الأقطار العربية وغيرها ، فهي وإن بدت تحتاج إلى ابنها أبية النفس كريمة سخية ، وقد أرَتِ الشاب الذي استجوبها قلادة جميلة تريد إهداءها لابنها الذي تركها خوفا من تهديدات امرأته ربما.

حين تكون المرأة ضد نفسها
يبدو أن الفيلم تتقاسمه امرأتان امرأة شريرة تمثلها زوجة الابن التي يبدو من خلال حديث أمه أنها المانعة له من زيارتها ، فهي لم ترها قط ،ولم تر حفيدها سوى عبر صورة سلمها إياها ولدها.
والمسكوت عنه في الفيلم هو استئثار زوجة الابن بهذا الأخير وتطويقه وتسييره وفق أجندتها ورغباتها الشخصية.

هذا النموذج من النساء يجسد ما يخالف مصالحهن ومشاعرهن ، ففي لحظة ينسين أنهن أمهات سيكبر أبناؤهن ويتزوجون ويخطفون منهن في طرفة عين وكان لاشيء يجمعهن بهم.

الفيلم جميل مؤثر
“هذا الزمن” فيلم جميل شكلا ومضمونا ، فهو فيلم محكم التركيب سواء من حيث بناء السييناريو الذي بدت حبكته متينة النسج ،ولا من حيث تقديم قصته وإن بدت قصة معروفة ومنتشرة في كل المجتمعات و بحدة في هذا العصر ،كما أن الانتقال بين الفضاءات والذي يبدو مدروسا أضاف شحنة لعنصر التشويق لأحداث الفيلم ، ولعل الممثلون قد أعطوا للفيلم نكهته الجمالية والسحرية فلا يبدو عليهم التصنع والافتعال ، بل أدوا أدوارهم بشكل طبيعي مما ساعد على تاثيرية الفيلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش :
+ ـ فيلم “هذا الزمن ” ـ بطولة : عواطف حلمي ،عبد الله النحاس ، خالد مجاهد ـ إخراج : رامي الجابري ـ مدير التصوير :أحمد مصطفى محمد علي ـ مونتاج :ديانا عماد ـ مدير إنتاج : أحمد فوزي ـ مهندس صوت : جهاد فوده ـ موسيقى : صالح قدري ـ مكساج : عمرو عصام ـ سناريو : رامي الجابري ـ مساعد مخرج :رينه خلف ، آسيا محمد علي ـ منفذا إنتاج :أنس القاضي ، أحمد مجدي ـ معدات إضاءة :هاني حسين محمد سند ـ إكسسوار : محمد عباس ـ فنيين :علاء محمد ، أحمد حسن ـ شاريو :إبراهيم صالح أسطى فراج ـ كاميرات : أحمد عربي ، خالد علي ـ سيارات : أحمد ظريف.
ـ (1) أبناء يعقون آباءهم ـ جريدة الدستور نشر يوم الخميس 21 تموز / يوليو 2011. 03:00 مـساء.
ـ (2 )ـ المعلومات مستفادة من ويكيبيديا (الموسوعة الحرة).

لا تعليقات

اترك رد