العلوم الإنسانية بين خرفنتها وعلمنتها وقيم التنوير

 

نافذة (03): التعليم وآفاق متغيراته

من بين مفردات لعبة التجهيل وإشاعة التخلف، تلك المفردات التي تمنع التعلُّم بدءاً من إشاشعة الأمية الأبجدية وليس انتهاءً بإشاعة الأمية (العقلية) بالإشارة إلى الثقافة والقيم المعرفية التي توجّه السلوك المدني للإنسان. ولكن، ينبغي الانتباه على حقيقة يفرضها طابع وجودنا اليوم في مجتمع إنساني لا يقبل العيش من دون معارف وعلوم، ينبغي أن يمتلكها العقل البشري مذ أطلق للعلم وجوده واثره في بنيته واشتغالاته قبل بضعة آلاف من السنوات…

المشكلة اليوم، تكمن في انقسام الجنس البشري بين رؤى وسلوكيات تضع بعضاً بمنطقة التحكُّم وآخر بمنطقة الاستغلال والتبعية. وهو الأمر الذي دفع لوجود تيار ظلامي يبرر لفرض سطوة طرف وآخر تنويري يبحث عن وسائل التحرر والانعتاق بمنطق العقل وتمكينه من أدوات اشتغال معرفية مضيئة في وجوده…

هنا، سنجد أنّ الأمور لا تقف عند حدود الانقسام بين الأمي أبجدياً والمتعلم أبجدياً وإنما بين من يرى العلوم بحدود التعريف الرياضي المجرد المفرَّغ من عمقه الفكري الفلسفي الذي يستثمر العلوم التطبيقية الصرفة وقوانينها بطريقة موضوعية عقلية سليمة تمتد باشتغالات العلم إلى حيث تلك العلوم (الإنسانية) النظرية من علم نفس، وتاريخ وعلوم اجتماعية وتربوية وأدبية جمالية فنية كالموسيقا والمسرح.. وهكذا تصير دراسة الظواهر البشرية في بعديها التاريخي والواقعي القائم فرصة أو موضوعا لاشتغال العلم في تقييم التجربة ودراسة الخبرات والمهارات والعلاقات بما يمكن الإنسان من معرفة ذاته ووجوده والعلاقة ببيئته الطبيعية سواء عبر أداة عقلية علمية بحتة أم أخرى (تعبيرية) أدخل بالجمالي الإبداعي ومحددات الفكر بين التعطيل والتفعيل..

إنَّ العلوم الإنسانية هنا أدخل في الفكر الفلسفي وقوانينه وأدوات النقد العلمي الموضوعي الذي يبقى بحاجة لرصد عمق تاريخي للتجربة ومعطيات الخبرة فيها وعمق الظاهرة القائمة بما فيها من أفعال، حيث وعي الحقيقة وما يحكمها وسلوك البشرية وعلاقتها بها…

إنَّ رصد الظواهر البشرية السايكوسوسيولوجية يخضع لمتطلبات ومحددات توظّف نُظماً بحثية تجريبية سواء نفسية أم فلسفية (أخلاقية بالمعنى الأشمل والأوسع للمصطلح) وهي بهذا تمتلك منهجية مخصوصة بمنطقها العلمي الذي يدعونا باستمرار للإصرار على تسميتها العلوم الإنسانية…

وتأسيساً على الاشتغال المنهجي في الوصول إلى ما يحكم الظواهر البشرية من محددات و قوانين عامة، قاد مفكرو العصر وفلاسفته خطى علمنة تلك الظواهر والوقوف بوجه خرفنتها والتفسيرات الروحية اللاهوتية الماورائية التي تكتفي بالسطحي مما في النصوص لتقطع طريق إِعمال العقل وفحصه الظاهرة وتاريخها وتحليله إياها بمنطق العقل العلمي..

