جموح شهوة

 

إعصارٌ يغلي داخلها، يقتلعُ كلّ دفاعاتها وحصونها. سنين حرمانٍ عجاف مرّت منذ توفيّ زوجها، أخمدت شهوتها إلى رجل، وتفجّر بركان رغبتها فجأةً، عارماً، مكتسحاً عفّةً تلفّعت بها طويلًا، فخنقتها، وابنٌ في العاشرةِ يقفُ سدّاً منيعاً، سرعان ما انهار أمام طوفانها.
أنيابُ ذئبٍ جائعٍ تنهش في جسدها، حاولت اقتلاعها ولم تفلح. كوابيسٌ، ليالٍ قاسيةٍ عذّبتها وأنهكتها، مستنزفةً قواها، ونهارٌ طويل تقضيه، ترقبُ من نافذتها الصغيرة، المطلّة على الشارع طوابير سيّاراتٍ مسرعة تسابقُ الزمن، تحصي منها الحمراء فقط، ومارّة بثيابٍ داكنة تحاكي لون السماء المعتم، وبيوت مستنسخة عن بعضها، ليستلمها ليلٌ أطول يضجّ بصرخاتِ شهوةٍ جامحة، جهاراً تعلن عن نفسها.
جميلةً لا تزال، رغم آلام الركبتين التي تركتها شبه مقعدة، ورأس يحملُ عواصف من ذكريات، تضحك مرارةً من بعضها، ويستنزف دموعها البعض الآخر. اغتصاب، نعم، كان اغتصاباً ما يحدث كلّ ليلةٍ، فكرهته. زوجٌ مخمور يأتيها نهايةَ يومٍ مكلّلٍ بالتعب، ترفضه؛ فينقلبُ وحشاً يفترسها بسرعةٍ وعنف، ويديرُ ظهره، تاركاً لها تصارعُ سكاكين رغبةٍ لم تصل ذروتها يوما، تستنفذُ كل قواها،
فتنام مندحرةً، تغالبُ رغبةً في التقيُّؤ.
لم تحزن حين رحل، تاركاً لها خزيناً هائلاً من ذكرياتٍ كسيحة، ووحشاً جائعاً، حبيس أحشائها، ينتظر فرصةً للانقضاض على كلّ ما ورثته من قيم.
عندما أسرّت لي بسرّها.. حكت كل شيء بنشوة شعرت أنها تلوكها طعما حلوا في فمها وهي تبتلع ريقها، وعيناها شاردة في تيه تعيد المشهد، وتكرره:
ـ بركانُ جنسٍ وشهوة كنت أظنّ نفسي أخمده، وبقيت حممه مستعرةً، في داخلي تغلي. ضعفت مقاومتي، وإلى دفء أحضانِ رجلٍ عذّبني اشتياقي، أسرابُ نملٍ أخذت تغزو جسدي؛ فأستعر، وهو فقط مَن وجدته أمامي، لن يجذب انتباه أحد، ولن يصدّق أيّ مجنونٍ أو عاقل أنني أفكّر بمثله عشيقاً. بلهفةٍ محمومة انتظرتُ مجيئه. حملت كيس النفاياتِ، زاحفةً إلى الباب، وليس كعادتي، بقيتُ أنتظره حتى اقترب. في الخمسينات هو، غضضتُ بصري عن ثيابه تحملُ كمّاً هائلاً من الأوساخ، ويديه اللتين تآكلتا من جروحٍ وتقرّحات.
متجاهلاً نظراتي المستعرة تدعوه، تناول الكيس من يدي، وابتعد. أيّامٌ وأسابيع وأنا أواصل اللعبة بصبرٍ كاد ينفذ، أخيراً أدركَ ما أريد بعد دعواتٍ مفتوحةٍ عديدة، ورجاءٍ صامتٍ يقطرُ من عينيّ ومن ارتعاش شفتيّ شهوةً. مسرعاً تلفّت يميناً ويساراً واقتحم بابي نصف المفتوح، وبيدٍ ترتجفُ شبقاً أو خوفاً لا أعرف، سحبته إلى غرفتي وأوصدتُ الباب. زكمتني رائحةٌ كريهةٌ نفّاذة، واستنفرت غريزتي أكثر.
حائراً وقف، ربّما يرتجف وأنا استعجله قبل عودةِ ابني من المدرسة، وفهِم. بجوعِ رجلٍ لم يذق غير خبزٍ جافٍّ وماءٍ عكِر، اتّسعت عيناه أمام طبقٍ ساخنٍ شهيّ، ارتمى فوقي، مزّق قميص نومي. ارتجفتُ، وضممته إليّ بقوّة، مطلقةً كلّ حممي، حارقةً مدوّية، وقبل أن يطفئها، فُتحت البابُ بعنف، وولدي مذعوراً ينتصبُ أمامي.. سقطتُ أرضاً، وهرب هو، تاركاً رائحته، مزيجَ خوفٍ .. وعفن..

المقال السابقالنظام الرئاسي حلا لمعظم مشاكلنا
المقال التالىالاطفال المجهولي النسب
ليلى المرّاني .. قاصة عراقية مغتربة خريجة قسم اللغة والأدب الإنكليزي / كلية التربية / جامعة بغداد عملت في سلك التدريس، درست في مدارس العمارة الثانوية وفِي دار المعلمات الابتدائية، ثم انتقلت إلى بغداد، وواصلت التدريس لحين مغادرتي العراق كتبت القصة القصيرة في المجلة الادبية الصادرة في كلية التربية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد