من أعلام النقد التشكيلي بالمغرب طوني ماريني Toni Maraini


 

طوني ماريني، اسم يتداول بتواتر كلما دار الحديث عن الفن التشكيلي بالمغرب. اسم تألق في سماء النقد الفني لدى الأوساط الثقافية والفكرية المغربية. فمنذ بداية ستينيات القرن الماضي نجد اسم طوني ماريني يجاور أسماء لمعت وأرست اللبنات الأولى للنقد التشكيلي كعبد الكبير الخطيبي وإدموند عمران المالح وآخرين. اسم زاوج شخصيات فنية مغربية بارزة كأحمد الشرقاوي ومحمد المليحي وفريد بلكاهية ومحمد شبعة، والعديد من الذين أرسوا محطات الأجيال اللاحقة. اسم لا يمكن الاستغناء عنه كمرجع أساس للكتابة والبحث التشكيليين، لكن العديد من المتتبعين لمسار الحركة التشكيلية، متذوقين وممارسين على السواء، يجهلون الشيء الكثير عن الهوية الحياتية والثقافية والجمالية لهذه المرأة الرائدة.

تعتبر الشاعرة والكاتبة ومؤرخة وناقدة الفن، طوني ماريني Maraini Toni، من أبرز المتخصصين الرائدين في الأدب المغاربي. ألقت دروسها في مدرسة الفنون الجميلة ومعهد الاتصالات السمعية البصرية بالدار البيضاء وجامعة الرباط. شاركت في العديد من المؤتمرات واللقاءات الفكرية حول ثقافات البحر الأبيض المتوسط، وأولت اهتماما خاصا بوضع المرأة بشكل عام. ونشرت العديد من المقالات، والنصوص الهامة، ولها مجموعات من القصائد. تعتبر واحدة من أفضل المؤلفين المعاصرين في إيطاليا.

أقامت طوني ماريني في المغرب ما بين 1964 و1986، وتميزت خلال تلك الفترة بمصاحبتها لرواد الحداثة التشكيلية المغربية، جماعة الدار البيضاء أو ما يعرف بجماعة 65.

جمعت في كتابها، “الشاي الأخير بمراكش Dernier the à Marrakech “، الصادر عام 2007، ذكريات ورؤى ولقاءات العقدين اللذين قضتهما بالمغرب. في كلمات رقيقة تلخص طوني ماريني علاقتها بهذا البلد: ” الخيارات الأخرى لا تثير استياءنا، لكننا نتعامل فقط مع المغرب. لم نستبعد أي فرضية إدراكية جريئة لفهم هذا البلد والعثور على جذوره التاريخية. إذا أردنا أن نفهمه بشغف كبير، فذلك لأننا في يوم من الأيام، التقينا هناك. نموذج عالمي بسط لنا يده. نعلم يقينا أن بلدًا معروفًا يساوي ألف بلد سبقت زيارته. ”

نشأتها ودراستها:
ولدت طوني ماريني Maraini Toni(أنتونيلا ماريني) عام 1941 في طوكيو باليابان، حيث هاجر والداها Fosco Maraini و Topazia Allata منذ 1938. نشأت في بيئة تغمرها الثقافة والفكر والفن، إذ كان أبوها عالما إثنوغرافيا ومصورا فوتوغرافيا، حاملا لشهادات في العلوم الطبيعية والأنثروبولوجيا وحبيبًا للثقافات الشرقية. بسبب أفكاره المعارضة للفاشية، قضى وزوجه وبناته الثلاث، طوني وداسيا ولويزا، سنتين سجنا في معتقلات اليابان، بين عامي 1943 و1945. كانت أمها توبازيا تمارس الرسم وساهمت في التخمين الفني الحداثي بفتحها قاعة للعروض الفنية Trastevere) (Galleria. بينما أختها داسيا ماريني لها مكانتها بين جيل الثلاثينات من القرن العشرين الإيطالي كروائية وكاتبة مسرحية وشاعرة.

تمضي طوني، بعد العودة إلى إيطاليا عام 1947، طفولتها وفترة المراهقة في صقلية، أرض الأم، حيث استقرت الأسرة، وتتلقى دراستها الابتدائية بمدرسة بغيريا العمومية بباغيريا بباليرم. بعد ذلك انتقلت إلى فلورنسا لتعيش مع جدها الأبوي وتتابع دراستها الثانوية. في عام 1958 تسافر إلى إنجلترا لدراسة تاريخ الفن في Arts of Institute Courtauld بجامعة لندن. وفي عام 1962، تنتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد حصولها على منحة دراسية لمتابعة تكوينها بجامعة سميث كوليدج (نورثامبتون، ماساتشوستس)Universty College Smith . في عام 1964، تتوج تكوينها الجامعي بشهادة في تاريخ الفن والأنثروبولوجيا الثقافية. كانت تناوب فترات دراستها مع قضاء العطلة في روما، حيث انتقلت العائلة منذ سنوات الخمسينات ليتابع أبوها رحلاته وإقاماته المتكررة بآسيا، بينما والدتها انشغلت بممارسة الفن.

