آهَاتُ ومَآسِي الْمُطلَّقاتِ في فيلْم ” كابينة تِليفُون “

 

رغم انتشار أقوال وحكم على منزلة المرأة ومكانتها في المجتمع والأسرة، ورغم أن الإسلام جاء ليجعلها تتمتع بكل حقوقها، فإنها في كثير من المجمعات العربية وغيرها ما تزال تعاني كثيرا ،فدَعْك من قولهم “المرأة نصف المجتمع “وأن “الجنة تحت أقدام الأمهات” وأن “المرأة أخت وعمة وأم وابنة وعمة وخالة الرجل” وأن ” المرأة نور المكان ومتعة الزمن”..,فتلك أقوال تكذبها عشرات بل مئات الأفعال في الواقع عبر ما تتعرض له المرأة من إهانات بصفة عامة والمطلقات بصفة أفضع وأقسى. فالمرأة فبل الزواج تبني صروحا ، وتنشئ أحلاما وردية تتمنى أن يتوج بها زواجها ، ليلي ذلك ما لا يخطر على بالها استعباد وتهميش وسخرية وتعذيب وأعمال شاقة مما يحول الصروح الوردية والعش الذهبي إلى إحباط وخراب وخِسَّةٍ .

من هذا المنطلق أنجز الفيلم ” كابينة التليفون ” ومدته خمسة وعشرون دقيقة، وهو من إخراج مايكل بيوح، ومن بطولة الفنانة حنان سليمان، وكمال سليمان، ومنير زخارى، ودعاء عريقات، ومن تأليف جوزيف فوزى ،أما مدير تصوير فهو زكى العارف، وإنتاج مركز الإبراهيمية للإعلام ، أما المنتج الفنى فهو يوسف .. وتدور أحداثه عن النساء المطلقات والنظرة الدونية للمجتمع إليها استنادا إلى تقاليد ضارة للرجل وللمرأة ، وتركزت الأحداث على مطلقة ركب كابينة تليفون تحت شباك منزلها لتعتاد الإصغاء إلى مشاكل زوجات مطلقات وغيرهن فاستأنس بذلك في مواجهة مشكلتها.

أحداث مفعمة بالمنغصات :
يبدأ الفيلم بحديث المرأة المطلقة مع نفسها قائلة ” الوقت بالنسبة لي ليس له معنى ، ليس الوقت فقط ولكن الحياة بعدها وخصوص بعدما ضاع كثير من سنين شبابي ضاعت بسبب المشاكل التي بيني وبين زوجي لم يكن إنسانا طبيعيا كان يعاملني بمنتهى الوحشية ، الحمد لله لقد تخلصت منه ،وانفصلت …تقطع حديثها وتأخذ أغراضها القديمة وتعطيها للبائع الجوال وقد سلمته إياه مجانا قائلا لها :كم تريدين؟ فردت عليه (أريد الستر فقط)، أغلقت نافذتها مرددة مع نفسها( الستر هو الذي

أطلبه من ربنا ، خاصة في مجتمعات تنظر إلى المرأة معتبرة إياها )…خرجت تنفض الغبار عن زربية وإذا بامرأة وزجها يصعدان الدرج مارين أمامها لتخاصم المرأة زوجها بعنف و تعاتبه (لما تنظر إليها؟ فهل أنت معجب بها ) ، وهو يقسم لها أن لا شيء بينه وبينها ..وترد عليه (العيب عليها هي لأنها تطلقت وليس هناك من يحكمها …) تعود المطلقة وتحدث نفسها (لذا أعيش خلف الابواب وحيدة طول الوقت ، كانت الساعة تمر أمامي وكأنها سنوات ليس هناك من يسال عني، آخر مرة جاء فيه خالي وتذكر الحوار الذي جرى بينهما ، والذي انتهى بغضب الخال لأنها لم ترد أن تتنازل عن محضر ضرب زوجها لها قائلا لها( عليك نسيان كلمة الطلاق فليس من عادتنا امرأة تطلق ألم تعلمي من أمك التي صبرت من شأنكم إلى غاية ) وتقاطعه لتتم الحديث بنفسها( إلى غاية أن ماتت بحسراتها)…وتواصل حديثها وحيدة(أنا تحملت اثني عشر عاما، ولا أحد يقدر ان يتحمل ما تحملته، يا ليتني تطلقت من أول يوم عرفت ذاك…) وتواصل حديثها بعد أن غادر خالها (أتمنى أن أعيش ما بقي من عمري بعيدا عن المنغصات أعيش بعيدة عن نظرات الناس ،وشماتتهم ،) تطفئ المصباح لتلوذ إلى فراشها وتنام لتستيقظ على شرشرة آلات وتفتح النافذة لتعاتب عامليْن يريدان تركيب كابينة تليفون تحت شباك بيتها وتعود لتقول مع نفسها(كل ما حلمت به ضاع) فهي منزعجة لا يعرف النوم إلا عينيها سبيلا تسمع ثم تألف مهاتفات النساء والرجال لبعضهم، فتنخرط في مشاكلهم وهم يتحدثون عن مشاكلهم والتي لها علاقة بالطلاق وتعنيف المرأة..وتتوالى مشاكل الناس وهي تصغي إليها حاملة هموم النساء…إلى أن ينَقَّل كابينة التليفون إلى مكان آخر، رغم رفضها ذلك مما جعلها تستعيض عنه بموبايلها مقابل سعر محدد ، فقط لأنها صارت مستأنسة بمشاكل النساء مع أزواجهن.

