لماذا يخشى بعض أنصار البديل التنويري من التصريح بعلمانيته!؟

 

ديموقراطي، مدني، علماني وتنويري؛ مصطلحات تتردد كثيراً في يومنا في خضم الصراعات المتنامية وبحثها عمّا يساعدها على فرض رؤيتها أو الإقناع بها على وفق النيات والمضامين الحقيقية التي يحملها كل طرف سواء بصدقية إعلاء فحوى تلك المصطلحات أم بزيف إطلاقه إياها لمجرد التعمية والتضليل. إذ نشاهد بعض الطائفيين يتشدقون أكثر من غيرهم بشعارات تتضمن المدني والديموقراطي وحتى التنويري والعلماني! فما هي الحقيقة وأين نجدها؟

العَلمانية لغةً واصطلاحاً، لها مضمونها المستقل الذي ليس من مفردات محتوياته وأولياته، لا التعارض مع (دين) ولا فرض (الإلحاد) على وجود إنساني.. إنها (أيّ العلمانية) تتجسد في مجموعة قيم، أبرزها:

فصل السلطة السياسية عن السّلطة الروحية (الدينية)؛ حيث فضاء الديموقراطية لا الثيوقراطية للدولة والمجتمع.
توظيف مبدأ استقلالية السلطات (الديموقراطي) لا بحدود الفصل فيما بينها بل في منع أيّ تدخل في اشتغالها ومنه احتمال تدخل أو تاثير الأكليروس أو الكهنوت الديني.
مباشرة بناء الوجود الإنساني في حياته، حيث مهمة إعمار الأرض تقوم على معارفه العلمية البحتة ومنطق العقل واشتغاله لإنتاج الخيرات.
والعلمانية تحرّرٌ يحقق ديموقراطية العيش لا الانكفاء على الماضوي الأمر الذي تفرضه قيم ثيوقراطية العيش وتحكّم الكهنوت الديني الذي يفرض مصادرة الأخروي للدنيوي على وفق تأويلاته والتعارضات التي يصطنعها.

إنّ العلمانية هنا لا تخوض جدلا بشأن وجود عالم آخر من عدمه؛ فهي ليست أمراً عقيدياً دينيا بديلا.. ولكنها نظام حياة يكفل الحريات والحقوق وعدم الخضوع لـ(رجال الدين) وتأويلاتهم التعارضية التي تصادر حيوات الناس وحقوقهم وحرياتهم… إنها نظام عيش يكفل بالحريات أفضل إمكانات التعبير (القيمي\الأخلاقي) ومن ثم يفسح المجال لحرية الاعتقاد وسلامته من الغلو والوقوع بمنطق مصادرة الإرادة الإنسانية و\أو الحريات المكفولة…

ولقد وُجِدت العلمانية مع اشتغال العقل البشري وإطلاق الفلسفة لرؤاها سواء في جذور الفكر الإنساني أم بعصور النهضة بمنطقتنا أو في أوروبا ومن ثمّ في مسار ولادة الدولة العلمانية الحديثة مع عصر الثورة الصناعية والتكنولوجية الأحدث وتنامي دور العلم والعقل.. على أن العلمنة ليست رديفا محدوداً بتوظيف العلم ولكنها أشمل في كونها منظومة فلسفية فكرية للدولة والمجتمع حتى تشمل الشخصي عندما يتعلق الأمر بتحرير الإنسان الفرد مثلما نظامه الجمعي.

ودولة العصر الحديث وأسسه (العلمانية) تشترط المواطنة مبدأً بما يقابل (الأنسنة) حيث احترام الإنسان ينطلق من السلام المجتمعي والمساواة والعدل الذي يكفل قبول الآخر واحترام التعددية والتنوع بكامل المساواة في الحقوق والواجبات. وفي النظام (المدني \ العلماني) الدولة تكفل الحقوق والحريات من أي انتهاك بخلاف النظام الثيوقراطي الذي يصادرها ويحيل الدولة إلى (مجرد) عصا تأديبية غليظة بأيدي الكهنوت..

إن وجود المواطن هنا تتحدد قيمته بعمله ومشاركته بإنتاج خيرات وجوده وهو لا يتحدد في ضوء دين أو معتقد أو مذهب أو منصب ينتمي إليه وهنا بيت قصيد الثقافة العلمانية التي تنشأ في ضوء العقد الاجتماعي وقيمه الحداثية التي ترفض سطوة إنسان على آخر لمجرد أنه ينتمي لدين أو لكونه من رجال دين ومرجعياته..

وليس بين المدني والعلماني من خطوط حمراء سوى أن الأول أي المدني مما يخضع لتوجيه الديني (الثيوقراطي) أو مما يسهل اختراقه وتجييره والعبث بممراته واشتغالاته فيما العلماني واضح دقيق في اشتغاله بما يمنع مصادرة أو انتهاك أي من مبادئ العيش وأنسنة الحياة لا خرفنتها وإتباعها لكهنوتٍ يفرض صياغات تحرم الإنسان من حقوقه وحرياته بأوهام مفاتيح الجنة وعطايا وهدايا العالم الآخر!

إن تبرير بعضهم استخدام مدني بدل علماني يقوم على أساس الشبهة والتلطيخ الذي أصاب سمعة أو مفهوم العلمنة وربطها بالإلحاد وعلى أنها لا تمتلك جمهوراً مازال (مضلَّلاً) يلهث وراء خزعبلات (الخرافة) التي يسوقها (الكهنوت الديني) المضلِّل؛ وكأن توظيف المدني بدل العلماني سيكسب للتغيير جمهوره!

إن هذي المغالطة تساهم في تعزيز الاتهامات للعلمانية كونها تساوي الإلحاد من جهة وكونها ضد الدين كل دين أو أنها نظير عقيدي يصارع سلطة الأكليروس الثيوقراطية.. بينما من الصائب عدم الانجرار وراء تأويلات وتشويهات الظلامي الفكرية الفلسفية، وهذا الأمر أو الموقف يدعمه طابع الحياة وكارثية العيش وتفاصيل الاستغلال مما يحسه الناس مباشرة ولا يحتاج لمن يزوقه له بقدر ما يحتاج للتعرف إلى البديل…

لقد أوقعت خيارات الشعارات بين المدني والعلماني واستبدالاتها، أوقعت الحركة التنويرية الديموقراطية في مطبات العزلة والانفصام عن الحركة الشعبية. وها هي الانتفاضات تتواصل وتستمر ولكنها تكبو في كل مرة بسبب عدم توافر القيادة الصريحة الجريئة والشجاعة في إعلان بديلها بدقة ووضوح لا يكتنفهما التشوّش. ويجب التنبه هنا على أن الإسلاموي يتستر بالمدني برقعا مثلما يتستر بالدين ونصوصه المأولة أو المصطنعة تقية بمقابل خطل أن يختبئ التنويري خلف المدني خشيةً من استخدام العلماني بصورة أدق لنهجه..

وهكذا فالحقيقة تؤكد أن القوى الدينية لم تتردد بخطابها عن التبرقع بالمدني وتسمياته المتنوعة من دون التخلي عن صراحتها الواضحة السافرة في أنها تسعى لإقامة النهج الثيوقراطي في إدارة تلك الدولة (المدنية). فهي من جهة تدعي أنها دولة (مدنية) لمجرد الادعاء بأنها لا يحكمها (عسكر) متغافلة عن عسكرتها المجتمع بالميليشيات وبتحكم زعماء الحرب بالتشكيلات السياسية المزوقة بأغلفة المدني أقنعة تتوارى خلفها.. ومن جهة أخرى تدعي أن رجال الدين وكهنوته يمكنهم أن يمنحوا المطالبين بالدولة المدنية تلك الدولة ولكن تحت وصايتهم بالضرورة والحتم الذي يأولونه!

وهكذا ضاع ((عند جمهور بعينه)) الفاصل بين العلمانيين والثيوقراطيين وجرى تشويش الناس ومن ثم تضليلهم ولفهم حول مشروعات قوى الإسلام السياسي المعنية به معالجتنا هذه اي (أن معالجتنا لا يشغلها الجدل مع الدين ونصوصه بقدر ما تحاول معالجته من طروحات الإسلام السياسي أحزابا ووجودا تنظيميا لا علاقة له بالدين) بمعنى معالجة أو كشف زيف مدنيتهم المخصوصة بوصفها برقع الإيهام الأخطر..

إن العلمانية كما أوردنا في أعلاه بحث في حياة الناس واشتغال عليها ولأجلها مما لا يرد جوهريا في خطاب الإسلام السياسي ولا الأكليروس الذي لا يعنيه سوى تمرير ما يمكن لصالح سلطة ثيوقراطية تفاصيلها موجودة اليوم في النموذج العراقي ويعرفها الشعب يقينا. الشعب الذي يحيا الفقر والمرض والجهل وتقع عليه كل جرائم نهب ثروات البلاد وخيرات ينتجها (العباد) بينما الصائب الصحيح أن يتحرروا.. ولن يحررهم سوى نظام علماني يخرجهم من ذاك المستنقع الكارثة..

وبينما عرف العصر العراقي القديم: السومريون والبابليون وورثتهم الفصل بين الدنيوي الحياتي المهتم بالعامّة وبينما احتج الفلاسفة والمتكلمون بالعصر العراقي الوسيط يوم كانت بغداد حاضرة الدنيا وشاغلتها ومركز العلوم، احتجّوا بالعقل ومنجزه وبقيم الحياة ومتطلباتها المنفصلة عن الأخروي والغيبي وامتناعها على المصادرة لهذا الأخير؛ بينما كل ذلك كان تراث العقل العراقي وحضارته ومدنيته نجد أن أخطاء ((بعض)) قيادات تنويرية اليوم، فسحت المجال لاستراتيجيات المخادعة التي يديرها الإسلام السياسي أن تسطو على المشهد ولو مؤقتاً…

إن العلمانية ليست بعبعاً كي يجري تجنبه والخشية من إعلانه ورفعه عاليا بوصفه بديل التنويريين الذي لا يتقاطع مع حرية الاعتقاد الدينية (السليمة) للناس.. وما يجب توكيده هنا هو أن العلمانية حركة إنسانية جمعية تُعنى بتفاصيل اليوم العادي للإنسان وحقوقه وحرياته بكل محاورها الدنيوية التي يحياها بما يؤكد واجب العناية بأنسنة وجودنا ومنع مصادرته بوعود تتحدث عن العالم الآخر لم يقلها أي نص ديني صحيح..

إن كل الفلسفات البشرية ومعتقداتها سعت للتعبير عن تطمين حاجات الإنسان وفرضت واجبات أن يعمِّر الأرض ويبنيها ببناء شخصيته بمنطق العقل العلمي وفروضه الملزمة بحركة البناء والتنمية والعيش بخيرات منجزه وأنوار خطاب العقل وثقافته. ولم يكن من بين ما يمنعه عن التمتع بخيرات وجوده وإنتاجه سوى الفكر الظلامي وما شوّه الخطاب وأوّله سلبيا عدائيا تجاه الإنسان واول ذلك خطاب الكهنوت الديني وسطوته بالتضليل وانتهاك الحريات والحقوق..

إن حكم الإسلام السياسي بكل براقعه وأشكال التقية التي تتمظهر بتجيير مصطلح المدني وربما في الغد أيضا العلماني بعد تشويهه استغل التجهيل ومنه التجهيل بالتاريخ المحلي والإنساني المعاصر كيما يضلل أكبر قطاع ممكن. إذ كيف يمكننا التغافل أو تجاهل الصراع بين منطقي الغزالي وابن رشد وبين حكّام بغداد والقاهرة والأندلس وبين حركات الزنج وغيرها ومعانيها وسطوة أكليروس سلبي ذرائعي أودى بالدولة إلى زمن العصمللية المعروف بظلاميته..؟

ألا يؤكد ذلك أن تجاريب قرون المسيرة المحلية والإنسانية تدعونا للتنبّه على ما ينبغي أن نختار؟ ألا يدعونا ذلك إلى التنبه على معنى وجود الدولة بوصفها تنظيما لوجودنا بما يحمي الحقوق والحريات في ظلال العقد الاجتماعي وقوانين الحقوق والحريات؟

دعونا نتلمس التجاريب الأوروبية وتحديدا منها الهولندية يوم انعتقت من الصراعات (الطائفية) وغيرها وأنشأت نظاما تعليميا (تنويريا) أسس لنظام علماني كان الأساس لعالمنا الحديث ولعله هو ما دفع باكتساح هولندا الأوسع جغرافيا يوم انطلقت بنظام العلمنة…

ولأن المجتمع العراقي مجتمع تعددي يكاد نظام الكهنوت الديني المرجعية يلغي هذا الطابع الذي عاشه المجتمع العراقي لآلاف السنين والأعوام، تزداد الحاجة لتسريع التغيير وحسم المعركة مع هذا الخيار الظلامي المجتر من مجاهل الزمن الغابر..

فالعلمنة ونظامها يؤكدان على التسامح والتعايش بمنطق السلم الأهلي بمساواة وعدل وليس بوصاية وتمييز يكرس سلطة طرف على آخر.. ومنطق العقل العلمي يؤكد التمسك بحرية الإرادة البشرية في الخيار طريقا لأفضل خيار لا يتأتى بالعنف والإكراه والإجبار كما يمرره إرهابيون من المتشددين المتزمتين بدين وظلاميون من مختلف أدعياء الصواب المطلق والتمثيل الحصري للإله ولصحيح دين أي دين. ولعل الإكراه خطيئة بل جريمة لا تسمح بسيادة حرية الإرادة والاختيار ما لا يقود لسليم المسار..

إن ما يطفو يوميا من أعمال ساسة الحكومات الطائفية المتعاقبة ببغداد هو دجل الرجوع إلى سلطة المرجعية \ الكهنوت الديني في حل قضايا السياسة وخطى البناء التي لم تتغير على الرغم من كل تدخلات الأكليروس بل استفحلت وتكرَّست منظومتي الحكم الإسلاموي (الديني) الطباع والمافيوي بأشمل قيم الفساد والإفساد فيه…

ولهذا فأول التغيير يكمن شجاعة إعلاء شعار العلمانية نظاما بديلا وتخليص المدنية من تشويهات بلا منتهى كي نُبعد قوى الظلام (من أحزاب الإسلام السياسي) من أخوان ودعوة وفروعهما بما يمنحنا طاقة التنوير والانتصار لسليم الخيارات فمن جهة يربح العراقي نفسه وحياته ومن جهة يحمي حريته في معتقده صحيحا وعلى وفق ما يرى بتمام حرية الإرادة البشرية في الاختيار…

إن تطبيق نموذج دولة دينية بمظاهر (مدنية) على أساس حياد الدولة أو ما شابه، إنما يشوه الطريق إلى تحرير الناس ومنحهم فرص الحياة الكريمة وحرية إرادتهم البشرية في الاختيار.. ولعل مزاوجة الديني بالمدني وتشويه معاني المدنية ليس سوى خلط أوراق لتمرير الدولة الدينية التي تعمّد سلطة الأكليروس والكهنوت الديني ممن يتبدى ويتمظهر بأحزاب دينية بمسميات (مدنية) إيهامية.

والأخطر أن يجري تكريس اللعبة بظلاميات تُكرِه المجتمع على أن يقبع بمنطقة التخلف ومن ثم الاستغلال والنهب بمافيات محلية وأخرى دولية أو بارتباط المحلي بالدولي ذراعا للنهب والإفساد…إن القضية تتخذ طابعا أبعد من الحياد حين تكون أرضية التمثيل الحصري للإله ولعبة التجسد الإلهي المطلق في شخص وورثته حينها لا حياد في الدولة وتصير حال إسقاط القدسية الإلهية المدّعاة سلطة مطلقة لأحادية على الآخرين كما يجري التسويق له من نموذج إيران في السوق العراقي اليوم أو كما اختطف مصر لبرهة من الزمن يوم سطا الأخوان على السلطة، تسويقا للنموذج التركي…

إن تخليص الدساتير والقوانين الدستورية من العبارات المزدوجة وتلك التي تسرب الخطاب الذي يمنح الكهنوت الديني أي شكل للسلطة أو التدخل فيها أو صياغة القيم الأخلاقية لمجتمع تظل مهمة علمنة الحياة وأن تعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا بمعنى الاستقلالية التامة الصريحة للعلمنة ولبناء دولة علمانية بمبادئ المواطنة والمساواة والحرية التي تمتد إلى الوجود الإنساني حيث حرية الاعتقاد مكفولة محمية من دون تمييز وليست مفصولة بل ممنوعة التأثير على مسار البناء واشتغال العقل في إعمار الذات وبيئة الإنسان…

وفي عمق المجتمع العراقي ومنه المجتمع السياسي الفاعل والمتحكم نجد أن ضياعا نسبيا أوقعه ظرف أن مجمل الوجود العراقي تتحكم به إرادات فردية لزعامات أسقطت القدسية والعصمة على وجودها بهذا الفهم للأكليروس أو الكهنوت الديني ومن ثم السياسي باختلاط الديني بالسياسي وانتقال العدوى إلى قدسية شخصيات في الوسط العلماني بمقدار تعلق الأمر ببعض زعامات سياسية وأدلجة الفهم الخاص بالعلمنة من جهة وبخيار التكتيكات والاستراتيجيات باتجاه التغيير في خضم الصراع بين الثيوقراطي والعلماني..

