الكرنفال السنوي


 

عند عودتي إلى القرية في موسم الحصاد لم أشاهد ما يدل على أن هناك موسم حصاد، مقارنة مع ما كُنْا نشهده فيما مضى من كرنفال سنوي لأهالي القرى وهم يجمعون محصول السنابل مؤونة عامًا كاملاً، ويخزنون عيدان القصب للمواشي إلى أيام القحط والجفاف ، وكيف كُنْا نحن الفتيان ننتظر هذا الموسم بشغف، لما تجد فيه أهوائنا من متنفس ومرتع .. كانت تلك الحقبة الزمنية من حياة الناس في الأرياف تختلف، من حيث الاعتماد الكامل على محصول الأرض، والتفاني في استصلاحها..

عند الصباح يذهب كل فلاح مع أبنائه إلى الحقل . وتتخلف النساء في البيوت لتجهيز وجبة الغداء.. يعمل الرجال منذ الفجر في جمع المحصول وتلحق عند المساء بهم النساء جالبات قطعان المواشي للرعي..

تبعث الهمة والنشاط أغاني الحصّادين الشجية في الحقول..الرجال في المقدمة والنساء في الخلف لجمع القصب وترتيبه مع الصبايا المرتديات أجمل الزينة ..لم تأتِ ظاهرة ارتداء النقاب والعباءة إلا من عهد قريب ..

كان موسم الحصاد بالنسبة للصبايا والفتيان، موسم تعارف وتلاقٍ. وأنا واحد منهم ، أتمنى أن يطول الموسم لننعم بأجواء حميمة تستهويها مشاعرنا المزدهرة من تلك المرحلة العمرية في مجتمع عفوي واصيل.. تتجمع عوائل الفلاحين من كل القرى ، فيشهد الموسم الكثير من الألفة.

لا يوجد ما يثير الريبة أو الحذر .كلٌ يساعد الآخر. وكأنّ الكل أسرة واحدة..وكنتُ لا أفوتُ الذهاب إلى المتعة وسط تلك المظاهر . الكل في فرح واستبشار.

يُحمل المحصول الوافر على ظهورِ الدّواب إلى المنازل، أسراب تذهب وأسراب تأتي .
النساء والصبايا والرجال والفتيان يرددون بحماس أهازيج الموسم : “اليوم والله واليوم دائم.. قاصربوا الدخن والذرة قائم”
و كيف كنتُ أعمد مع أترابي لمساعدة الآخرين ، وكيف كانوا يتقبلون مساعدتنا بود ورحابة مدركة لنوايانا النقية؟

وكلما أسترجعت ذكرى الموسم تذكرت ذلك الصديق وكيف عدّنا به مرتجفاً من الحقل ، بعدما أصر على ترك المنزل والمجيئ معنا وهو مصاب بداء الملاريا، المنتشر وباؤها في ذاك الفصل .مواقف وقصص تملأ أرشيف الذاكرة ..كلما وقفنا على أطلال أماكنها أستعدناها للتعلل..

ها هي حقول الأمس خالية من ذلك الكرنفال بعدما تغيرت عادات أهلها وتبدلت فطرتهم، وأصبحوا يعتمدون على العُمال في جمع المحصول ويركنون في حمله إلى وسائل النقل الحديثة. والنساء لا يغادرنَ المنازل إلا متلفعات بالسواد..

لم تعد القرية قرية الأمس، ولا الناس ناس زمان.. يأتي الموسم ويذهب، فتثار لدينا مشاعر الافتقاد لعادات ومظاهر جميلة اضمحلّت

لا تعليقات

اترك رد