” الهابطين “


 

حركة واحدة من يدها .. جعلت علبة الأقلام تتدحرج بأكملها على المنضدة الصغيرة ومنها إلى الأرض المبتلة ببقايا مياه التنظيف .. التي جعلت قطراته من البلاط سطحاً لامعاً .. وتراقصت عليه كزجاج يناور الشمس جيئة وذهابا ..
” الهابطون “..
كلمة قفزت إلى ذهنها بسرعة الحدث ..
ماذا لو كنا نحن البشر كرزمة الأقلام الهابطة هذه .. ؟
ماذا لو أننا في أصلنا ملائكة كانت مقيمة بالسماء .. تنعم برضا الرب .. قبل أن نهبط للأرض ونغدو بشراً ؟
سرح خيالها بالأمر بعيداً .. لمّ لا
كانت الملائكة جميعها تدين للرب .. قبل أن يقرر الشيطان أن يتمرد على الإله .. ويعصي أوامره لسبب ما .. لربما أراد أن يكون زعيم الملائكة ورفض الرب ذلك ..
وحين القى الله عليه اللعنة وأنزله للأرض ..
انحاز الملائكة بمجملهم للرب طائعين له .. عدا بعضهم الذين فضلوا أن يكونوا حيادي الموقف ..
لم يتخذوا جانب أحد .. لم يقدموا الولاء لخالقهم والإمتنان .. كما لم ينصاعوا لثرثرة الشيطان الشريرة .. فكان أن ألقى عليهم الرب لعنة الحب ..
وألقى بهم للأرض .. فباتوا يحملون اسم الهابطين .. تناثروا فيها تحت راية السماء وزرقتها وبطشها ولطفها كما تناثرت هذه الأقلام في كل مكان تحت المنضدة .. هابطون هم وغارقون بلعنتهم كما الأقلام بالماء ..
ماذا لو كانت التميمة للعنتهم هي العثور على الحب الحقيقي .. !؟
هم لم يختاروا جانب الخير ولااختاروا جانب الشر .. !!
إذاً لربما عليهم أن يجدوا شيئا أخر ينقذهم في نهاية المطاف ويكون شفيعا لهم لدى الرب .. !!
والمخلص لهم من ترصد الشيطان بهم ..
شيء ما .. !!
يطفىء بركان الشر في داخله تجاههم .. ويفك ضفائر الضمير التي عقدوها بإصرار وأسدلوها على أكتاف قضيتهم ..
وهاموا في الحياة كالشاة في الصحراء .. يعنيها الكلأ والماء ولايعنيها الرعاة ..
لما لايكون الحب .. نعم الحب .. ولأن الرب يعلم أنه عملية صعبة .. والكره أقرب منه سبيلا .. اختار لهم هذه اللعنة .. عليهم أن يدفعوا ثمن حياديتهم تجاه الحق ..
هم لم يكونوا أوفياء على حقوق الرب خالقهم .. فكيف سيوفوا لبعضهم البعض .. !!
هم لم ينحازوا لأخوهم الملاك العاصي وأعني الشيطان .. كيف سيأمنوا لبعضهم البعض .. !!
هم يصادرون حق الضعيف فيهم .. يَقتلون ويُقتلون من اجل أتفه الاشياء .. !!
ويزرعون مزيداً من البغض باسم الرب والحب .. !!
يدبون في الأرض على مدار الوقت باحثين .. أنهكتهم الأيام .. غزا الشيب أقدامهم .. وكلما ظنوا أنهم وصلوا .. يصنعون كارثة من الكره جديدة ..
فكيف يعثرون على الحب .. !!
هم كلما عثروا على قصة حب .. وعاشوها بكامل تفاصيلها وظنوا أنها مفتاح العودة للسماء .. تدخل الشيطان وأفشلها .. فكيف سينجون ..!!
يتمنى هو دوما أن يراهم معذبين بهذه الأرض كونهم لم ينحازوا لجانبه ..
لذا لم تشهد الأرض يوما قصة حب ناجحة على يد الهابطين ..
وكلما حاولوا الصعود .. ازدادوا هبوطاً وازداد الشيطان هيبة ومازال الله ينتظر منهم أن يفكوا لعنتهم بالحب .. وينزعوا عنهم رداء الهابطين بالصاعدين .. !!
أيمكن حقاً اننا كذلك .. !؟
ترى متى نعبر من بوابة الظلام هذه لبوابة النور .. !؟
من سيصنع أسطورة الحب تلك التي بها سنعبر .. ؟
كانت تسأل ذاتها السؤال وتجيب على نفسها كما يملي عليها الخيال ..
تنهدت كمن عاد من مشوار طويل ..
وهبطت على ركبتيها لتجمع الأقلام من على الأرض ..
……

لا تعليقات

اترك رد