أدلجة الأخلاق


 

مفهوم الأخلاق هو مفهوم قديم بدأ مع بداية وجود الإنسان وتفكيره بمجالي الصواب والخطأ وتأثير ذلك على نفسه وعلى المحيطين به. فالأخلاق فطرة بشرية اكتسبها الإنسان بالمخالطة والتجريب والتعلم، وهي مجموعة قيم ومبادئ شكلتها لاحقا القوانين والأعراف والدول كي يلتزم بها الفرد من أجل إرضاء ضميره أولا وأن يكون مواطنا صالحا في المجتمع الذي يعيش ثانيا. وتكمن قيمة الأخلاق، ليس فقط في قيمها ومبادئها، بل في كونها تساير وتوجه في كل مرحلة من مراحل التاريخ البشري، السلوك الفكري والعملي للإنسان والمجتمعات وفقا لدرجة الوعي والمعرفة والتطور العلمي والاقتصادي. إن الأخلاق من ناحية فلسفية تأخذ بيد الإنسان المضطرب والضائع لكي يسترد حاسته الخلقية ويدرك المعاني ويحس بالجمال. فمهمة الأخلاق الرئيسية هي إيقاظ الإحساس بالقيمة الإنسانية العليا لكي تنقاد النفس الي السمو الذاتي والمشاركة الفاعلة وإدراك الإنسان لنفسه بأنه كائن حر ذو اختيار مستقل يعلو فوق كل اكراه وفوق كل املاءات خارجية تفرض عليه النفاق والكذب والمراوغة.

لكن من أين تأتي الأزمات الأخلاقية؟..وكيف تتعايش وتتعاطى الشعوب، وخصوصا العربية بمسألة الأخلاق وأبعادها؟..وهل للأديان دورا مهما في الأخلاق وفلسفتها ومآلاتها؟..أم أن النزعة الأخلاقية هي نزعة مادية لا تعترف بالروحانيات والعبادات التى يدعي المؤمنين بها بأنها تدفعهم الي السمو الأخلاقي؟.. يقول لالاند اندريه في الموسوعة الفلسفية “علم الأخلاق ليس القواعد السلوكية المعتبرة بلا شرط، وإنما هي نظرية عقلية للخير والشر” ويمكن تعريف علم الأخلاق كما قدمه وليام ليلي في كتابه مقدمة في علم الأخلاق “بأنه العلم المعياري لسلوك الكائنات البشرية التى تحيا في المجتمعات وأنه العلم الذي يحكم على مثل هذا السلوك بالصواب أو الخطأ ، بالصلاح أو بالطلاح”. ورغم صعوبة قياس الأخلاق الصحيحة من الأخلاق الخاطئة، إلا ان معايير الحكم تختلف من مكان لآخر ومن دين لآخر ومن شعوب لأخرى. ومرد ذلك بأن الأخلاق عملية تطورية ذات بناء يصحح الأخطاء ويبني عليها ما استجد من معرفة. فالأخلاق نسبية وليست مطلقة، أي ليست جاهزة ومعدة مسبقا أو مكتوبة، فذلك يخالف عقل الإنسان المحتج وطبيعة الزمن وتقدم المعرفة والعلوم. بينما في كتاب التربية الأخلاقية ل إميل درو كايم يتحدث عن أمر آخر فيقول “إن القيم الأخلاقية بمختلف أنواعها وأشكالها سببها المجتمع وما سلوك الأفراد في حياتهم اليومية إلا إنعكاس للضمير الجمعي الذي يهيمن على كل فرد في المجتمع”. وهذا ما ينقلنا الي مجالنا العربي ومجتمعاتنا التى ينطبق عليها تماما قول درو كايم، وهذه المعضلة التى نواجهها قد جاءت من سببين رئيسيين أراهما الأقوى في تشكيل قيم الأخلاق لدى الغالبية من شعوبنا وهي:

* الأخلاق الدينية والقبلية.
* العقل الجمعي للمجتمع بما فيه العادات والتقاليد.

إن أي معيار تطلق عليه الناس أحكامها لابد أن يكون من حصيلة معرفية وثقافة مسيطرة. وهنا في مجتمعاتنا، يطلق الناس قيمهم وأحكامهم القاطعة استنادا الي معرفتهم الدينية التى تجزم بأن الأفعال كلها والسلوكيات جميعها يجب أن تنطلق وتحاكم وفق الشريعة الإسلامية التى تنظر للأخلاق بمنظور العصا والجزرة، أي أن الأخلاق لها حساب وعقاب، ترهيب وترغيب. وهذا ما جعل مثلا من الرق والعبودية والسبايا والجواري أمرا شرعيا وقابلا للتداول بعد أن أخذ الصفة الأخلاقية من التصرفات السلوكية الدينية للدولة الإسلامية. بينما يعتبر اليوم من أكثر الأمور رفضا واستهجانا، بل ولا يتم تنفيذ هذا النمط الأخلاقي لانه يخالف منطق الزمان والأخلاق الحديثة. إن الحسن والقبيح ليسا نتاج معرفة ميتافيزيقية، فالأطفال يولدون دون أن يكون لديهم شعور بالحسن والقبيح أو معرفة الخطأ والصواب، بل يتم تعليمهم وتثقيفهم بهذه القيم مجتمعيا من خلال الأسرة والمدرسة والمجتمع. فلا يوجد طفل شرير بل طفل تم تلقينه الشر ولا يوجد طفل يمارس الخير من تلقاء نفسه بل تم تعليمه ايضا منافع الخير.

وقد سيطر الفكر القبلي بالإضافة الي الديني على مجتمعاتنا وعقول الغالبية من الشعوب، وتتفاوت تلك السيطرة وتختلف باختلاف المناطق الجغرافية والتطور الاقتصادي. ففي مصر تعاني البنات الصغيرات من مسألة الإجبار على الختان التى يعتبرونها شرعية، بينما لا تنظر الكثير من الدول العربية والخليجية الي هذا الأمر. وكذلك الأمر ينطبق على الحجاب وتغطية الرأس وأنماط الضيافة وغيرها. وكذلك مسألة الوقوف مع ابن القبيلة أو الطائفة حتى ولو كان خاطئا أو مجرما، فهنا تذهب الأخلاق الي الجحيم ليتم نصرة الظالم على المظلوم بطريقة تخالف الضمير والقانون والأخلاق الحديثة.

ونأتي ايضا الي التناقض والإزدواجية في مفهوم الأخلاق في مجتمعاتنا العربية حيث نجد بشكل صارخ ان الغالبية ترفع شعارات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم النميمة وأداء العبادات واحترام الوقت والقانون الخ.. ولكن في السر نجد العكس تماما، فتلك الشعوب في الخفاء تمارس أخلاقها الطبيعية، يشربون الخمر ويمارسون العلاقات العاطفية ويعقدون الصفقات المشبوهة، بينما في واقعهم يقمعون بناتهم ويفرضون الحجاب ويطلقون الاشاعات وينتهكون خصوصية غيرهم، وغيرها الكثير من الأمور المخجلة التى تعبر عن أزمة في الأخلاق الإسلامية وعدم قدرتها على التأثير الايجابي على الفرد. فالأخلاق في مجتمعاتنا مؤدلجة تماما على نمط ديني قبلي وتتحدد من خلال الطقوس والشكليات الدينية التى يمارسها الفرد فقط. فالضمير الإسلامي لا يشعر بالذنب ولا يقوم بمحاسبة الذات اذا ما سرق أو غش أو نافق أو قتل ولكنه يأكل نفسه ويبكي ذنبا ويطلب المغفرة اذا ما فاتته الصلاة. وهو ما يضعنا أمام قمة الإنفصال بين العبادة والأخلاق في سلوك الفرد. فلا مانع أن يمارس الفرد كل الموبقات والمساوئ الأخلاقية طالما كان مسلما يؤدى فروضه وعباداته. إن الفرد في مجتمعاتنا العربية ينشأ خاضعا لجملة من المفاهيم والأخلاق والعادات ولكن نادرا ما يتساءل عن صلاحيتها وعقلانيتها وجذورها، بل بالعكس يمررها لأبنائه ولمجتمعه ويحرص على تقديسها وعدم المساس بها حتى نشأت أجيال لا تفكر ولا تسأل عن أسباب تخلفها ولا تهتم بواقعها. إن الضمير الأخلاقي لدى المواطن العربي منعدم تماما مقابل يقظة الضمير الجمعي الذي يستسهل الفساد والاستبداد والجهل لتنتقل تلك القيم براحة وطمأنينة الي الضمير الفردي الذي يتقبلها طالما أن المجتمع وثقافته يمررونها بسلام.

وهكذا، فقد ترى استاذا جامعيا يرمى القاذورات من نافذة سيارته أو أن أولاده يفعلون ذلك دون تعليمهم خطأ الفعل هذا. وقد ترى موظفا أو مسؤولا حكوميا يتحدث عن الأمانة والنزاهة والإخلاص في العمل ولكنه يغلق الباب أمام المراجعين أو يقوم بعمليات اختلاس أو يقبل الهدايا والرشاوي، كما قد ترى رجل دين أو إمام أو فقيه يلقي دروسا وخطبا دينية لا تحصى عن أهمية الزهد وكراهية الحياة، بينما نجده يسكن القصور ويقبض أموالا طائلة من البرامج والأناشيد الدينية، وغيرها من الأمثلة التى تعد ولا تحصى لتعبر فعلا عن أزمة وخلل وعطب استمر جاثما في مجتمعاتنا العربية والاسلامية لعقود طويلة.

نحن اليوم لسنا بحاجة الي ادلجة الأخلاق وفق أي معتقد أو فكرة بقدر ما نحتاج الي الأخلاق الإنسانية التى تهتم بالإنسان وقيم التعايش والضمير الحي. نحن بحاجة اليوم الي تغيير المفاهيم وإطلاق طاقات الفرد الذاتية، والتوصل الي صيغ قانونية ودستورية وعلمانية تكفل للإنسان حقوقه وواجباته بعيدا عن المحاسبة الاخلاقية والوصاية الدينية.

لا تعليقات

اترك رد