مُلْتَقِطَ الصُّورَةِ، شُكْرًا

 

جئتُ إليها ذاهبةً في الأرض وفي الذّاكرة، شامخةً بسامق فرعها، مثقلةً بثمرها النّورانيّ. استيقظتْ فيّ طفولتي وأنا أتفيّا ظلّها، أتقلّب في تربها أحبو ألقُط حبَّها. يا لعطر الأرض يضمّخ يديّ وطَهُورها يأسو أدوائي!. حبّاتها المجتمعة في كفّي، مطمئنّاتٍ بعد تناثر، قرأن في خطوطها أكفّ آباء وأجداد علّمْنها أن تجوس الشّيءَ تستقصيه وذاك شأو القادرين على التّمام.

مضت ساعة أو بعضها وبرئ حوضُها من حبّاتها الشّاردات. وُضع البساط ُ وقام السلّم مرقاة إلى ذُراها، سلّم لا يقوم إلّا بصاحبه كما لا يقوم السّاعد إلّا بيده وإنّك لا تأتي الجنيَ مُفردا بل مُسعَدا، سلّم “صَرّافةُ” أسأل – لهَوًى لغويٍّ لا يبرحني- عن أصل التّسمية، فلا أظفر بطائل إلّا أن أتأوّل أنّه الآلة تعين على تصريف أمر الفارع من أغصان هذه المباركة حتّى يُجْنى.

رقيتُ درج السّلم. انقطعتُ إليها، غِبْتُ فيها أمشّط جدائلها بيديّ وقد توزّع الأبناء أمشاطا بلاستيكيّة هي أرفق بأيديهم وهم بها أجرأ على الجني.

لوقع الحبّات على البساط نغَم ينشط له الجاني فلا ينتبه لخدوش نالت منه، ولا ليده تَخْشَوْشِب فلا يكاد يُحسّ بها وهو لا ينفكّ يجتني ما يكون بعد عَصْرٍ طبقَه الصّباحيّ الأثير.

وينال منّي التّعب – أنا الرّجل الخمسينيّ- فأطلب الأرض مستراحا ونِعِمّا هي، حنين الطّين إلى الطّين. هناك حيث نَهْدٌ منها من أثر الفلْحِ استلقيتُ. نَهْدُ الأرضِ عندي آسٍ نَطَاسِيٌّ لآلام الظّهر يعرك موضع الألم فيُستطاب فعلُه ويُسْتمرأ.

وإنّي أستطِبّ عند ذلكم الآسي عندما جاءني مُلتقط الصّورة بكأس شايٍ أخضرَ به لَذْعٌ وبعضُ مرارة. المرارة في الشّاي تليق بالمقامات المَهِيبة الجادّة وهل مقام كمقام الأرض مهيب جادّ؟

كان مُلتقِط الصّورة يقدّم لي كأس الشّاي وهو ينظر مبتسما إلى قبّعته الشّبابيّة على رأسي أعارَنِيها وِقاءً من أشعّة الشّمس وقد كنت نسيت مظلّتي من سعف النّخيل المضفور.

تجاهلت ابتسامته الماكرة ومضيت أترشّف كأسي السّاخنة. بين الفينة والأخرى أكمّد بها صُدغي بعثا للانتعاش وطردا لصداع قد يفكّر في زيارتي. تلك عادة شاربي الشّاي من البدو عرفتها في نفسي قبل أن أجد صديقي أحدَ مبدعي مدينتي تطاوين: عليّ دب يُضمّنها روايته ” حدائق الفجر” أهداني مشكورا نسخة منها.

حثثتُ مُلتقط الصّورة أن ارتق الزّيتونةَ أوسَطَها الّذي لا تُسعفنا في جنيه “الصرّافة”، واجتهدْ في ذلك حتّى نفرغ منها إلى غيرها. أجابني إلى ذلك فاطمأننتُ في مجلسي ذاك ريثما أصيبُ كأسا ثانية فأخِفّ إلى زيتونتي نشِطا عمولا.

تفقّدتُه على أغصانها فلم أجده، ناديته فلم يجب… ما أسرع روغان هذا الفتى! لا يتّصل منه الجهدُ إلّا هنيهة قبل أن يميلَ ميلته وقد عزم الأمرُ.

انقطعتُ إليها ثانية ومعي أخواه وأمّهما وقد صحّ عزمنا حتّى نسيتُ غضبي على ملتقط الصّورة، وحتّى انتهى زيتونها إلى بطن أكياس حملتها سواعدُ خارج الحقل.

أوغلت الشّمس في المغيب وأُبْنا إلى بيتنا القرويّ الرّوحُ بهاء وأقدامنا حِنّاء.

نفضنا عن أجسادنا وعثاءَ النّصبِ وجلسنا إلى مائدة العشاء. ناديتُ مُغاضِبِي وقد تخلّف عنّا. جاء معتذرا وقد عرف تقصيره. مُدِلّا لم يأبه لردّي وبادرني عارضا صورتي الّتي التقطها.

وجدتُها شفّافة في صدقها وعفويّتها، بليغةً في وصْفِهَا الحالَ فلا تصنّعَ ولا تزيّنَ. وتلك بلاغة حياتنا الّتي نأتيها عفو الخاطر تلتقطها عين فرّاسَةٌ وقلب ذكيّ فإذا هي أدب يقولنا فنطرب له.

* أراك وقعتَ على اللّحظة الباهرة وإنّي أرى الصّورة الّتي التقطتَ رَحِمًا لنصّ يكتب بعد حين، وإنّي لشاكرك، وإنّي لذاكرك في النّصّ ولكن دون أن أسميَّك لأنّك لم تبذل الوُسْعَ حيث وجبَ البذلُ.

ملتقطَ الصّورةِ، شكرا.

لا تعليقات

اترك رد