ماذا يحدث في اليمن ؟

 

مرض الغرغرينة هو مرض مرعب، يصيب اطراف رجل المصاب، فيتحول حينها الى اللون الأسود و يكون ذلك بمثابة اشارة إلى وجوب بتر ذلك القسم.
و حتى و لو بتر ذلك القسم المصاب، فالعذاب لا ينتهي هناك، بل إن الغرغرينة تظل تصعد تدريجيا إلى الأعلى من الساق ثم الركبة ثم الحوض و بعدها إلى الاعضاء الحيوية و انتهائا بالقلب.
في الغالب يموت المصاب بعد عملية أو إثنين من البتر لما يصاحب البتر من استنزاف لقوة المصاب.
ولقد شهدت احد هؤلاء المصابين عندما كنت صبي صغير، و كيف أنه تعرض لعمليات البتر المرعبة و التي ظلت تؤرقني لليالي عدة.

و اليوم استعيد تلك الذكريات البشعة كل ما تأملت الوضع الكارثي في اليمن، فماذا يحدث في اليمن؟

في الحقيقة ما يحدث في اليمن هو عمليات بتر للأطراف، و التي تتمثل بهذه الحرب الهمجية الطاحنة التي تدار على أرض اليمن بين غرماء الشرق الأوسط.

فمن هنا تجد التحالف “العربي” الممثل بالسعودية و حلفائها و من الجهة الاخرى تجد التحالف “الإسلامي/الشيعي” الممثل بإيران و حلفائها، و كلا الغريمين يحاربون بعضهم من دون ادنى بادرة لوقف هذه المهزلة.
طبعا رؤوس الحرب السعودية و إيران، لا تتعبهم تلك الحرب، فهي لا تدور على أراضيهم و لا تستنزف بنيتهم التحتية و لا تعيي مواطنيهم بشكل مباشر.
و في الخلفية نجد الغرب يتخذ موقف فاتر، فمن جهة الكل يعرف ماذا يحدث في اليمن و مدى فداحة الحال و لكن من جهة أخرى الحرب في اليمن هي باب رزق لا يجب ان يقفل، فلولا نزاعات طاحنة مثل التي تحدث في اليمن و سوريا و ليبيا و غيرها، لما احتاج احد لشراء السلاح الذي يصنع في مصانع الدول الغربية المتحضرة و المحبة للسلام!

و لكن بالعودة إلى رؤوس الفتنة، ما هو أملهم من تلك الحرب؟ في الحقيقة هؤلاء يجدون منفعتهم في ضرب خصمهم حتى و لو احرقوا الشرق الأوسط بكل من فيه.
فهذا هو الغباء الشرق الاوسطي القائم على مفهوم أن نجاحي يحسب بالمقارنة مع فشل الآخرين، و لما كان التخريب اسهل من البناء، اصبح نجاحي مشروط بفناء الآخرين. فلم أرى أي من دول الشرق الاوسط المتخلفة تسعى يوما للإسهام بأي شيء مفيد للبشرية.

ولكن لنرجع الى الغرغرينة قليلا، فهو ليس مرض مستقل بحد ذاته و إنما فرع مخيف من مرض السكري، و كذلك الوضع في اليمن. فاليمن لم يكن سعيدا ما قبل اندلاع الحرب منذ عام 2015، بل على العكس، فاليمن في العالم الحديث (ما بعد الحرب العالمية الثانية) لم يكن وطن سعيد بل كان وطن مقسم إلى يمن شمالي مزدحم و متخلف يرزح تحت وطأة القبلية و في الجهة المقابلة يمن جنوبي ذو عدد سكان قلل و واحد من انجح النماذج الشوعية الإشتراكية. و لكن مع سقوط الاتحاد السوفيتي، انهارت الدول الإشتراكية و كذلك اليمن الجنوبي و هنا توحد اليمن من جديد في حدود دولة ذات عدد سكان عالي و في نفس الوقت بلد يفتقر للرأس الحكيم و ايضا للبترول، فلا اصبح اليمن دولة متقدمة فكريا و لا استطاع اللحاق بالقطيع الذي يعيش على النفط. لذا فإن اليمن هو مثل شخص مريض بمرض السكري و لم يكن يوما معافى و قوي، بل إن الانحدار و الغرق لم يكن ليتوقف.
أضف الى ذلك أن ذلك الشخص المريض كان ايضا “يخزن القات”، و على هذا الجال غرق البلد في غيبوبة الادمان و الهرب من الواقع المر.

على كل حال، عندما حلت الغرغرينة في بدن اليمن السقيم (مطلع 2015) كان اشبه بفيتنام العرب، حيث اقطاب القوة (السعودية و ايران) لم يتوانوا عن ضخ السلاح و التحشيد الإعلامي و الفكري و الدعم السياسي لحلفائهم، فلا حاجة إلا لدفعة صغيرة للجلمود ليتدحرج من اعلى الجبل الشاهق، و ها هو الجلمود يتدحرج و يطحن كل من في طريقه، و ها هي الأطراف تسود و تبتر كل يوم. فاليمن بعدد سكانه الثلاثين مليون نسمة، يواجه عشرين مليون منهم خطر مجاعة لعدم توفر الحاجات الأساسية، ناهيك عن الخمسة مليون طفل الذي لا يعلم كم منهم سوف ينجوا، فهم لا يواجهون المجاعة فحسب و إنما الأمراض التي لا تتوفر لها الامصال و الادوية المناسبة. و زد على الطين بلة، اوبئة مثل الكوليرا و الدفتري تحصد بدورها عدد لا بأس به من الأرواح.
و غير هذا و ذاك، فحتى و لو توقفت الحرب اليوم، فلا وجود للمال أو نظام قوي يستطيع اعادة بناء البلد.

و نحن بدورنا المتفرجون على كل ما يجري، ما هو دورنا؟ هنا ننقسم الى أربعة اقسام:

1. غير مهتم، و هو القسم الاكبر من الناس. فهناك مآسي كثيرة في العالم تحتاج إلى أن يصحو لها ضمير الإنسان، لكن لو وجود لكائن اقل انسانية من البشر. فترى على هذا الحال كيف أن البعض يموت من الجوع و اخرين يموتون من الافراط في الموارد.

2. ساكت، و هو قسم كبير من العالم العربي الخائف من ابداء رأيه بما يحدث خوفا من أن تناله اذناب سياط الحاكم. و هؤلاء من الذين لا حول لهم و لا قوة و لو كانوا في اليمن لكانوا اصبحوا ضحايا.

3. متحيزين، و هؤلاء هم أسوء انواع الناس و أكثرهم انحطاطا، فهم يشكلون الدعم الفكري لافضع الجرائم التي تحدث. فكل مرة افتح فيها الأخبار و ارى مذيع او متحدث يبرر الحرب الطاحنة اتسائل إن كان لهذا الإنسان شيء من الكرامة ليخجل من نفسه على التلفيق الذي يتفوه به، ناهيك عن كل شخص يدعم هذه الحرب (الغير مجبر) بالمال أو المشاركة في القتال.
و في نفس الوقت أنا انبذ كل هؤلاء الذين يساندون إيران و الذين ملؤوا مواقع التواصل الاجتماعي بكل صور الضحايا، فهؤلاء يشيرون فقط إلى المجازر التي يقوم بها التحالف “العربي” من دون أن يشيروا الى ضلوعهم في الفتنة، فلولا وجودهم هناك و حشر انفهم في اليمن، لما كان اليمن يتعرض اليوم إلى كل هذه المجازر. فمريض عليل (اليمن قبل الحرب) أحسن بقليل من مريض تبتر أطرافه.

على كل حال، أنا خجل من نفسي لاني لم اكتب حول هذا الموضوع، لأني بصراحة لم اكن اعرف كيف اكتب رأي من دون الانحياز إلى هذا الطرف او ذاك. لكني رافض لكل ما يحصل، رافض للانحياز إلى هذا الطرف او ذاك، و هذا منبعه انسانتي التي لم تمت، و لا اظن انك ايها القارئ الكريم اقل إنسانية، هيا معي اذا لنساند الانسانية بافعالنا و اقولنا.

لا تعليقات

اترك رد