الخشابة والهيوة واغان البحر فلكلور يكتب تاريخ البصرة

 
الصدى - الخشابة والهيوة واغان البحر فلكلور يكتب تاريخ البصرة

وجوه سمر مشرقة لوحتها شمس البصرة اللاهبة فزادتها ملوحة وملاحة، وحين تتفرس فيها بامعان ، تنجرف معها دون أدنى مقاومة ..وترحل بعيدا في رحاب التاريخ وجنوب الجغرافية ، إذ تبرق في خيالك افواج من الزنوج الذين اقتلعوهم من مواطنهم البعيدة بالقوة ، ليستعبدوهم في العمل باراضيهم لكسح السباخ واعمار الارض، وملاك الارض يلوحون بعصيهم ويتوعدون من يتباطئ او يقصر في حمل قفاف الملح أو نقل التراب، وهم لا يملكون سوى الغناء والحنين ، ودون ان تملك قابلية الرفض او القبول تختلط في ذهنك صور واصوات شتى ، فتسمع صخب الموج ةهتافات الثوار الزنج واغاني البحارة وهدير طبولهم الحار ، ونداءاتهم الجريحة المتعبة من عمل لا ينتهي، ليس بيديك ان تتحاشى ذلك حتى لو اغلقت اذنيك ، فهذا الهدير الذي تمتزج فيه النشوة بالالم واللوعة بالحنين وكل العواطف الانسانية المتناقضة والمتلاطمة التي تصخب كموج البحر القريب .. هذه الالتماعات النازفة هي بوابة البصرة ومفتاح تاريخها ، ترسخت بعد ان اقتسم القادة الغزاة الاراضي والمستعبدين معا، ولان هؤلاء الذين اقتلعوا من جذورهم القصية وباتت مواطنهم حلما بعيدا ، راحوا يتكيفون مع وسائل القمع والاستبداد ويقارعون منتهكيهم بالغناء والرقص والحنين ، ويعيدون انتاج الحياة رغم كل شيء، هي البداية التي ميزت نشأت الفنون في البصرة، كاطوار الغناء المختلفة والرقصات والفلكور والملابس وغيرها..ومما اثرى هذه الفنون هو كون البصرة ميناءا يستقبل كل قادم عبر البحار ويشكل معه آواصر تفضي الى انواع جديدة من الفن والمعرفة والحياة …ومن الفنون الراسخة في البصرة وقاومت العصور والدهور فن الخشابة ورقصة الهيوة والليوة وغيرها..
قال رئيس شعبة الفنون الشعبية في الفرقة وعازف الإيقاع العالمي سعد اليابس” تقدم فرقة البصرة للفنون الشعبية الفلكور البصري الخالص، المرتبط إلى حد كبير بالرقصات الدينية القادمة من مجاهل أفريقيا (كالزيران) و(النوبان) و(الهيوة) و(الجكانكا) لأن غالبية الراقصين ينحدرون من أصول أفريقية”.

وأوضح “ماتقدمه الفرقة هو لوحات فلكلورية بعيدة كل البعد عن الرقص الحسي الفاحش، بل أن غالبية اللوحات هي امتداد لطقوس دينية أفريقية حافظ عليها أهلنا مئات السنين”.

ورئيس شعبة الفنون الشعبية في الفرقة وعازف الإيقاع العالمي سعد اليابس عزف في قاعة للأمم المتحدة في ثمانينات القرن الماضي بحضور الأمين العام للأمم المتحدة (كورت فالديهام) الذي طلب تمديد وصلته الفنية من ثلاث دقائق إلى ست دقائق بعد أن نال أعجاب الحاضرين …وذكر اليابس ” تأسست الفرقة في العام 1976 على يد مجموعة من المدربين، بينهم الروسي اناتولي والراحل طالب جبار وقصي البصري ونور الدين جاسم وريتا جون. وقدمت عروضاً مهمة على مسارح عراقية وعربية وأجنبية. وتحتفظ مؤسسة السينما والمسرح في أرشيفها بأكثر من 70 لوحة خلدت الفن الشعبي في المدينة”.

وتابع “زرت مع الفرقة أكثر ن 70 دولة وحضرنا عشرات المهرجانات خارج العراق حصدنا خلالها جوائزا مهمة أهمها مهرجان جائزة الأسد الذهبي في ايطاليا”.

واستذكر اليابس “للفرقة تأريخ حافل بالانجازات الفنية وأمتد عصرها الذهبي لأكثر من 20 عاما، لكن بعد انهيار النظام السابق وبسبب تحكم بعض الجهات المتطرفة في البصرة بدأت الفرقة تتوارى عن الأنظار بسبب التهديدات والخوف من بطش المسلحين المتطرفين، فهاجر الكثير من أعضائها الى دول الجوار، وتوارى الجزء الآخر في بيوتهم ولم يتبق إلا عدد قليل منهم مارسوا رغم كل شيء حبهم للرقص والموسيقى”.

(ز0 ح) أقدم راقصات الفرقة وأكثرهن شهرة والتي لم تزل غارقة في سواد ملابسها وقسوة حجابها قالت بعد أن أطمئنت قليلا وغالبت خوفها ” لا اشعر بأمان كاف ولم أزل ارتدي الأسود والحجاب وأتلفت حولي في مجيئي الى الفرقة والعودة منها”
وأضافت “كانت سنوات رهيبة وكل يوم من أيامي كان تقويما للموت لأني كنت معروفة من الجميع وقام المسلحون بتصفية من هن اقل مني شهرة”

وأشارت إلى أنها كانت تخرج قليلا وللأمور الضرورية فقط وتغير من هيئتها وتسلك طرقا مختلفة حفاظا على حياتها.

وتمنت أن تزيح الأيام القادمة بعض هذا الخوف الذي سكن روحها طوال السنوات الماضية.

وعن فن الخشابة وقال باحث موسيقي “كانت البصرة قبل اقل من عقدين تنام على إيقاع طبول الخشابة ودفوفهم وخصوصا ليال الجمعة إذ تعقد الأعراس والأفراح والمناسبات المبهجة ، وكان في البصرة أكثر من 50 فرقة خشابة رجالية ونسائية ، ولكن هدير مدافع الحروب الثلاثة وزمجرة رصاص المتطرفين غطت على هذه الإيقاعات الفطرية الجميلة بل أصبحت في ركن قصي من الذاكرة.

وأوضح “جاءت تسمية الخشابة من أسم الآلة الأساسية التي تستخدم في هذا الضرب من الفن، (والخشبة) هي آلة إيقاعية صغيرة يرتكز عليها فن الخشابة برمته بمصاحبة (دنابك) مختلفة”.

وأضاف ” لا احد يتذكر تأريخا لهذا الفن والمؤكد أن أصله بصراوي قديم ، وليس كرقصات الهيوة والليوة التي جاءت مع الزنج، وهو فن فطري لا يعتمد التأليف ولا النوتة الموسيقية وأضيفت له لمسات عبر الزمن وفق بيئته التي ينمو فيها”.

الهيوة والليوة والزيران رقصات وإيقاعات خاصة أخرى خاصة يؤديها طبقة من الراقصين والمؤدين الذين ينحدر اغلبهم من أصول أفريقية كانت قد دخلت البصرة في فترة الحكم، العباسي ومنها ما هو أشبه بالطقوس الدينية (كالزيران).

الصدى - الخشابة والهيوة واغان البحر فلكلور يكتب تاريخ البصرة
وتابع “تعتمد الخشابة على مطرب واحد مع ثلاثين أو أربعين من المصاحبين(الكورس) لكي تصل أصواتهم الى ابعد مدى بسبب غياب مكبرات الصوت ذلك الوقت، يغني المطرب المقام العراقي بروحية البصرة وفي (البستات) يشاركه الكورس بالغناء وتكون هذه البستات عراقية أو سورية أو مصرية ولكن بذات الإيقاع والروحية البصرية”.

وأشار إلى أن هناك ثلاثة إيقاعات في فن الخشابة البصري هو الإيقاع الزبيري وهو قريب من الإيقاع الكويتي ، والإيقاع الجنوبي وكان خاصا بأبي الخصيب، والنكر وهو خاص بأهالي المدينة شمال البصرة إذ تستعمل فيه الأرجل وفرقعة الأصابع كجزء من الإيقاع الذي يكمل (الخشبة).

واستطرد “كانت هناك أكثر من 50 فرقة للخشابة بل لكل محلة أو منطقة فرقة خاصة بها، وكان أشهر هذه الفرق فرقة أبو دلم، وأبو عتيكة ، وربيع والأخوين حسين ومحمد بتور وأبو ناظم وفرقة أم عليوي”.

وقال اسعد خضير إن “فن الخشابة هو من الفنون البصرية الأصيلة إل جنب فن الطار والقادري والسامري والسادة والعرضة، وهو يختلف عن الفنون الوافدة إلى البصرة كاللهيوة والليوة والزيران على الرغم من أنها بمرور الوقت وتبدل اللغة واللحن والتقاليد أصبحت فنونا تحسب على البصرة، لكن هناك اختلاف كبير”.

وأوضح ” نشأت الخشابة منذ القدم في مناطق محدودة مثل أبي الخصيب والفاو والزبير والبصرة القديمة”.

وأشار أن فرقة الخشابة تسمى (الشدة) ومجموعها شدات.تعزف في الأفراح والمناسبات السعيدة الأخرى كالخطوبة والطهور وغيرها دون أن تتقاضى أجرا ، وللخشابة تقاليد خاصة يعتزون بها كالكرم والشهامة والصحبة والوفاء.

وأضاف خضير أن “أشهر الشدات في أبي الخصيب شدة خلف السعيد في منطقة (أبو مغيرة) وشدة أبو عتيكة في حمدان، وفي الزبير شدة مله عدنان، وفي الفاو شدة رمضان أبو راسين وفي البصرة القديمة شدة الأخوين حسين ومحمد بتور وفي الساعي شدة أبو ناظم وشدة تومان(العبد)”.

ولفت إلى أن أشهر من غنوا المقامات البصرية على طريقة الخشابة أبو صليب وحسين مهودر وحميد الياسر وخضير السياب وأبو عتيكة وأبو عوف وفاضل محنة .

وتابع وأن “أشهر من عزف على طبلة (الكاسورة) مله عدنان ومحسن دكن ومحمد بتور وأخيه حسين بتور، ومن الشباب اسعد اليابس وستار الحجية وماد المرزوك وحامد العظيم”.والكاسورة هي الطبلة الأساس التي تقود الطبول الأخرى وتنفرد في عزف منفصل (صولو) بعد أن تسكت الطبول الأخرى.

وقال بحسرة ” مات من مات من هؤلاء وتبعثرت الفرق وأصبحت في أدراج الذاكرة”.

واستدرك “لكني باعتباري من المهتمين بهذا الفن ومسؤولا عن الفرقة البصرية للفنون الشعبية جمعت ما تبقى من رواد هذا الفن أو من أبنائهم وتم تعينهم في الفرقة كي لا يندثر هذا الفن الجميل الذي يعتبر جزء من روح البصرية وهويتها”.

لا تعليقات

اترك رد