إن طريقة الفهم غير الناضجة لإدارة ملف الصراع ومنطقه ومنطقته أفضت لخلط أوجد خلطة مشوهة مشوِّشة من قبيل تحالف الأضداد ويمعن أصحاب تلك الخلطة اليوم بإغراق الحركة العلمانية عندما يدعون الأضداد للقاء تشاوري بديلا عن التحالفات العلمانية التي ينتظرها الشعب ويتطلع غليها بديلا نوعيا جوهريا سليما بذريعة أن اللقاء ضم (مدنيين) ولو بالاسم..

فأي مدنية خاضعة للكهنوت الديني ولفلسفته يمكن أن تقدم البديل بتحسين الحياة بطرق مادية مصدرها العلم الراعي لخطى التغيير؟ وأي خير يمكنه أن يكفل عدم نهبه وأن يمنع التمييز في توزيعه وتحقيق العدالة الاجتماعية ذاك الذي يخضع لفلسفة مافيوية (محصصاتية) ويمكن وعد الفقراء منتجيه بأنه سيعود إليهم؟

إن العلمنة وطريقها لا تقبل المراءاة ولا أي شكل للتحالف مع قوى تطرح التساؤلات الدينية في برامجها. لأن العلمانية تبدأ بإخراج تلك التساؤلات ومنحها استقلاليتها بعيدا عن خطى بناء وجودنا وإنتاج خيراته وبعيدا عن اي شكل للسلطة الدينية وأسئلتها. وهذا الأمر لا يدخل في إلحاد أو ترك دين ومعتقد بل يدخل في معنى علمنة وجودنا لإنهاء الاستغلال والاستعباد والنهب والسلب والمصادرة…

إن العلمانية وعلمنة الحياة والدولة هي بالضرورة ضد الثيوقراطية بالتمام ومن ثم هي طريق بناء الدولة المدنية علمانية الجوهر بما يقطع الطريق تماما على تدخلات رجال الدين في السياسة وفي إكراه الناس على دين أو مذهب أو تقديم ذلك على أنه الطبق الأول والأخير في الصواب بما يمنع غيره أي بما يعيد سلطة ثيوقراطية وإن بطريقة المخاتلة والمخادعة. ولعل التجاريب التاريخية تؤكد مخاطر العلاقة بين رجل الدين ورجل السياسة والنموذج العراقي بارز للعيان يحياه الفقراء والمستباحين في إنسانيتهم.

لنتذكر كيف يحمي رجال الدين سطوتهم على الثروة بتكفير اي مشروع أو قانون يتعرض لتلك الثروات والسلطة وهو ما شهدته غيران بعهد خميني بشأن الأملاك الزراعية وقبله كانت تجربة محمد علي باشا يوم لم يتسطع بناء الدولة إلا بضرب إمكانات رجال الدين وإبعادهم عن التأثير في خطاب الدولة وإن بحدود بعينها…

ويوم نصل إلى خيار الديموقراطية طريقا لا تكون السلطة باستبداد الأغلبية ولكنها بحكمها مع احترام تام للأقلية ومعارضتها الأمر الذي لا يتحقق إلا بفصل الدين عن الدولة لخلق الآليات التي تدير الديموقراطية وتكرسها بديلا عن منطق الثيروقراطية ومعطياتها. وفقط في هذه الأجواء يمكن ضمان حرية الأفراد وجوهر حرية التعبير والدفاع عن إنسانية الإنسان وأنسنة حياة المواطن المبتلى بأشكال الاستلاب والمصادرة العائدة لمنطق سلطة الكهنوت \ المراجع الدينية…

ألا فلنتأكد من خطواتنا وحساب مساراتها واتجاهاتها التنويرية قبل مزيد غيغال في متاهات لا تعود على الناس سوى بتضحيات جسام ثقيلة ما عاد ممكنا تحملها سوى بكوارث التخريب والتدمير وهو ما يقع في التمترس غير المقبول خلف خيارات هيّأتها شخوص ومواقفهم بطريقة غير مؤاتية غير واعية والقضية ليست مجرد تعريف بمصطلح وتمييز له وسلامة استخدامه بل قضية حياة الناس تستقر أو تتفاقم سوءاً.. أفلا اخترنا بدقوة وصواب؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد