دور الحوكمة في مكافحة الفساد ج 2

 

ان الحوكمة في سريانها على مؤسسات الدولة و تحديد آلية تحصينها من الفساد الإداري أمر في غاية الأهمية بالنسبة لتحقيق اليات تطبيق الشفافية ، و توفير جميع المعلومات الدقيقة و الواضحة ، و عدم إخفائها و إظهارها بوقتها المناسب ، حتى لا يتولد الشك بالفساد الإداري لدى المؤسسات الرسمية و غير الرسمية و بالتالي تسود الضبابية في طبيعة التعاملات .
إن الافصاح عن البيانات المالية يؤدي دوره المحوري في العملية المتبعة في تحقيق المصلحة العامة ، اما في بعض الاحيان هناك الانحرافات الادارية و الوظيفية التي تصدر من الموظفين العموميين ، و التي تتعدد اشكالها مرة تصدر اثناء تأدية مهام عملهم و عدم احترام الوقت و استغلاله بمهام لا علاقة لها بالوظيفة ، و مرة اخرى امتناع عن اداء العمل والتراخي والتنصل من تحمل المسؤولية ، و افشاء اسرار و اعمال وظيفية هو مؤتمن على حفظها تسبب الضرر لسمعة المؤسسة الادارية للدولة امام الجهات الخارجية .
او قد يتخذ الفساد طابعاً دولياً من حيث انتشاره و يكون عابرا للحدود الخارجية للدولة ، كالتبادل التجاري و الكمركي و نظام اقتصاد السوق الحر ، او اعطاء اولوية لعقود تجارية فيها امتيازات مادية للمسؤولين في الدولة على حساب المال العام ، و قد يتخذ الفساد طابعاً اخراً يكون محلياً بين الموظفين و الأفراد المستثمرين المحليين و أصحاب المشاريع الصغيرة .
و قد ظهرت منظمات دولية متخصصة بقضايا الفساد منها منظمة الشفافية الدولية في برلين التي وضعت مؤشرًا دولياً لقياس الفساد –و تعده كل 5 سنوات – يسمى ( الرقم القياسي للشفافية الدولية ) يساعد المستثمرين الأجانب على معرفة مدى تفشي الفساد في الدول المختلفة ، إذ يمنح خبراء المنظمة كل دولة درجة تتراوح ( 1- 10 ) درجات ؛ بمعنى أن الدولة إذا حصلت على تقدير 10 درجات فهذا يعني أن هذه الدولة نظيفة تمامًا من عمليات الفساد ، أما الدولة التي تحصل على تقدير أقل من خمس درجات فهذا يعني أن جميع الأعمال و الصفقات في هذه الدولة خاضعة للفساد و الرشوة .
و بناء على استطلاع مؤشرات الفساد الذي أجرته المنظمة في عام 2003 م غطى هذا المؤشر 133دولة ، حصلت 70 منها أقل من خمس درجات ، و جاءت الدول النامية في المراكز الأخيرة ، فعدّت أكثر الدول فسادا ، أما على مستوى الدول العربية ، احتل العراق مواقع متقدمة في تقارير المنظمة السنوية من بين اكثر دول العالم فسادا ، منذ التغيير في عام 2003 م ، حيث يتحرك موقعه صعودا و هبوطا بين الصومال و أفغانستان و هاييتي و ميانمار و غينيا و السودان ، هذه الدول التي تعد أكثر فسادا بين 182 دولة شملتها المقارنة ، و جاء موقع العراق عام 2011 م التاسع يليه السودان و تركمانستان و أوزبكستان ، و أفغانستان و ماينمار و كوريا الشمالية و الصومال في نهاية القائمة .
و حينما نخالف مواكبة الحوكمة سوف نكون امام زيادة في الفساد الاداري ، الذي بدوره يؤثر على حجم و قوة الدولة في النظم الإدارية و الإقتصادية في العالم ، التي تتبع اسلوب ممنهج بالجودة و التميز نحو الافضل ، لكنه محقق بسد الثغرات المتعلقة بشؤون الإدارة و قلة حجم الإستثمار ، الذي ينعكس سلباً على النهضة العمرانية و دخول رؤوس الاموال التي تساهم في توظيف الايدي العاملة الوطنية ، و المساهمة في عملية التنمية الوطنية .
اضافة الى تحقيق السمعة الدولية بالتعاملات مع الدول الخارجية كون ذلك يعزز التنظيم الإداري ، و السعي نحو انظمة و قرارات تساعد الادارة على ان يكون عملها يمتع بشفافية عالية ، و الوضوح التام لما يتخذ من قرارات ادارية منضبطة ، تمتاز بالمهنية بعيدة عن الروتين الاداري المعرقل لعملية التطوير و البناء المؤسساتي ، لأن ذلك يرسم صورة سلبية امام المؤسسات الإقليمية و المنظمات الدولية التي من اهتماماتها الشفافية و الرقابة على الاجهزة الادارية ، و مدى تطبيقها لأمور تتعلق بالمهنية و العمل الاداري الرصين المانع جوهره من الشبهات و الإشكالات القانونية ، و من الممكن ان تثار فيما لو انحرف عن الغاية و الهدف الاساسي من ذلك ، كما ان حجم القوانين الوضعية ، أصبحت لا تنسجم مع اعمال الإدارة ، و لا تساعد في تطوير ادائها نحو الافضل ، حيث كلما واكبت القوانين التدرج الزمني للعمل الإداري أصبح الأمر أكثر يسراً في تنفيذ الأعمال المناطة بالجهات و المؤسسات الرسمية .
يتضح مما ذكر ان الحوكمة تعد الإسلوب الفعال في كبح جماح الفساد الإداري فيما لو وضعت القوانين المناسبة ، و الواضحة مع أهمية تضمينها نصوص عقابية رادعة لكل من يسيء تطبيق القانون ، و يجتهد في مجال تخصصه الإداري ، و تشديد الرقابة الإدارية و القضائية من خلال متابعة و محاسبة من يسرف في صرف المال العام ، و حصر الاعمال الإدارية بطبقة عليا مختصة تحدد السياسات الإستراتيجية في مكافحة الفساد الإداري بما ينسجم مع تحقيق الشفافية و الجودة و الانضباط في الاداء تكون الغلبة فيها للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، كذلك فتح باب الاستثمار و جذب رؤوس الاموال و خلق بيئة استثمارية رصينة بتوفير التسهيلات القانونية والادارية اللازمة والخطط المرنة. و خضوع الاشخاص الذين يتولون المناصب العامة و الموظفين للدورات التطويرية في الكشف عن أساليب حالات الفساد الإداري .

المقال السابقالعراق والذمة والضمير في العمل
المقال التالىدائرة ” الصفر ” البغدادية !
سجاد طعمه بيرقدار ، كاتب عراقي ، ولد في محافظة ذي قار ، قضاء الرفاعي في العام 1990 م .حاصل على شهادة البكالوريوس في المحاسبة من كلية الادارة و الاقتصاد ، الجامعة المستنصرية . نشرت له العديد من المقالات و الدراسات في السياسة و الاقتصاد في صحف محلية و دولية عديدة .صدر له كتاب " جندي الشمس " عن دار اش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد