الأنا والنيران والطوفان


 

في إحدى ليالي العام 1696م، أوى الخباز البريطاني “جوفينز ” إلى فراشه، ناسيا إطفاء شعلة صغيرة في بطن فرن مخبزه ، فامتدت جذوة الشعلة إلى منزل الخباز ثم منازل جيرانه فالحارات المجاورة ، حتى احترق نصف لندن ومات الآلاف من سكانها ، فيما يعرف تاريخيا “بالحريق الكبير” ، أما “جوفينز” نفسه فكم كان سعيدا لأنه سليم معافى ، وكأن لسان حاله يقول : فليحترق الوطن والشعب ، وأبقى أنا .

إنه موقف دال على فرحة “جوفينز” الغامرة لنجاته ، أمام ألسنة النيران الممتدة لتلتهم مدينة لندن في القرن السابع عشر ، حيث البيوت خشبية، والناس بسطاء، إلا أن الحادث يشير في طياته إلى توحش الذات الفردية ، التي لا يعنيها إلا النجاة بنفسها ، وفقا للمثل الدارج ” أنا ، ومن بعدي ، الطوفان ” ، والتي يعبر عنها الشخص النرجسي دائما بقوله ” وأنا مالي ” .

*****
إن أشد ما نخشاه أن تتفشى في مجتمعاتنا العربية المسلمة تلك الآفة ، بتقوقع كل إنسان في ذاته ، أو لدى أسرته المحدودة فقط ، ولا يرنو إلى جماعته ولا وطنه ، ولا أمته ، فالأولوية عنده الفوز والتنعم . وهذه من سمات المجتمعات المتأخرة حضاريا، والتي ينخر فيها الفساد، ويصبح هدف الفرد وغايته إشباع نهمه وملذاته ؛ بسرقة المال العام، و الاحتيال والنصب ، أو التهرب من العمل والمسؤولية .

وكي تكون الصورة جلية ، نستحضر مشهد اليابانيين ، عندما ضرب زلزال بلادهم توهوكو في 11 مارس 2011م ، ونجم عنه موجات تسونامي في المحيط الهادي، والحصيلة أكثر من ألف قتيل ومفقود ، وتدمير مطار سنداي الدولي، وتسجيل أعلى نسبة من الخسائر في الممتلكات ، وتحطيم البنية التحتية وكثير من المحطات النفطية و النووية ، ويعد هذا الزلزال الأعنف في تاريخ اليابان منذ بدء توثيق سجلات الزلازل قبل 140 عاما .

ماذا كان موقف الشعب ؟ لقد اصطفوا في طوابير طويلة لشراء حاجياتهم، ومع ذلك كان كل فرد يشتري ما يحتاج إليه فقط له أو لأسرته ، مفسحا المجال لحصول غيره . ولعلنا نعرف بهذا سبب تقدم الشعب الياباني، ونهضته سريعا بعد الحرب العالمية الثانية ( 1939- 1945م ) ، حيث أحيوا مشاعر الإيثار الجماعي ، وإعلاء شأن الأمة وامجتمع على الفردية ، على الرغم من خروج بلادهم من الحرب مدمرة تماما ، ومقتول منها ملايين الناس ، وكانت الدولة الوحيدة التي ذاقت القنبلة النووية، في مدينتي هيروشيما وناجازاكي ، وما نتج عنها من إشعاعات ليومنا الحالي .

*****
يذكرنا هذا بحديث الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) : (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم ” ( متفق عليه ) .

يمتدح الرسول خصلة الإيثار، متخذا من سلوك قبيلة الأشعريين نموذجا، حينما يقل الطعام عندهم ، فيجتمعون ويخرجون ما ادخروه ، ثم يعيدون قسمته بالسوية عليهم ، ذلك أن النفوس وقت الضنك تظهر كوامنها من الشح، والإمساك، والتقتير، وما إلى ذلك من الأثرة، أما إذا توافر الخير فلا معنى للإيثار.

*****
في أحد الأفلام البريطانية القديمة ، نجا مجموعة من ركاب طائرة ، سقطت على جزيرة مهجورة، ليواجهوا قردة شرسة ، ولأن الطعام قليل ، فقد تصارعوا من أجل السيطرة عليه في النخيل والأشجار، وتصدر لذلك شخص منهم هو الأكثر قوة، وقد أراد الطعام له أولا ، ومن ثم راح يذل رفاقه للحصول عليه، ودخل في معارك معهم، حتى أنه قتل أحدهم ليخيف الباقين ، وتملكته لذة الغلبة والتسلط .

أما البقية ، فقد آثروا النأي عنه في أحد الكهوف، ليظل هو واقفا جانب أشجاره، حتى سمع الجميع أزيز الطائرة العمودية التي هبطت على الجزيرة لتنقذهم ، فسارعوا لركوبها ، أما هو فقد خشي العودة معهم ، والخضوع لمحاكمة لقتله أحد رفاقه، ففضل البقاء على الجزيرة ، حالما بالهروب بأي طريقة أخرى . وارتفعت الطائرة بعدما مكثت كثيرا في انتظاره . ومضت الأيام ، وتحول صاحبنا إلى ما يشبه المتوحشين، فراح يتجول عاري الجسد إلا من وريقات تستر عورته ، ويأكل من الأشجار ويشرب من النبع، ولكن القردة الشرسة لن تسمح له بالبقاء، لينازعها طعامها، فأحاطت به ذات مرة ، وهجم عليه أكبرهم،

إلا أن صاحبنا استطاع قتله بسكينه ، مستشعرا لذة القتل ثانية، ولم ينتبه إلى قبيلة القردة التي هجمت عليه منتقمة لمقتل زعيمها ، وانتهى به الحال فريسة بين أنيابها الحادة .

*****
وهو نفس ما حدث في نهاية فيلم ” البداية ” ( 1986م) ، والأحداث متشابهة مع الفيلم السابق ، وتنتهي بإقامة مملكة ” نبيه ” باشا ، أو ” نبيهاليا ” في الواحة الصحراوية ، وعندما تأتي الطائرة ، لنجدة الركاب ، يختبئ ” نبيه ” ويظل وحيدا في مملكته الموهومة . ولم تنفعه نباهته البادية في اسمه .

إنها الحكمة التي يغفلها الأنانيون، عندما تأخذهم لذة الامتلاك والاستحواذ، ولا يدركون أن هناك لذة ، لو أدركوها لنافسوا الناس عليها ، ألا وهي لذة البذل وإسعاد الآخرين، والجود بالموجود ، وسبحان الله ، نجدها أكثر عند البسطاء والفقراء .

*****
ويأبي ” جحا ” إلا أن يكون حاضرا في نقاشنا ، وهو الشخصية التي حملت مختلف أشكال الحكمة في الحياة ، السلبي والإيجابي منها . فهذا جحا وقد غادر قريته إلى المدينة ليبتاع منها بعض التجارة ، فقابله أحد أبناء قريته مسرعا في السوق، وأخبره أن هناك حريقا كبيرا في القرية ، فابتسم جحا ، وقال : ما دام بعيدا عن حارتنا، فلا أبالي . فهتف الرجل ، وقد أراد تخفيف وقع الخبر عليه : يا جحا ، الحريق في حارتكم ، فأسرعْ بالعودة . فقهقه جحا ، وقال : ما دام بعيدا عن بيتنا فلا أبالي. فصرخ به الرجل : إن الحريق في بيتكم يا جحا . ففر جحا هاربا ، إلى داخل المدينة وهو يقول : وأنا مالي ؟! فالحريق بعيد عني .

ربما يكون ” جحا ” مخترعا لشعار ” وأنا مالي ” هذا الشعار السحري، الذي يرفعه أهل الأنانية ، ويرون أنه السبيل للعيش الهانئ في الحياة ، ولكنه شعار مدمر لنفوسهم ، لأنه يجعلها في أحط مدارجها ، وأرذل مفاسدها .

*****
إن لفظة الأنا هي التعبير الأثير عند الطغاة ، والقرآن خير شاهد عليها ، فهذا قارون يقول : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78] ، أما فرعون فيختال مرددا: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24] ، ويتمادى النمروذ أكثر فيقول لإبراهيم عليه السلام : ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258] ، ويتحدى إبليس المولى سبحانه وتعالى بمقولته ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ [الأعراف: 12].

لا تعليقات

اترك رد