ادمن – دوكا

 

من المواضيع الادبية المهمة التي يكشف عنها البحث الحديث في مدونات حضارة بلاد الرافدين نوع من الحوار ما بين المتفاخرين او المتناظرين وهذا النوع من الادب يسمى ادب المناظره والمفاخرة وقد جاءت الينا جملة قطع ادبية في اللغتين السومرية والبابلية والمرجح كثيرا ان اصل هذا الضرب من الادب يرجع الى الادباء السومريين وحتى القطع التي كتبت باللغه البابليه لم تكن سوى محاكاة لاوصول سومريه قديمه وان المصطلح الذي وضع لمثل هذا النوع من الادب العبارة السومريه المركبة من كلمتين هي ادمن – دوكا … ، فالكلمة الاولى تعني (الرجل) وهي علامتان مسماريتان تكتبان الواحدة مقابل الاخرى ، والكلمة الثانيه هي دوكا تعني (الكلام ) بيكون المعنى العام حوار ما بين رجلين او ما بين اثنين او مناظره بين المتكلمين وقد ذهب الباحثون في تفسير منشأ هذا النوع من الادب الى ان مثل هذه المناظرات كانت تتلى مابين المتحاورين او المتفاخرين في اثناء الاحتفالات والأعياد في بلاطات الحكام والملوك ولعل الحاكم او الملك نفسه كان يمثل الاله الحكم الذي كان يحتكم اليه المتناظرون … وتتشابه الاساليب المتبعه في تأليف هذه المفاخرات في النصوص السومرية والبابلية فهي تبدأ بمقدمة اسطورية من اصل الموضوع المتنازع عليه ويقديم المتناظرين في بيان مكانه كل منهما وأهميته في نظام الكون والاشياء ثم موضوع المفاخرة بعرض اقوال كل من المتفاخرين وجواب احدهما للاخر أذ بين كل منهما فضائله ومنافع للناس مفندا اقوال منافسه ومعرضا نقائصه.

و تنتهي المناظره بذهاب المتخاصمين الى احد الاله للاحتكام اليه حيث يستمع الى ادعاء كل منهما ويصدر حكمه في صالح احدهما وهو حكم نهائي يتقبله المتناظرون عن طيب خاطر فتتم المصالحه ما بينهما وأعاده الصفاء اليهما.

لقد تنوعت مواضيع المتناظرين وماهيتها فقد تكون المفاخره ما بين معدنين او نوعين من الاشجار او الحيوانات او فصيلين من الفصول أو غلتين من الاغلال او ما بين الحرف و المهن وان ما اكتشف من القطعه الادبية باللغة السومرية و باللغه البابليه وصلت الينا ويصح ان نسميها قصص الحيوان التي قد يتضمن بعضها مناظره ام فاخره ومن هذه القطع:

اولا / القطع السومريه وتتضمن:
المناظره ما بين الصيف والشتاء
المناظره ما بين الراعي و الفلاح
المناظره ما بين الطير و السمك
المناظره ما بين الفأس و المحراث
المناظره ما بين الفضه و البرونز
المناظره ما بين الشجره و القصبة
المناظره ما بين الهة القمح و الماشيه

ثاني/ القطع البابليه :
المناظره ما بين النخله و شجره الاثل
المناظره ما بين الشعير والقمح
المناظره ما بين الثور و الحصان
المناظره ما بين النسر و الحيه
المناظره ما بين الكلب و الذئب

وهنا سنورد مثال عن هذه المناظرات المناظره ما بين الصيف و الشتاء

وهي قطعة ادبية سومريه عرفت بين الباحثين بعنوان اسطورة ايمش واينتن. وهي من اطولالمناظرات التي تم اكتشافها وخلاصتها ان الاله انليل (اله الهواء) قرر ان يؤسس الزراعه في البلاد فخلق لهذا الغرض اخوين هما الصيف (ايمش) والشتاء (اينتن) وعين لكل منهما اعماله واجباته فمن وظائف الشتاء مثلا ان يسبب ولأده الغنم والماعز والعجول ويكثر الالبان ويجلب الخضرة في الحقول والغلال الى اخره … ام الصيف فمن واجباته ان يملا المزارع بالغلا ويكدس البيادر و المخازن ويسهل تشييد المعابد و البيوت … وهكذا اضطلع كل من الاخوان بواجباته التي خصصها له الاله انليل ، فقصدا مدينة نفر يحمل كل منهما هدايا من نتاجه الى الاله العظيم(انليل ) ، وعندئذ دبت الغيره والتحاسد ما بينهما فصار ايمش يتجنب اينتن كأنه عدوه.. ولما نفذ صبر اخيه الشتاء بادله بالعداء و صاريفاخره ويعدد مميزاته عليه مثل قوله ((عندما يرتدي الملك (ابي – سن)وهو احد ملوك سلاله اور الثالثه حلته الاحتفالية وجبته الملكيه يقوم بشعائر الالهة و تعزف القيثارة في بيت الحياة الذي خلقه الاله انو فانا الذي يهيئ لهذه الاحتفالات الزبد و الدهن))

فيجيبه الصيف قائلا ((يا اخي الشتاء في زمانك تتجمع الغيوم الدكناء وتصطك اسنان الناس وهم في داخل منازلهم في المدن ولا يجرؤ احدهم ان يخرج الى الطريق حتى في منتصف النهار)) واخيرا يحتكم المتخاصمان الى الاله انليل و يعرض عليه كل منهما مزاياه ومنافع فيصدر انليل الحكم على الوجه الاتي:

يسيطر الشتاء على المياه التي تجلب الحياة الى الارض وهو فلاح الالهة الذي يقدس الغلال فيا بني الصيف كيف تقرن نفسك بأخيك الشتاء وهكذا يحكم انليل للشتاء و يتقبل المتناظران حكومته ويتصالحان ويتصافيان فيخضع الصيف للشتاء و يقدم له الهدايا.

لا تعليقات

اترك رد