هناك وجدنا بمجابهة التطور العقلي العلمي خطاباً لاهوتياً لرجال الدين المتحالفين مع سلطة الاستغلال والاستعباد؛ ووجدنا أضاليل الإيهام والمخادعة ومنطق الخرافة وما يؤكد بالضرورة ويفضح فكراً ظلامياً يستهدف إخضاع الإنسان وعلاقاته للعلاقات الاستغلالية التي تجعله عبداً يسهل استغلاله وتوجيهه بمنطق القطيع خانعاً لوصايا بائسة بلا مناقشة خطلها من بدائلها الصائبة، إنّ الأمور هنا تبقى قدرية مطلقة الحدوث في ظل تعطيل العقل وتشويه العلوم بإحلال علماء الخرفنة ودجلها محل علماء التنوير العقلي…

وعلى الرغم من أنّ المشكلة ليست مقصورة على (دجالي) التمثيل الحصري للقدري الإلهي، إذ تمتد إلى أولئك الذين يحصرون (العلمية) بالعلوم التطبيقية الفيزيائية ليُخرِجوا الإنسانيات وظواهرها من الدراسة التجريبية الوضعية المحسوسة، على الرغم من ذلك فإنّ حالة الحاجة لقوانين منطق الرياضيات والإحصاء والملاحظة وفلسفتها تعيدنا إلى ضرورة إدراج الإنساني والطبيعي في منهج البحث العلمي على أساس القوانين العامة لاشتغال العلم وتعريفه. وتصير دراسة: التاريخ، والسوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا، والقانون والاقتصاد علمية كما غيرها من العلوم وفرقها يكمن فقط في التخصص من دون عزلة وانفصام (مطلق) بل بوجود جسور وتفاعلات تربط بين العلوم المستقلة وتوحدها منهجياً باتجاه هدف معرفة الحقيقة وتسهيل حياة الإنسان وسيطرته على تفاصيل الظواهر التي تحكم علاقاته كافة…

لقد كان فلاسفة بواكير عصرنا على حق يوم أكدوا حقيقة الاشتغال المنهجي الذي شمل العلوم الإنسانية بفروض منطقه. ومذ الأسكلتلندي التنويري ديفد هيوم (1711-1776)، على سبيل المثال كانت تلك الطروحات تتعمق أكثر حيث صعود نجم (التنوير) بالاستناد إلى تمكين العلم ونهجه من العقل الحديث. وبصرف النظر عن بعض ما بقي من إرث (معرفي) بشان توزيع العلوم وتداخلها فإن أبرز إشكالية قد تحققت بفرض التنوير للعلم وقوانينه بمجالات عبر التطور والتحرر فيها عن تحرر البشرية من سطوة خزعبلات رجال الكهنوت الديني حلفاء السلطة السياسية وسدنة مفاسدها؛ سواء المفاسد التي تشير إلى النهب المادي وتوزيع الثروة غير العادل أم إلى المفاسد التي تشير إلى التخريب القيمي الأخلاقي بالمعنى الأشمل بما يخلق التيه الفكري الفلسفي ومن ثم يعطل العقل عن أي اقتراب من الجدل النقدي والبحث التجريبي…

إنّ مبدأ إثارة العقل الإنساني للاشتغال المعرفي التنويري تتطلب التنبّه على العلاقات التي تحكم النوعي بالكمي والوصفي بالتجريبي مما يمكنه أن يرصد موضوعيا من جهة وأن يتبنى الخبرات وما يتصل بقدرات العقل على إبداعه وخلقه في ضوء تمكينه من أدوات العقل العلمي بقوانينها العامة (منطقها) فضلا عن قوانينها التجريبية، الأمر الذي يلزم أن يتخلص من التعارض المفتعل المصطنع بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية…

وعلى سبيل المثال فإنّ الموسيقا تستفيد من دراسة الصوت فيزيائيا وبقوانين الكمية من جهة وهي بالضرورة مما لا يمكنه التخلي عن دراستها وصفياً نوعيا بما يعود على قراءتها بطريقة تقرأ التفاعل بين الموسيقا ومبدعها وتحدده بمتلقيها وقراءة الذائقة إلى جانب تنويعات محورية أخرى. إنّ دراسة تُعنى بالرصد (الموضوعي) الخارجي لا يمكنها في مجالات العلوم الإنسانية إلا أن تمرَّ بالتجربة الذاتية النفسية فيكون تبادل التأثير والتأثر بين الموضوعي والذاتي بدرجة نشبهها بولادة الدراما (المسرحية) من جمع خلَّاق للذاتي الغنائي بالموضوعي، وذلك مع تطور المجتمع البشري وفرضه مطلب التطور والتغيير في وسائل التعبير الأنجع والأنسب عن الوجود المعقد له بمرحلة ولادة دولة المدينة وانقساماتها وطابع الصراع فيها. بالمناسبة لا أشير هنا بالذاتي إلى الفردي واشتغالاته النفسية وإنما يشمل الأمر البعد السايكولوجي النفسي الجمعي أيضاً واثره فيما أضع الخارجي الحسي من جهة العلاقات السوسيولوجية في الموضوعي سواء منه العلاقات البشرية وارتباطها بعلاقات الإنتاج والبنى والتشكيلات الاقتصادية أم علاقات الوجود الجمعي بالمحيط الطبيعي الموضعي المباشر والكوني الكلي البعيد.

وبهذا الفهم وقوانينه فقط، يمكننا أن نتعامل مع الأدب والفن بوصفهما ظاهرة تعبيرية جد مركبة ومعقدة مثلما يمكن للظاهرة التعبيرية (الجمالية) أن تساعدنا على فهم العالم بقدراتها في إضافة الخبرة واستيعابها.

بخلاف ذلك تبقى النصوص والتعبيرات اللغوية التي تتبدى شكلاً بكونها جزءا من (علوم وظواهر إنسانية)، تبقى مجرد هلوسات تدور في فلك تعطيل العقل عن مقاربات فعل الإيجاب أي فعل البناء ووعي العالم واتخاذ قرار التفاعل الأكثر صواباً.. أقصد أن تعطيل العقل بمشاغلته بتلك الخرافات ومنطقها هي مجرد هلوسات ليست من الدين والاعتقاد وقدسيتهما عند الإنسان بشيء وليست مما يزكي رجل دين في اشتغاله بقدر ما يضعه حليفا لرجل السياسة الفاسد المستغِل..

وهذا هو معنى قصر التعليم على فلسفة أو منطق يلغي علمية (العلوم الإنسانية) كما يدجِّن العلوم التطبيقية بأغلفة التدين كما بأسلمة العلوم من قبيل رياضيات إسلامية وهندسة إسلامية وطب إسلامي واي توريط وخديعة بتوصيف يُسقط التدين المزيف على العلوم كافة.

إنّ المدرسة التي تضع مقررات التاريخ، الاقتصاد، علم النفس، علم الاجتماع والظواهر الأدبية الفنية أو الجمالية بعمومها بصيغة تنغلق على الذاتي وأقفاله أو منطق تهويماته الرفاغية التي تُنكر استقلاليته وتحظر عليه قدرة البحث والمنهجية في قراءة وجوده، إنما هي مدرسة تخدم مهمة سطوة العتمة والظلامية وقمع حرية الإرادة وإلحاقها بالعبودية ليس للمقدس ولكن لأدعياء النيابة عن المقدس والعمل وكلاء على الأرض ينهون ويأمرون بما يتلاءم وعلاقات الانقسام الاستغلالية التي تستعبد الإنسان الموجود على الأرض ليعمرها ويحيا حرا كريما فيها…

وهكذا فإنَّ عدَّ الظواهر البشرية ومنها التعبير الجمالي الأدبي والفني مجرد تعبير انفعالي يتحدد بالتجربة الذاتية الفردية، وتنتفي فيه قيم المنطق وقوانينه المنهجية العقلية، يعود إلى وهمين: أولهما تضيِّيق مصطلح (علم) وقصره على المعارف التطبيقية الصرفة بما يتأسس على إزدراء مسبَّق للفلسفة والعلوم الإنسانية، وهم يستندون في ذلك الموقف \الوهم إلى أولويات الأهمية الوظيفية المادية للعلوم بفرعيها، في حياة الإنسان حيث الأمر يقاس ماديا حسيا ويلغي الروحي القيمي بمعناه الصحي الصحيح. أما الوهم الآخر ففي حقيقته اعتماد وسائل دجل وتضليل بقصد وعمد تقوم على استغلال الوهم الأول، لما يؤدي إلى ذات النتيجة ألا وهي إدامة نظام استغلال لأخيه الإنسان…

