ابن رشد و جدلية المطلق والمحدود

 

يعتبر ابن رشد الفيلسوف الإكثر جدلآ فى الديانات السماوية الثلاث ،فقد كانت حالة الجدل التي أثارتها اطروحاته الفلسفية في الإسلام والمسيحية واليهودية غير مسبوقة. فقد عمل ابن رشد فى اطروحتة الفلسفية على تأكيد ارتباط الفلسفة بالشرع وانحصارها خلف جدرانه، وأكد على كونية الفلسفة وبأنه لا قومية لها، وهو كلام مردود لسبب واضح وهو أن حصر دور الفلسفة في مجال النظر في الموجودات( المحدود) وعلاقتها بالصانع(المطلق) ، أفرغ الفلسفة من كل بعد كوني، وعطل فعل التفلسف الحر من قبل البداية فيه، فشرط الكونية للفلسفة هو ااستقلالها العقلي وحرية الناظر في المطلق و المحدود .
(2)
و قد دافع ابن رشد، فى مؤلفاته العديدة ،عن العودة إلى كتب القدماء (سقراط ،ارسطوا .افلاطون ) إلا أنه لم يؤسس لاستقلال الفلسفة الإسلامية عن الشريعة ومقتضياتها ، فقد ربط النظر والعمل فى الفلسفة بالشرع و بذلك قد عمل من حيث لايدري على اعتقال النظر الفلسفى الحر فى (تعريف المطلق )داخل اطار القاعدة الشرعية ،و هو ما لايسمح بتأسيس حقيقة مطلقة فى ذاتها .

وان كان ابن رشد يري أسبقية المعرفة العقلية على المعرفة الدينية بحيث لا تستقيم الثانية إلا على أساس الأولى. و اتفاقه مع المعتزلة في جعل “المجاز” وسيلة التأويل الأساسية ،وهو مايبرز لنا ، اتفاقه معهم كذلك -وإن كان بطريقة ضمنية- في جعل “المعرفة العقلية” أساسًا ضروريًا “للمعرفة الدينية” لا تستقيم الأخيرة دون الأولى ولا تصح إلا بها. والذي يجعل من التأويل” ضرورة لا غني عنها فى فهم وتفسير النص المقدس.

هذه النظرية كانت قائمة ومطبّقة، على نطاق واسع، في الأدبيات الصوفية، واللاهوتية، والغنوصية، وما فعله ابن رشد هو نوع من إعادة بناء مفهوم التأويل، حتى يخدم استراتيجيته؛ ذلك أنّ هذا الأخير قد أناط بالفلاسفة، الذين هم الراسخون في العلم حقاً (أهل البرهان)، دون علماء الدين التقليديين، اصحاب صلاحيةَ تأويل الشرع المنزل، وقول ما يريدون إبلاغه إلى الناس عن الله وخليقته.
(3 )
ولعلّ تعريف التأويل وو ظيفته لابن رشد يُظهران أنّ مشروعه، القائم على العودة إلى الأرسطية الخالصة، لم يكن على درجة كافية من العمق، سوى تعبير أخير عن عملية المحاصرة، التي فرضها على الفلسفة، حتى يمنحها المشروعية الدينية.

وبمعنى أخرى، قد تناول ابن رشد اطروحتة الفلسفية بعقل واع بقصوره وأخطاءه ونسبية حقائقه، لكنه في الآن نفسه منفتح على الشك ليس فقط بالشرع ولكن بنفسه أيضا وقدرته على إدراك كل شيء. طبعا لم يكن ابن رشد ليؤسس لهذا “العقل الضعيف”، بالمعنى الابستمولجي والأخلاقي للكلمة،ومن هنا يمكننا ان نتفهم سرّ دعوته إلى الاعتراف بعجز العقل أمام بعض الحقائق في الشرع المنزل، وضرورة تقبّل مبادئ الشريعة الثلاثة

١_وجود الله.
٢_وجود السعادة والشقاء في الدنيا و الآخرة.
٣ _المعجزات.

وهذه المبادئ، التي يرتكز عليها الشرع لتأسيس طابعه المتعالي، و ليتخذ موضعة خارج الشك، والنقاش الفلسفي، ومن ثَمَّ فإنّ الحرية، التي يطالب بها ابن رشد للفلسفة، لا يمكن ممارستها إلا داخل النطاق الذي يرسم الشرع أسواره بصرامة .

أى ان ابن رشد لا يبدي أيّ استعداد لوضع المنطق العملى تحت سيادة الفلسفة، بل إنّ الشرع هو من يتكفّل به بالكامل، عقدياً وفقهياً.

فقد كان الهدف الإساسي من اطروحة ابن رشد الفلسفية ، هو شرعنة الفلسفة وجعلها متمحورة حول الإنسان في الكون ( المحدودات )، ولا الفلسفة على العموم(المطلق ) ، بل مفهوم لفلسفة خاصة هي فلسفة الصانع الميتافيزيقية، ومبرّر ذلك أنّ مفهوم الفلسفة لا يمكن أن ينال تسليم الشرع به، إلا داخل حقل نظري لا يمكن أن يشكّل استكشافه تهديداً جدياً لأساساته.

وبمعنى أخر ،” إنّ الفلسفة تكفّ عن أن تكون ممارسة حرّةً للعقل في بحثه عن العقل والسعادة”

المقال السابقالاقتصاد الأزرق
المقال التالىفنان بقلم شاعر ” 2 “
محمد ابراهيم فؤاد . كاتب وباحث مصرى ،من مواليد 1997،القاهرة ،يكتب فى العديد من الصحف والمواقع الإخبارية ،ويعمل حاليآ على إخراج عملة الروائى الإول تحت عنوان "زهرة التيوليب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد