معنى واهمية الفن ج 1

 

من خلال إطلاعي على العديد من البحوث السابقة واللاحقة، أو (الحالية ) التي تخص هذا الموضوع، لغرض فتح الطريق أمام الوصول الى بعض المعلومات التي لايمكن التوقف عند حدود معينة قصيرة الأمد، تأكد لي أن هنالك مشتركات ثابتة وأساسية بين مفاهيم الفن وأنواع فروعه وأقسامه العديدة، سواء كانت السمعية أم البصرية، وعلى سبيل المثال: البحوث ألتي تناولتها سابقاً والأستنتاج والنتائج المستخلصة بعد مراحل المقاييس والمقارنة والتقويم، منها (ضرورة الفن للحياة الانسانية) (عوامل تفعيل حركة التذوق الفني) (الفن بين الاحساس والشكل والمهارة) تلك المشتركات هي الحجر الأساس لهيكلة بنائية الفنون بأنواعه المختلفة، وكلما إقتربت إلى الأقسام مابين السمعية والمرئية، أو التشكيلية والمسرحية والموسيقية، تقترب المشتركات البنيوية سواء كانت في التفاصيل، أم في مداخل الأسس للتعريفات في الألفاظ والمصطلحات، وتاريخ نشأتها، وتبدلات لفظها ومفاهيمها عبر الأزمنة والمواقع الجغرافية (المكان) وكذلك التقاليد والعقائد حسب مراحلها الزمنية، ومحيط بيئتها للطبيعة وتقاليد المجتمع، ولذلك فإن التبدلات الزمكانية، تنتج تبدلات ومتغيرات لفهم وتذوق الفنون، تصل بها إلى مرحلة المتناقضات والأضداد بين مرحلة وأخرى، أو مكان وآخر، إذ تتدخل في تلك التبدلات أمور تخص العقائد والتحريم والرفض والأنتقداد والتنكيل بمظاهر شكلية ومضمونية للفنون، ومن الناحية التاريخية يتزامن وجود الإبصار والتبصير والرؤى للفن مع البدايات الأولى للفن والصناعة، حيث نشأ مع المراحل الأولى للصناعات البسيطة لغرض المنفعة، كصناعة العصا، وتحوير الحجر بالحفر والتجريف لغرض سهولة الإمساك به، وكذلك تحسين شكله التصميمي الهندسي، لقد كانت هذه البدايات هي اللبنات الأولى لتأسيس الصناعة وتذوق الفنون، من ذلك نستنتج إن ألفن إقترن مع المهارة اليدوية. حيث جاء الجذر اللغوي الخاص بكلمة فن Art في الإنكليزية، وفي العديد من اللغات الأوربية من الجذر اللاتيني Ars الذي يعني المهارة. وقد كان العرب يستعملون كلمة ( الصناعة ) للإشارة إلى ألفن عموما، كما يظهر من تسمية أبي هلال العسكري لكتابه (كتاب الصناعتين ).

تعريف الفن:
يعتبر الفن النِتاج الإبداعي الإنساني حيث يعتبر لوناً من ألوان الثقافة الإنسانية، وتعبير عن التعبيرات الذاتية وليس تعبيراً عن حاجة الإنسان لمتطلّبات حياته، أذ يشكل فيه المواد لتُعبّر عن فكره أو يُترجم أحاسيسه أو ما يراه من صور وأشكال يُجَسدها في أعماله، رغم أنّ بعض العلماء يعتبرونه ضرورة حياتية للإنسان كالماء والطعام. هناك ما يسمّى بالفنون المادية كالرسم، والنحت، والعمارة، والتصميم الداخلي، والتصوير، والزخرفة، وصنع الفخار، والنسيج، والطبخ، والفنون غير المادية التي نجدها في الموسيقى، والرقص، والدراما، والكتابة للقصص والروايات. تستخدم كلمة فن وفي الوقت الحالي لتدلّ على أعمال إبداعية تخضع للحاسة العامة كفن الموسيقى، أو الغناء، أو الكتابة، أو التأليف، والتلحين، وهذا تعبير عن الموهبة الإبداعية في العديد من المهارات والبشر بدأوا في ممارسة الفنون منذ 30 ألف سنة، وكان الرسم يتكون من أشكال الحيوانات وعلامات تجريدية رمزية فوق جدران الكهوف، وتعتبر هذه الأعمال من فن العصر الباليوثي، ومنذ آلاف السنين كان البشر يتحلّون بالزينة والمجوهرات والأصباغ. كانت هويّة الإنسان في معظم المجتمعات القديمة الكبرى تعرف من خلال الأشكال الفنية التعبيرية التي تدلّ عليه، كما في نماذج ملابسه وطرزها وزخرفة الجسم وتزيينه وعادات الرقص، أو من الاحتفالية، أو الرمزية الجماعية الإشاراتية التي كانت تتمثّل في التوتم (مادة) الذي يدلّ على قبيلته أو عشيرته، وكان التوتم يزخرف بالنقش ليروي قصة أسلافه أو تاريخهم، وفي المجتمعات الصغيرة كانت الفنون تعبر عن حياتها أو ثقافتها. كان الاحتفال والرقص يعبّر عن سير أجدادهم وأساطيرهم حول الخلق أو مواعظ ودروس تثقيفية، وكثير من الشعوب كانت تتّخذ من الفن وسيلة لنيل العون من العالم الروحاني في حياتهم، وفي المجتمعات الكبرى كان الحكام بستأجرون الفنانين للقيام باعمال تخدم بناءهم السياسي، كما كان في بلاد الإنكا حيث كانت الطبقة الراقية تقبل علي الملابس والمجوهرات والمشغولات المعدنية الخاصة بزينتهم إبّان القرنين 15م و16 م، لتدلّ على وضعهم الاجتماعي، بينما كانت الطبقة الدنيا تلبس الملابس الخشنة والرثة، وحالياً نجد أنّ الفنون تتبع في المجتمعات الكبرى لغرض تجاري، أو سياسي، أو ديني، أو تجاري، وتخضع للحماية الفكرية.

تعريفات أخرى، تعريف هوبرت ريد للفن: إبداع الاشكال وأنماط جديدة. تعريف المعجم الجامع: جملةُ الوسائل التي يستعملها الإِنسان لإِثارة المشاعر والعواطف وبخاصة عاطفة الجمال. التعريف الشامل: هو أبداع وإبتكار انماط وأشكال جديدة يعبر من خلاله الانسان الفنان عن نفسه ومشاعره وعن مواقف تجاه الكون الذى يعيش فيه وهو وليد الانفعال السابق والحس المرهف والذكاء الإيجابي. ملخّص الفن هو لون من الوان الثقافة الإنسانية حيث إنّ الفن هو نتاج بعض الابداع الذي يكون مصدره الإنسان، كما أنّ الفن يعتبر أداة تعبيرية لدى الإنسان بالأمور الذاتية الخاصة به، ولا يكون تعبيراً عن بعض متطلبات الإنسان في حياته الاعتيادية، كما أنّ معظم الأشخاص يقيمون الفن على أنّه ضروري جداً في الحياة، مثل: ضرورة الماء، والطعام للإنسان أي أنّها مهمّة جدة لحياة الانسان، كما أنّ هناك عدة انواع للفنون فمنها ما يطلق عليه بالفنون المادية ومنها ما يطلق عليها الفنون غير المادية، فالفنون المادية هي الفنون التي تكون، مثل النحت بالإضافة إلى الزخرفة وصنع الفخار .. إلخ، أمّا الفنون غير المادية هي مثل الموسيقى والرقص وغيرها.

لقد أشار الناقد البريطاني المعروف (هربيرت ريد) في كتابه “معنى الفن” (ترتبط كلمة “الفن” في أبسط مدلولاتها بتلك الفنون التي نميزها بأنها فنون “تشكيلية” أو “مرئية” على أننا أذ توخينا الدقة في التعبير فلابد أن ندخل في نطاقها فنون الأدب والموسيقى. وهناك خصائص معينة مشتركة بين كل الفنون برغم أننا لم نهتم في هذه الملاحظات الا بالفنون التشكيلية فأن قيامنا بوضع تحديد لما هو مشترك بين كل الفنون سيكون نقطة لأنطلاق مناقشتنا) (هربرت ريد،ص9، 1998).

في حين كان شوبنهاور هو أول من قال بأن كل الفنون تطمح الى أن تكون مثل الموسيقى، وقد تكررت هذه الملاحظة على الدوام وكانت سبباً في قدر كبير من سوء الفهم، بيد أنها مع ذلك كانت تعبر عن حقيقة هامة. فقد كان شوبنهاور يفكر” ربما لأنها هي الأقدم تاريخياً في المميزات المجردة للموسيقى، ففي الموسيقى، وفيها وحدها تقريباً، يمكن للفنان أن يخاطب جمهوره مباشرة، بدون تدخل وسيلة للأتصال تستخدم بشكل عام في أغراض أخرى. ومن قبيل ذلك أن المهندس المعماري لابد أن يعبر عن نفسه في المباني ذات الأغراض النفعية الأخرى وكذلك لابد للشاعر أن يستخدم الكلمات التي تدور وتتداول في الأحاديث اليومية المتبادلة بين الناس. ويعبر الرسام عن نفسه عادة بأعادة تمثيل العالم المرئي وليس هناك الا مؤلف الموسيقى الذي يكون عن حراً تماماً في خلق عمل من أعمال الفن نابع من وعيه الخاص.