إن العلوم كافة بفروعها، بحاجة للاشتغال الحر وألا توضع موضعاً تتعارض فيه ومثبّطات الاشتغال أو قمع الحرية البشرية وتعطيل العقل و\أو مشاغلته بالخرافة ومنطقها وأشكال التفسير الأسطوري والخطاب البياني لهذه اللغة الذي يوضع بتعارض تام مع الخطاب البرهاني.. وهكذا فإن أسَّ التنوير في العملية التعليمية يكمن في منهج يتمسك بمنطق العقل العلمي وقوانينه وفلسفته الحرة؛ بما لا يقبل تقييد الإرادة البشرية بغسقاطات مختلقة لمقاصد تتعارض ومبادئ المساواة والعدل والحرية.

إن إهمال المنهج المدرسي العلوم والأنشطة الإنسانية وإشاعة ثقافة الحجب والمنع والتعطيل والتسطيح والتحريم والتكفير والمشاغلة بالخرافة يُقصي العلم ويثير أرضية فرض منظومة قيمية تحيل البشر إلى قطعان مغانم للمستغلين. ويظل كل من الفرد والجماعة خانعين لما تم إيهامهما به من قدسية ومرجعية (رجل) لمجرد وصفه بأنه رجل دين ولمجرد ارتدائه جلبابا وعمامة فيما يعرف الناس أنه حتى (الأنبياء) لم يدّعوا أنهم من خارج وجودنا بل إنما هم بشر مثلنا.

أما اضطرار المدرسة لتدريس تلك المعارف والعلوم وتلبية وجودها بين مقررات مدرسة أو أخرى فإنما يأتي بتشويه المقررات تلك وصياغتها بما قلنا: إنّه يستجيب لمنطق الخرافة لا لمنطق العلم. كما مر معنا…

إن المقرر العلمي التطبيقي يتشوه ويصير حالة معلومات قاصرة فيما العلمي الإنساني يصير مشاغلة بالوهم والإيمان بالقدريات وإيقاف أسئلة العقل وحظر منطقه الإيجابي الأنجع. وبين اشتغال وظيفي لمخرجات تلك المدرسة والمتحقق منها سنجابه فشلا بكل نواحي وجودنا وكل ما يجري مجرد تمشية روتين (وظيفي) بالمعنى الأضيق للمفردة مع مرافقة جدية لمنطق الدجل والخرافة والادعاء والتظاهر افيماني الذي لا يقبله حتى منطق الدين مقابل سطوة منطق التدين الكاذب المزعوم..

ويخشى من يعالج هذه الإشكالية من الاصطدام بالأغلبية المدجنة المسيرة بملايين من البسطاء ممن يرى تجسّد الإله في كائن حي حيوان مثلا أو حتى أحجار ونباتات كما بطوطمية قديمة ومجرد التحسين نجده يطفو حيث وصايا الإله يطلقها نوابه ووكلائه الحصريين من هذا التدين او ذاك ومن هذا التمذهب او ذاك..

تلك هي مصيبة الخرافة عندما يحيلون العلوم الإنسانية إلى مجرد خطابات مشوشة مضللة تمهد لسطوة على العقل وإلغاء لعلميته وإخضاع بخنوع لا للجهل والتخلف وخرافاتهما وانتهى الأمر بل إلى الظالم الظلامي وظلامه وظلاميته.. وهناك تعلو أصوات الفقراء المغلوبين على أمرهم بلا علم يفسر لهم ظاهرة الاستغلال والاستعباد وبلا ما يكشف أدوات الانعتاق والتحرر..

لهذا فالتعليم ومنهجية اشتغاله سيظل ج\ليا بصراع حتى تنتصر الإرادة البشرية للعلوم الإنسانية بوقف جريمة خرفنتها وإطلاق مهمة علمنتها بما يلبي قيم التنوير لتسود حيث حرية الإنسان والحياة الكريمة وأنسنة وجوده..

Virusvrij. www.avg.com

لا تعليقات

اترك رد