نظرية كوبرنيكوس التي حطمت الاستبداد الديني

 

كانت النهضة الأوربية أمام منجز حضاري وعلمي وفكري وأدبي وفني وسياسي كبير، أمام ثورة معرفية شاملة غزت الغرب بالكامل وحولت وجه أوربا وفكرها من حال الى حال ، فكان الفارق الكبير بين أوربا ما قبل النهضة الحديثة وما بعدها ، فكرياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً وحضارياً وعلمياً ، أوربا التي كانت غارقة في الجهل والظلام والانحطاط والصراع والعنف والحروب والتطرف والكراهية، أوربا الصراع الديني والعنف العنصري ومحاربة العلم والعلماء، أوربا النزعة الأبوية والاستبداد الديني والسياسي، أوربا العصر الوسيط المظلم ، حيث محاكم التفتيش والوصاية الدينية والسياسية والتفويض الالهي والفكر الكهنوتي ، لقد كان كل شيء في أوربا ما قبل النهضة في خدمة الكنيسة ، الفكر والعلم والفن والفلسفة، وكانت الكلمة الأولى والقول الفصل لرجال الدين المسيحيين أولاً وأخيراً . وبين أوربا النهضة حيث التقدم والحداثة والتنوير والثورة الصناعية والعلم والمعرفة والفن والليبرالية والفكر الديموقراطي والتوجه الانساني .

أن أول ما ابتدأت به النهضة في أوربا كانت ثورة معرفية وعلمية والذي سبقت الاصلاح الديني ، وكان ذلك بفضل الثورة العلمية التي دعت للتصحيح والاصلاح والتغيير، حيث كان لنظرية كوبرنيكوس(1) العلمية في علم الفلك الأثر الكبير على تغيير فكر أوربا ومنطقها الأرسطي(2) العقيم الذي ساد لقرون طويلة ، والتي أطاحت بالتفكير الديني الكنسي التقليدي غير العلمي ، نظرية كوبرنيكوس التي اعتبرت أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية وأن الارض ما هي الا كوكب من ضمن الكواكب التي تدور حول الشمس .

كان ارسطو يرى أن الكون كله كروي ومحدود ومركزه هو الأرض وأن هذا المركز يتكون من عناصر أربعة أساسية وهي الماء والهواء والنار والتراب وقد ذكر في كتابه (كتاب السماء) ان لكل عنصر مكانه الخاص كما يري أنها تتحرك في خط أفقي علي عكس مدارات الأجرام السماوية التي تسير في حركة دائريه .

في سنة 1540م أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب يمكن تعليلها بان الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر، فأصدر عام 1543م كتاباً بعنوان (دورات الأجرام السماوية) .

وعندما صرح العالم الفلكي جيوردانو برونو(3) علانية بصحة نظرية كوبرنيكوس وبكونها حقيقة ، أحيل الى محاكم التفتيش واتهم بالهرطقة وأودع السجن لمدة سبعة أعوام ثم أحرق بعدها وهو حي في احدى ساحات روما بعد مصادقة البابا على الحكم .

نشر غاليلو غاليلي(4) نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس علمية ، ، فقام أولاً بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول حركة الاجرام السماوية ، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة مستخدماً التلسكوب الذي صنعه بنفسه . فعقدت محاكمة له من قبل محاكم التفتيش الرومانية سنة 1632م بتهمة الهرطقة وحكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه ، وفي اليوم التالي خفف الحكم إلى الإقامة الجبرية، وتم منعه من مناقشة الموضوعات المتعلقة بالأجرام السماوية وحركة الكواكب .

في سنة 1616م وضِع كتاب كوبرنيكوس (دورات الاجرام السماوية) في قائمة الكتب المحرّمة من قبل الكنيسة ، وفي نفس الوقت صدر قرار من البابا بإدانة جميع الكتابات التي تؤيد حركة الأرض حول الشمس . وظل هذا الكتاب في القائمة السوداء لمدة قرنين، حيث أزيلت عنه لعنة التحريم في عام 1835م .