الفيلم مفعم بالمشاكل التي تعاني منها المطلقات ، وهي معاناة متشابهة يوحّد بينها الجور والظلم والاضطهاد لأسباب غير مبررة ، فليس من الرجال آباء أو أزواج أو أقارب يتفهمون مشاكلها ومآسيها الظاهرة التي لا تحتاج إلى حجج تعللها.

ولأن المطلقة تحتاج إلى من يعترف بما تعانيه ، ليناصرها فلا تجده ، فإن السيناريست ركز على حديث بطلة الفيلم مع نفسها وحيدة تجتر مقاساتها من قبل المجتمع برمته لنظرته الدونية إزاء المرأة بصفة عامة.

فنية تقديم الأحداث :
يبدو أن السيناريو متناسق المشاهد وفق حبكة مركبة بشكل خطي لا يثير كثيرا من الإرباك للمشاهد، ويمكن تلخيص ذلك في بداية تتعلق بحديث المرأة المطلقة مع نفسها تذكر همومها، وحوارها مع خالها الرافض لطلاقها رغم ظلم زوجها لها ، وتركيب كابينة التليفون تحت بالكونة بيتها واستقبالها لنسوة عانين مثلها لينتهي الفيلم بقلع الكابينة وفق شكاية لها بصددها ،ولأنها استأنست بالكابينة والاستماع إلى أقوال النساء الحاملة لمعاناتهن فإنها استعاضت عن الكابينة المنقول إلى جهة أخرى بتليفون موبايل لصالح من يريد الحديث بسعر زهيد.

بهذه الصيغة جاءت حبكة الفيلم منسوجة بأحداث متتالية رغم اعترائها بمنعطفات لجأ إليها السيناريست كي تبدو واقعية لدى للمشاهد. وهنا نشير إلى كون السيناريو قد كتب وفق نظرة فنية مقبولة ومستحسنة خاصة وأن الفيلم قصير يحتاج غلى تركيز وتبئير للأحداث وكل ما يصدر من الشخصيات بتوازن يفضي إلى توصيل المبتغى وهو ” الظلم الذي تعانيه المطلقات من النساء”.

وجاءت كل المشاهد تشي بهذا الظلم وقد انصب ذلك على شخصية البطلة التي شكلت الذات الممثلة والمتعاطفة مع مشاكل المطلقات وآهاتهن. وكلها أحداث متجانسة متعاضدة لتجسيد المأساة متجسدة في خطابات الرجال مع نسائهن عبر التليفون ،وفي النساء وهن يعانين من الفاقة والظلم محاصرات بين قوسي أزواجهن وأسرهن. أما الإخراج فقد جاء موفقا من حيث تركيزه على فضاء واحد لا يتجاوز منزل الضحية وتحت )بالكونتها( ، وهو فضاء مناسب للتعبير عن محاصرة الأرامل في المجتمعات العربية وغيرها، علاوة على زوايا الكاميرا التي تركز كثيرا على لقطات كبيرة ومتوسطة حين يتعلق الأمر ببطلة الفيلم بغية تصوير انفعالاتها المتنوعة ، ومعظم مشاهد الفيلم فاعلة متحركة في اتجاه تحقيق الهدف منها مما يجعل المتفرج يتعاطف مع الحدث منذ بدايته حتى النهاية ، وتبعا لذلك جاءت الكاميرا ثابتة أحيانا ومتحركة أحيانا ضمن مشاهد خارجية وأخرى داخلية. ورغم كون الموضوع مطروقا عبر مقالات وقصص وأفلام أخرى فقد جاء التعبير عنه في هذا الفيلم بصيغة لا تخلو من جمالية إبداعية أبعدته عن النمطية.

هامش :
بطاقة للفيلم :
ـ “كابينة تليفون” فيلم قصير ـ بطولة: حنان سليمان ـ فكرة :أسامة عيسي، جوزيف فوزي ـ سيناريو وحوار :جوزيف فوزي ـ ضيوف شرف :كمال سليمان ،جميل عزيز، منير زخاري ،باسم رؤوف ، حنان الحناوي ، دعاء عريقات، أسامة عيسي ـ مدير إدارة الإنتاج :مايكل إسحق ـ مدير إنتاج :سامح ظريف ـ موسيقى تصويرية: مايكل مجدي ـ مهندس ديكور : مينا ميلاد ـ مهندس صوت:أندرو داؤد ـ روبرت رفعت ،تامر نعيم ـ مخرج منفذ : محب وديع ـ مساعد مخرج: أندرو إسحق ـ مونتاج : إسحق راتب ـ مدير تصوير : ذكي عارف ـ منتج فني : يوسف منصور ـ إخراج :مايكل بيوح.

لا تعليقات

اترك رد