ياعبد المهدي..!


 

هانحن اليوم نستظل بظل حكومة جديدة، تحت لواء رئاسة جديدة، ولعلي لا أخرج عن المألوف إن ضممت صوتي مع صوت المجددين، فالحياة بطبيعتها تتجدد بمفرداتها جميعها. غير أن التجديد لايعني التمرد والانقلاب على القديم رأسا على عقب، لاسيما إذا كان للقديم بعض صلاح وفلاح وفائدة عامة، فحري بمن يرعى الجديد إذن، الرجوع إلى إيجابيات القديم وتحديثها، والركون إلى الملائم منها مع الجديد، وقد قيل فيمن يتخلى عن القديم جملة وتفصيلا، ويحشر نفسه في كوة الجديد:

البس جديدك إني لابس خَلِقي
لاجديد لمن لم يلبس الخلقا

فاللباس الخَلِق قرين حقبة مضت، وليس بالضرورة رميه في القمامة، إذ أن بعض الخَلِق يصلح أن يكون تراثا، أو أثرا من آثار ماض يشرّف الحاضر، وقد يعلو عليه رفعة وسموا ومكانة.

إن أنظار العراقيين اليوم تتطلع إلى حكومتهم الجديدة، لتكمل ما تبقى من التشكيلة الوزارية على أتم وجه وأسرع وقت، لينضموا مع من تم تسنمهم مهام عملهم، ليديروا جميعهم دفة مؤسسات الدولة، هذه المؤسسات التي طالها الخراب بما أقعدها (على الحديدة) ونالها الإهمال والتهميش بشكل أخرجها عن خدمة البلاد وملايين العباد، حتى باتت أركانها تلوح (كباقي الوشم في ظاهر اليد).. ولم يعد لها نفع يذكر إلا لمن يريد البكاء على أطلالها مرددا:

يادار أين زمان ربعك مورقا
وشعارك الإجلال والإكرام
يادار أين الساكنون وأين ذيـ..
..ـاك البهاء وذلك الإعظام
يادار مذ أفلت نجومك عمّنا
والله من بعد الضياء ظلام

وبعد نفاد احتمال العراقيين تخرصات رؤساء حكوماتهم السابقة، اشرأبت رقابهم صوب رئيس حكومتهم الجديدة، متأملين منه انتقاء أعضائها بعد غربلتهم جيدا، وفرز الغث منهم، فشرائح المواطنين على اختلافها ملت ألاعيب رؤساء مؤسسات بلدهم التنفيذيين، وأضحت التشكيلات الفئوية والحزبية التي تدير الوزارات معلومة لدى المواطن، كما أن هيئة الوزير -المكلف حزبيا وكتلويا لامهنيا- تجلت على حقيقتها عارية من مهنيتها وشهادتها الأكاديمية وتأريخها الوظيفي، فالانتماء الحزبي والولاء الكتلوي أصبحا بديلا عن شرف المهنة، وعلا القَسَم بهما على قسم اليمين الدستورية أضعافا مضاعفة.

والمحل هنا ليس محل عرض المشكلة المتأصلة والأزلية في انتقاء رئيس مجلس الوزراء وزراءه، فحين تكون الضغوطات فاعلة وذات صدى مؤثر، فإن النفخ يكون في قربة مثقوبة..! غير أن من المجدي التذكير بأن على رئيس الوزراء الحالي، انتقاء أعضاء المجلس التنفيذي وفق وحدات قياس صارمة وضوابط حازمة، من دون الركون الى الانقيادات الحزبية والمحسوبية سواء بضغوطات أم بغيرها!. كما أن المظاهر والتجمل والمجاملات لن تأتي بشخوص جيدين، وكما قال ابن الرومي:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشَّفتْ
له عن عدو في ثياب صديقِ

إذ من المعلوم أن مبدأ (الأقربون أولى بالمعروف) وقاعدة (مرگتنا على زياگنا) وانتهاج مصطلحات: (من جماعتنا) و (من ربعنا) هي السبب الرئيس في تدني مستوى أداء الوزارات في الحكومات السابقة، وعادت بسلبيات ضيقت الخناق على أهل البيت العراقي بشرائحهم كافة، وياليت رئيس الحكومة يكمل قراءة البيت الثاني لابن الرومي إذ يقول:

عليك بدارٍ لا يزول ظلالُها
ولايتأذى أهلُها بمضيق

وقطعا هذا لن يتأتى يارئيس حكومتنا من الفراغ، او من الجلوس خلف عرش السلطة من دون النزول الى أرض واقع العراقيين، حيث العامل والعاطل عن العمل.. والطالب والمعلم.. والمرأة وكبار السن.. والموظف والمتقاعد.. والطفل والمريض.. وباقي شرائح المجتمع، فهم جميعا باتوا أمانة بعنقك وأعناق كل من يتسنم منصبا قياديا في البلد.

نعم يارئيس الوزراء، الكرة اليوم بساحتك وعليك التهديف والتصويب بدقة وذكاء، والمواطن ينتظر منك بذل الطاقة القصوى، والعمل الدؤوب وانتهاج سبل حدية وصارمة مع من يتهاون في أداء واجبه بالشكل السليم، للحد من تداعي كثير من السلوكيات التي ظهرت عبر تراكم السنين الماضية من عمر العراقيين، بين حصار وحروب واحتلال، وهذا يتطلب همة وقوة وإقداما يا عبد المهدي..! وقد قالها صاحبنا ابن الرومي في بيته الثالث:

فما يبلغُ الراضي رضاهُ ببُلغة
ولاينقعُ الصادي صداه بريق

لا تعليقات

اترك رد