زمن منتهي الصّلوحية: من يوميات مدرّس

 

“نتمنّى غدا صالحا للإقامة” محمود درويش
اَه يا وطن الفقراء تكلّم. أنت في زمن مستعمل مكرّر معقّم…

رعب ما هناك يلفّ مهزلة الحياة…الحياة التي نريد أن نعيشها ونقتات منها في تفاصيل الحياة اليوميّة…مدرّس يحمل محفظة نظيفة، عفيفة، شريفة ويخوض صراعا ضدّ الشعبوّية والبيروقراطية والحوارات البيزنطيّة…يدمن الجلوس في المقاهي لاجترار الجهل والجهلوت وخدمة بيوت السادة والكهنوت وإدمان الملل والتغافل عن العمل…

يخرج صباحا تزدحم في ذهنه مداخل شتّي لدرسه اليوم. ويحرص أن يتكرّر ويتنمّط أو يضيع في زحمة التّفاصيل اليوميّة…وما في جيبه سوى ثمن قهوته الصّباحيّة وفطور من أكلة سريعة…يتوقّف أمام بائع كتب قديمة وموازية. يشتريها البعض لتكريس الأميّة والغداء والوجبات الدّراسيّة الجاهزة…وحديث الجودة والتّجويد والعضّ على الحديد. أنت لا تعيش زمنكـ لأنّه ناقص يأخذ من صحّتكـ ونصيبكـ وجيبكـ وطبيبكـ.

في زمان اِنتقى فيه الزّمان و مكان لم ينتف فيه المكان، يردّكـ الوقت إلى زمن مكرّر مستعمل لا يحمل جديدا غير”…أركض، أصمت، قف، تكلّم، أخرج، تعلّم…”

زمن يطعنك في اللّحم والعظم و يُريدونكَـ لقطعة سكّر تذوب في الفم… قاعات تركت فيها نثار عرقى… تزيّنها لوحات “العلم نور” “كاد المعلّم أن يكون رسولا” و تجول في خاطركـ أسئلة كثيرة فتتأمّل حولك،، فإذا السّاقط و الوغد و المرتشى و الجاهل…ينعمون بالثّراء و يتسلّقون الحظوة و الثّراء…و يسأل نفسه ما فائدة ما أعلّمه لهؤلاء الصّغار؟ أعلّمهم الرّجولة في زمن الخنوثة و أعلّمهم الطّيبة في زمن العجيبة…أعلّمهم الصّدق و كلمة الحق تؤدّي اليوم إلى كسر الظّهر…أعلّمهم الشّجاعة و الخوف منتشر في كلّ شيء: خوف من الموت و المرض و خوف من ظلم ذوي السلطان… ومن الشّيخوخة المبْكرة و الفقر و العجز…كيف يمكنكـ أن تفهم هذا القبح المنتشر بكثرة في شوارعنا و إدارتنا و مؤسّساتنا؟.

كيف يمكننا أن نبرّر بكوننا أمّة قد تحوّلت إلى ظاهرة صمتيّة صنميّة، كيف يمكن أن نفهم أنّ وطنا قد تحوّل إلى تجمّع عشائريّ عائليّ تحكمه مجموعة من اللّصوص الذّين سرقوا منه أحلامه وسممّوه بأحلام الوجع…تعبت يا وطني من لوني و من حرنى و ظلّي و من الماء في عيني…و من الكفوف العاهرة تنظر بعين ساخرة و تسعى لتفقدكـ جاهدة الذاكرة، كي تموت تحت عجلات القطار أو في السّفرات أو في الفيضانات أو بسقوط جدار…فلا أحد سينتبه لموتك لأنّك لست مشهورا…

النّاس هنا عجينة من نظام قديم مهترئ، خلطوا صفاته بدناءته ،بماله، بفساده. هل لدينا القدرة على اِمتلاك الوقت و نحن نفتقده؟ نقضى خمس و ثلاثين سنة في التّعليم و ثلاث عشرة سنة في التّنقّل و نقضي تسع سنوات من أعمارنا أمام التّلفاز…هكذا بكلّ بساطة يمكننا الحصول على المزيد من المال حتّى بترويج الوهم و لكن لا يمكن الحصول على المزيد من الوقت أبدا.. فوقتنا محدود…ولكي ندرك قيمة سنة واحدة فقط يكفي أن نسأل تلميذا رسب في الامتحان، و حتّى ندرك قيمة دقيقة واحدة يكفي أن نسأل مسافرا فاته القطار أو الطائرة لأنّه وصل بعد الإقلاع بدقيقة واحدة…و لكي ندركـ أهميّة ثانية واحدة من الزّمن يكفي أن نسأل شخصا أفلت للتّو من حادث مفاجئ في لمح البصر. بعضنا لا يدركـ قيمة شخص إلّا حين يرحل عنّا مباغتا اللحظة…فهل يعلّمنا الوقت قيمة الحياة أو تعلّمنا الحياة حسن اِستخدام أوقاتنا؟…أنظر إلى صورتي و أنا مدرّس شابّ في الفصول، أنحت من العدم في قاعة زجاجها مكسّر أمام فراشات لا يملكون غير اِمتطاء أحلامهم المؤجّلة…و بالحبّ وحده نستمتع بأوقاتنا…

أخيرا يمينكـ لن تزرع شوكا لأنّ فيها بركة و عندما تتذكّر ما أنت عليه الاَن لا تملك إلّا جبال التّمنّي أنّ الله ينجّينا ممّا هواَت…لا تنسي زميلي و زملائي أنّ فأسكـ في يديكـ. إيّاكـ أن تنسى “يوميّة التّعس و التّعيس في باب المدرّس و التّدريس” …صباحكـ سكّر لأنّي أحبّك أكثر… أنت البداية و أنت النهاية و البداية يا سيّدي كانت بكلمة اِقرأ.

لا تعليقات

اترك رد