ونحن نرى أن هنالك عوامل مشتركة بين الفنانين مهما تعددت وسائل المرجعيات من البيئة او من هاجس المشاعر الكامنة في الذات، تنبع من الطبيعة أو الوجدان..يعبر عنها بآلات سمعية تحاكي أنغام تموجات الطبيعة وأصواتها المتعددة وأنغام تغريدات الطيور والكائنات الأخرى المتعددة. أما التشكيل فهو لغة مجسدة بأبعادها الثلاثية والمدورة والغائرة والناتئة، تحاكي أنغام النطق الموسيقى في توازناتها وأيقاعاتها المتعددة. ولذلك فأن الأنسان المتذوق والفنان المنتج يستجيبون لكل الأشياء القائمة أمام حواسهم التي تستجيب الى الى سطح الأشكال وكتلها بالتناسق والمتعة والأستجابة لمصادرها المرئية والسمعية.

مفهوم الفن:
من خلال ذلك الإستنتاج تأكد لنا بأن الفنون رافقت مسيرة الإنسانية، وتطورت بتطورها، وتأثرت بها، لدرجة أنّها أصبحت تستخدم للإستدلال على مكنونات الشعوب النفسيّة، وذلك لأنّها من أهم الوسائل التي يستطيع الإنسان التّعبير بها عن ما يجول في نفسه من أفكار ومشاعر، ونلاحظ هنا أنّ الفنون بأنواعها قد تستخدم للتعبير عن الأفكار وهي نفسها أيضاً قد تعبّر عن المشاعر. إذاً ببساطة لا يمكن الإستغناء عن الفنون بأي شكل من الأشكال، إنّها تجسيد الجمال، ومن يستطيع العيش بدونها فلا بد من الحذر منه. لا يقتصر الفن على نوع واحد فقط، بل يتعدّاه إلى محيط من الأنواع؛ فالموسيقى فن، والرّسم، والأفلام، والتمثيل والكلام والادب والخط كلها فنون، وكل إبداع يجسد فكرة أو إحساساً هو فن. قد يكون ألفن فرديّاً كالرسم وقد يكون جماعياً كصناعة الأفلام وقد يكون فردياً وجماعياً كالموسيقى.

ولنقترب أكثر من الفن الجماعي…إنّ الفن بشكله الجماعي هو بمثابة إعلان عام عن حالة عامّة، فمثلاً يتحد الموسيقيون معاً لتشكيل أوركسترا، لكل واحد دوره الفردي المختلف عن دور زميله الآخر، ولكنّهم معاً يحاولون إيصال فكرة واحدة، وهم بالقطع يحملون في لحظات العزف على الأقل مشاعر واحدة. الفن الناجح هو الفن غير التقليدي، الذي يبدعه فنان يمتلك أفكاراً غير تقليدية، ويسبح في بحر من المشاعر اللانهائية. فما كانت سيمفونية بيتهوفن التاسعة لتنجح لولا أنّها كانت غير تقليدية في أداءها وغير تقليدية في ما تنقله من مشاعر للمستمع، وأيضاً ما كانت لوحة الموناليزا الشهيرة لولا هذه التناقضات التي تحملها في طياتها فهي لوحة الرجل والأنثى، التي تحمل الحزن والسعادة. السينما أو الفن السابع كما سماها ريتشيتوكانودو الناقد الفرنسي، هي من أروع الأمثلة على فنون العصر الحديث، وقد سمّيت بذلك لأنّها جاءت لتكمل الفنون الستة الموسيقى والعمارة والشعر والنحت والرسم والرقص، إنّها خلاصة الفنون، تضمهم جميعاً، وهي الجمال الذي طمح إليه الإنسان، الجمال الحركي المقترن بالموسيقى أو الشعر ذو الخلفية العمرانية أو الراقصة أو المرسومة، حيث تدمج هذه العناصر بتقنيات مبهرة.

ما يحدث في العصر الحديث من انحدار نوعي لجميع أنواع الفنون بلا استثناء، ما هو إلا نتيجة انحدار الحالة النفسية الإنسانية في ظل غياب واضح للروح والجمال، وطغيان المادّة على هذه الحياة. فقد أصبح أي ضرب على أيّة آلة موسيقيّة لحناً موسيقيّاً، وأيّة كلمتين توضعان معاً شعراً، وأيّة قصة فيلماً، وأيّة هزّة رقصاً، وأيّة خربشة لوحة. السيطرة الرأسمالية على الفنون، جرّدتها من مضمونها ومن أهدافها، وحوّلتها إلى آلة لطباعة النقود، كما أدّت إلى انحدار الذائقة العامّة. الفنون لا يجب أن تكون إلا شعبية، من المجتمع وللمجتمع، لا أن تكون وسيلة دمار كارثية كما يحصل الآن .

لا تعليقات

اترك رد