لقد أطاحت نظرية كوبرنيكوس بـنظرية بطليموس(5) في مجال الفلك ، والتي كانت تذهب الى أن الأرض وليست الشمس هي مركز الكون وأن جميع الكواكب وحتى الشمس تدور حول الأرض ، وقد ساندت الكنيسة هذه النظرية معللة ذلك بأن الأرض مقدسة لأنها مولد السيد المسيح ومن ذلك اكتسبت هذه القدسية ، وقد هاجت وماجت الكنيسة على كوبرنيكوس ونظريته التي غيرت صورة الكون وتفكير الناس ودعتهم لتحكيم العقل والعلم بدل الدين واللاهوت ومنطق أرسطو، وقد أعلنت الكنيسة إن أعظم برهان على فساد نظرية كوبرنيكوس ، أن الكتب السماوية أثبتت أن دعائم الأرض مثبتة تثبيتاً بحيث لن تتحرك أو تتحول عن مكانها، وإن الشمس تجري كل يوم من أحد طرفي السماء الى الطرف الآخر.

كانت الكنيسة قد وضعت أسس ما يسمى بالعلم السلمي، حيث إن الطريق الذي رسمه الدين لكي يكون وسيلة للوصول الى الحقائق المتعلقة بعلم الفلك، هو طريق التفكير اللاهوتي المدعم على أساس النصوص المُنَزّلة في التوراة والإنجيل، التي أكدت على أنه لا يمكن أن يوجد في الكون أكثـر من سيارات سبع .

أن نشر نظرية كوبرنيكوس تعد ضرب لمصالح الكنيسة ونقد منهجها وسياستها واثارة الناس عليها وعلى منطقها وتبع ذلك ثورة الاصلاح الديني في أوربا والتي كانت على يد الألماني مارتن لوثر (١٤٨٣م ـ ١٥٤٦م) والذي كان قسيساً ، الذي نادى بالإصلاح الديني واصلاح الكنيسة ورفض سلطة البابوات وتشويههم لجوهر المسيحية واستغلال سلطتهم الدينية في السيطرة على عقول الناس، وبيعهم لصكوك الغفران ، وكان ضد احتكار الكنيسة لتفسير الانجيل والذي طالب بحق كل مسيحي في تفسير الانجيل ، كما وقف ضد حق الكنيسة أن تكون وسيطاً بين الله والانسان ، مما أدى به للنفي وإدانته مع كتاباته بوصفها مهرطقة كنسيًا وخارجة عن القوانين المرعيّة في الإمبراطوريّة الرومانية .

يعد كوبرنيكوس هو صاحب الشرارة الاولى لانطلاق النهضة الاوربية والضربة الأولى التي زلزلت كيانات الجمود القائمة في عصره بل وصدعتها بغير رجعة وجعلتها غير قابلة للإصلاح ، ان نتائج اطروحات كوبرنيكوس قد تخطت حدود الفلك لتؤثر في الدين والسياسة والفلسفة والثقافة الإنسانية كلها.

الهوامش :
1- نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها.
2- نسبة الى الفيلسوف الاغريقي ارسطو طاليس(384ق.م – 322ق.م) ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين الذي تغطي كتاباته مجالات عدة .
3- جيوردانو برنو (1548م – 1600م) فيلسوف إيطالي حكم علية بالهرطقة من الكنيسة الكاثوليكية . كان راهبا أيضا في البداية ولكنه انتقل من الدراسات اللاهوتية إلى الفلسفة فيما بعد. وقد اعتنق نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض على الرغم من انها كانت محرمة من قبل رجال الدين في ذلك الوقت وذهب إلى أبعد من ذلك بوضعه فرضية أن النظام الشمسي هو واحد من مجموعة نظم تغطى الكون في صورة نجوم واجرام سماوية ، وافترض لانهائية الكون .
4- غاليلو غاليلي(1564م – 1642م) عالم فلكي وفيلسوف ايطالي ، نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية .
5- بطليموس رياضي وجغرافيّ ومنجم وشاعر وعالم فلك اغريقي ولد سنة 87 م وتوفي سنة 150م في الاسكندرية في مصر ، تبني نظرية تفترض أن الأرض ثابتة وهي مركز الكون ، وأن الافلاك تدور حولها.

لا تعليقات

اترك رد