رعشة الحب بلذة الحرية


 

للمبدعين حياتهم وعوالمهم الخاصة التي يصعب فهما على عامة الناس تماما كما هو الحال معهم عندما يسيرون في ركاب الشيطان . وشيطان المبدعين غير شيطان العامة لأنه الشخصية الثانية للمبدع التي تطلق تقدم البشرية وتنوعها وابتكاراتها . شيطان العامة بائس مبتذل أما شيطان المبدع فهو نبيل خال من الأخطاء والآثام وقد تستغربون لماذا أسميه نبيلا . أسمه نبيلا لأنني ما نظرت إلى وجه عبقري إلا وجدته يحملق في عيني متوجسا أما أنا فأرى فيه ملامح العبقرية تطل من سحنته ومقلتيه ولهاثها في شفتيه .
بالتأكيد سمعتم بيتهوفن وموزارت وشوبان . وقد شاهدتم لوحات مايكل أنجلو وغويار وربما قرأتم شيئا من أعمال تشارلز ديكنز أو أوسكار وايلد أو كافكا واستمتعتم بمسرحيات شكسبير ومارلو . وربما سايرتم جنون فريدرك نيتشه وهولديرن وكلايست أو مررتم على غرابة الحلاج وحكمة ابن المقفع وروعة المعلقات العشر . وربما قرأتم شيئا عن سلالة فاوست المجنونة الملعونة المقدسة في آن واحد . كلهم انحرفوا عن مسيرة القطيع ومدوا ألسنتهم ساخرين من الراعي والراعية واستمتعوا برعشة الحب ولذة الحرية . أعرفتم أي نوع من الشياطين صاحبوا؟ وأي نوع من الجنون أقدمه لكم ؟
ولست على يقين من أن الكثيرين اكتشفوا شيطان العبقرية ومضغوه ثم هضموه وفهموه فشيطان الشعر عبقر تسيل جمراته على ألسن الناس منذ آلاف السنين وحتى اليوم . هي جمرات الجمال السائلة التي تتحول وتتلون وفق هوى الشاعر وطموحاته . و شيطان العبقرية يختلف عن شيطان الدين في أنه لا يدفع ضحاياه في رحلة اللاوعي إلى التهلكة فقد كان يكتفي بأن يدفع عمر بن أبي ربيعة إلى غياهب الجب ويرمي ببشار بن برد أمام لسع سياط الجلاد . لقد كان شيطان الشعر ودودا لعوبا يختلف عن شيطان الدين والحضارة الحديثة .
لا أدري كيف أرسم لكم صورة هذا الشيطان فأنا لم أعرفه إلا من خلال كتابات المبدعين والعباقرة ونصوصهم . رأيتهم في تجاربهم يشربون من نبعه المسحور ويعبون من معينه ما يستطيعون بلا خوف ولا وجل ويلبون داءه ويسيرون في ركابه غير عابئين بالنتائج التالية . وربما لم يكن الدكتور فاوستوس الذي خلقة فاوست ومن بعده كريستوفر مارلو أول من استجاب لنداء الشيطان وعبّ من خمره حتى الثمالة من دون أن يرعوي أو يرتجف له جفن . وفي فاوست لغوتيه نجد الشيطان يقدم نفسه للعالم النحرير قائلا : ” أنا من تلك القوة التي نيتها أبدا نية سوء وصنعها أبدا صنع الخير . أطلق لنفسك العنان كما تشاء وأنا سأنيلك ما تريد . ” فيجيب فاوست قائلا : ” أريد أن أشرب بالكأس التي يشرب بها سائر الناس وأن أرقى إلى أسمى غاية ثم أهبط إلى لأعمق هوة …ولكن ويحك ما تطلبه لقاء ذلك؟ ”
فيجيب الشيطان ميفستوفيلس : ” روحك ” .
للأسف تتكرر حكاية الشيطان مع الناس في الكثير من المواقع الإدارية والسياسية والاقتصادية وكثيرون لم يصمدوا لإغراء هذا الداعي الآسر فانقادوا له في لحظة من اللحظات وباعوه أرواحهم وباعهم ما يرغبون وتمت الصفقة في صمت أشبه ما يكون بصمت الغابة قبل العاصفة .
والمبدعون والمفكرون وكبار رجال العلم يعرفون هذا الشيطان معرفة جيدة فيسمونه تارة ” الوحي ” وتارة أخرى ” القلق ” وثالثة ” الألم” ورابعة ” شيطان الشعر ” وخامسة ” القلب السامي المعذب ” وأحيانا يسمونه باسمه الحقيقي كما فعل فولتير وغوتيه وستيفان زيفايغ . المبدعون يتفقون على المأساة الإنسانية الداخلية الدامية والكفاح الدامي المغموس بالبطولة والرغبة المجنونة العارمة للاندماج باللانهائي المجهول والعدم وهذا تماما ما حدث لفاوست في نهايته الغريبة المرعبة . والمبدع هو القربان الذي يسير نحو حتفه كما حدث مع مدام كوري أو برومثيوس الذي سرق النار ليعطيها للبؤساء سكان الأرض ولتعاقبه الآلهة بنهش كبده للأبد .
وشيطان “فاوست” يمثل إلى حد ما مؤلفها الشاعر الألماني الكبير “غوته” ، وشيطان “الفردوس المفقود” يمثل الشاعر الإنجليزي ملتون ، وشيطان “العاصفة” يمثل شكسبير، فإذا ما كرهنا هذه الشياطين فكأننا نكره ناحية من عبقرية غوته وملتن وشكسبير ، لأنها انعكاسات – قلت أو كثرت – لشخصيات هؤلاء الأفذاذ الثلاثة.
وأهم هذه الشياطين وأبرزها هو بروميثيوس ، شيطان الآداب اليونانية الكلاسيكية ، وهو خير الشياطين وأطيبها. فهو ثائر على جوبتر رب الأرباب عند اليونان.
ولعل شكسبير بدوره تأثر بشخصية بروميثيوس هذه فصور لنا شخصية مماثلة أطلق عليها اسم “آرابيل”. وهي تظهر في مسرحية “العاصفة”.
ومن أشهر شياطين الأدب الغربي شيطان ملتن في الفردوسين ، المفقود والمستعاد . وقد أظهر الشاعر في الأول شخصية الشيطان بصورة تنال إعجاب القارئ بل وعطفه في بعض الأحيان، ولئن وجدنا هناك بعض ألفاظ التنديد وعبارات الانتقاص من قدره.
وإذا كان بعض المبدعين قد تمرد على هذه القوة وخنق جراحه وانتصر عليها بالإبداع نفسه مثل رافائيل وغوتيه وابسن وشكسبير إلا أن بعضهم وضع يده جهرا وعلانية بيد الشيطان ووقفوا عراة الصدر وحيدين أمام صقيع الأيام والعواصف ومن هؤلاء مايكل أنجلو وفريدريك نيتشة وكلايست وبيتهوفن ونوفالس و دوستوفسكي ورامبو وتولستوي .
ويهب الشيطان لمن يسير في ركابه أجمل إبداع صيغ بروح النشوة ولذتها . يجعلك الشيطان تركب سيارة فارهة في شوارع وزواريب ضيقة اسمها الرغبة التي تسبق النشوة . وتصبح الغريزة قائدة تشلها حمى تثب بك نحو المجهول تخرج عن المألوف وتعبر في توق متأجج للاتصال باللانهاية . وحدهم المغلوبون على أمرهم من المبدعين يجهلون ما هم عليه وما الطريق الذي يسلكونه يخرجون من اللانهاية ليدخلوا إلى اللانهاية . وهذا ما فعله نيرون بشهداء المسيحية الأولى وهذا ما فعلة مجنون ستيفان زيفايغ حيث يهب من غفلة كسله فيحمل خنجره والزبد ملء شدقيه ويركض كالسهم قدما أمام نفسه في طريق مستقيم لا يعرف إلى أين يسير .
وحده الإبداع الذي يقدموه للإنسانية هو الثمن الذي يتقاضونه لقاء حياتهم يلتمعون كالشهاب ثم يذوون في ظلمة الحياة في تحية وداع درامية للوجود . وتبلغ المأساة ذروتها عند ملاقاة مصيرهم فالضيف الرهيب الذي يسكنهم يبقى في المحطة لا يصل إلى وطنه إلا بسحق الجسد الذي يسكنه .
ومتى بلغ الشيطان مبلغه من معبوده هجره وتركه للّعْنة و ألوان العذاب . فإما المرض القاتل أو السل ( جبران خليل جبران وديفيد هربرت لورنس ) وإما الزهري الخبيث وقد تكون النهاية هي الجنون أو الانتحار وهنا تلتقي رعشة الحب بلذة الحرية .
ألستم معي في ذلك ؟

لا تعليقات

اترك رد