مديات الادراك البصري ( لونيات ايمان التميمي في النقد الفني )

 

تتصف النقدية الفنية بتعاملها مع المنتج الصوري والتشكيل الفني بكل انواعه المجسمة والسطحية من خلال الوصف والتحليل , اذ تتعامل الفنانة (ايمان التميمي ) مع الوسيط اللوني تحديدا بكونه سيمياء رمزية غايتها الادراك والفهم بعيدا عن المعنى او المضمون , فضلا عن انها استقدمت شعورها تدريجيا في النمو التعبيري الموضوعي , ولعلنا نعترف بأن الوسيط تلك اللوحة الموسومة باللون بوصفه وسيلة تقاوم التحليل والتفسير في محاولة منا نحن القراء للوصول الى عالم الفنان او مديات ادراكاتنا لما قدمه من منتج , لا سيما ان فعل المدى اللوني هو انفعال جيومتري (قياسي ) ويمكن قياسه نتأهب لاستقباله بوساطة كل من العين اولا والمشاعر ثانيا وبذلك ان الانفعال يصبح محددا للعمل ويمكن الشعور به في مراحل تراتبية اخراجه .

لو تفحصنا لوحات (التميمي ) المشغولة بلونيات الاكريلك او التخطيط بالفحم وقلم الرصاص نجدها مفعمة بالحس تحقق التعبير فيما نراه وهذا بالفعل مراد القارىء الفني , اذ ليس من المعقول ان يبحر الخيال في ابعاد اللوحة والوغول الى مكامنها الضيقة او السير في ملمسيتها دونما الاعتراف باولوية البنية السيمائية لها , وهنا تتعرض اللوحة الى الشد والجذب , اي بمعنى ان القارىء لايمكنه ان يحقق التطابق الفني مع الفنان مالم تتوازى حركتيهما في افق واحد والاكثر من ذلك ان الوصول الى حالة التطابق لا بد من ان يصاحبها الادراك , لو عدنا الى الوسيط (اللوحة ) ستكون عنصرا ايجابيا بين الفنان والقارىء حينما تتماثل افقية الفنان وافقية القارىء وقد يكون الانفعال هو الوسيط وبالتالي هو اللوحة وبالتالي هو اللون وبالتالي هو التعبير , عليه ان سيمياء وعلامات الاشياء شكلت الفعل النهائي للعمل بعد تشكيل ملامحه , وهنا اصبحت الانفعالية = اللوحة =اللون = التعبير = الفنان + القارىء , وحينما نحاول في انموذج اللوحة (عين ونصف وجه ) هي بالحقيقة رمز قدمته الفنانة بادوات العقل ومحورته على معنى الصراع والارتقاب بعين بشرية لا تعني انها تسدد نظراتها الى شخص ما وانما هي عالجت الموضوع بحذر الملاحظة , وتفننت في نثر اللون الازرق بدرجاته على مناطق الوجه كالجبهة والخد وتركت البرود واضحا في ترقب العين حتى اصبح اللون جزءا من العين وليس غطاءا معينا , الا ان (التميمي ) اخفت نصف الوجه وراء مجموعة من الشكلانية اللونية التي ارتكزت الى نصف بريق اللون ودرجاته او ماشابه حتى تركت بعض من السيل اللوني الازرق على الجزئين او النصفين المتماثلين من تصوير الوجه البشري , وارادت ان تصل بقارئها نحو التفكر الذي ربما يشير في بعضه الى الخروج على فكرة التلوين ذاتها , انها ابجدية جمالية بكل معانيها ان كان قصد الفنان او قصد القارىء .

هكذا يتم التعبير عما نسميه بالانفعال الهادف نحو التعبير كونه عبارة تطلق بدقة عالية على ما نواجهه من افتراض ذلك ان (التميمي ) اخرجت لوحاتها في صورة موضوعية من حيز الكوامن الى حيز الوجود الجمالي باستخدام خامات مختلفة من اللون باعتباره صبغات , حتى لنجد انها تصدت الى معنى الانفعال بعلامات لونية تكنيكية وظفتها بمساحات مختلفة واشارتاليه في جسد اللوحة حتى اصبح هو القدرة على التجسيد , اذ لم يكن مقتصرا على خلق الموضوع وانما نتاج للمشاعر الموضوعية التي تستحق منا تسميتها ب(المديات البصرية ) واعتمادها سمة السيمياء.

ان الفنانة (ايمان التميمي) تعالج موضوعاتها على اساس الاعراف الجمالية لتؤكد لمتابعيها ان فنون الرسم تبقى بهيأة ملحمة مسرحية يتقمصها الفنان فيخرجها اذ يقوم بتوزيع عناصرها على خشبة المسرح ويسلط الضوء على بعض منها في مناطق يراها مناسبة لمرويته الحقيقية فهو يجعل من الكنفاس والالوان مدرجا للتصوير عليه انها تشارك في القاء الضوء على الكنفاس واعتباره مسرحا يتخطى الخيال في التكوين والحركة , اي بمعنى التخطيط والرغبة في ان تكون اعمالها تحت دائرة الضوء والتساؤل .

لا تعليقات

اترك رد