بين عامي 1966 و1967، أقامت طوني بباريس لتعطي دروسا في إثنولوجيا الشمال الإفريقي لجيرمان تيلون Germaine Tillonبالمدرسة العليا.

غذت تجارب السفر وعلاقتها بوالدها، إضافة إلى نشاطاتها الفنية وصداقات أمها، اهتمامها بالفن الحديث، والفنون والثقافة غير الغربية، والأنثروبولوجيا الثقافية. ففي روما ربطت علاقات بفنانين شباب، منهم محمد المليحي الذي سيصبح زوجها.

في عام 1987، ستعود لتستقر بروما مع بنتيها، من محمد المليحي، موجة ونور شمس.

الإقامة بالمغرب:
بعد رحلتها الأولى إلى المغرب في صيف عام 1963، تعود مرة ثانية في سبتمبر 1964 للإقامة ولتدريس تاريخ الفن بالمدرسة البلدية للفنون الجميلة في الدار البيضاء، ومن تم سيكون لها حضور بارز في اختمار الوضع الثقافي الجديد لفترة ما بعد الاستقلال من خلال حضورها في العديد من الأنشطة الأدبية والفنية، بالتعاون مع فناني المدرسة البلدية للفنون الجميلية البيضاوية وطاقم مجلة أنفاس. كانت طوني ماريني منظرة لأنشطة “جماعة “65 بكتاباتها وشروحها ومداخلاتها، وتعد عضوا فاعلا في الترويج لأنشطة “حضور تشكيلي” plastique) (Présence التي شهدتها ساحة جامع الفنا بمراكش وساحة 16 نونبر بالبيضاء عام 1969، وأنشطة الجداريات التي تم إنجازها خلال شهر ماي 1981 بمستشفى برشيد للأمراض النفسية. كما ساهمت في إنشاء مجلات فنية مغربية Maghreb Art (1965) وIntégral (1971)، ووثقت اسمها إلى جانب كل من عبد الكبير الخطيبي وإدموند عمران المالح في إنجاز أول مونوغرافيا مغربية عن الفنان الراحل أحمد الشرقاوي.

بعد تجربة مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء ستنتقل طوني ماريني إلى الرباط لتدريس تاريخ الفن بمدرسة الهندسة المعمارية من 1979 إلى 1982. ثم تدريس الصورة الجمالية والإيكونولوجيا بمعهد التواصل السمعي البصري بالدار البيضاء خلال الفترة ما بين 1980 و1984.

وعملت طوني ماريني على توثيق هذه الأنشطة عبر نصوص نقدية وكتابات تقديمية لمجموعة متنوعة من الفنانين، نشرت على صفحات جرائد ومجلات مغربية، تعد بحق من المصادر التوثيقية التي تؤرخ لمسار الحركة التشكيلية بالمغرب. وهكذا نجدها تقدم لفناني المغرب بالمهرجان الإفريقي الذي نظم بالجزائر عام 1969، وبينالي بغداد العربي عام 1974، ومؤسسة خوان ميرو في برشلونة عام 1980. إضافة إلى مصاحبتها الفنية لمجموعة من التشكيليين المغاربة خلال أسفارهم إلى كل من الجزائر وتونس ولبنان والعراق ما بين عامي 1972 و1974.

في عام 1978، تشارك طوني ماريني في إرساء الموسم الثقافي لأصيلة، المدينة الشاطئية القريبة من طنجة، إلى جانب محمد بنعيسى ومحمد المليحي الذي كان آنئذ عضوا في مجلس بلدية المدينة. خلال الدورة الأولى قام أحد عشر فنانا بإنجاز جداريات لتزيين أزقة المدينة وإضفاء جمالية مزركشة الألوان على وسطها البيئي. لم يكن وراء هذه العملية أي هدف تجاري بل اعتبرها المنظمون “مبادرة عملية ورمزية تنجز على جدران مهجورة ومتهالكة معرضة لتراكم القمامة”. (طوني ماريني). كانت أول تجربة جماعية للرسم على الجدران في المغرب. ومازال موسم أصيلة يجدد هذه الممارسة في كل سنة منذ انطلاقه عام 1978.

لا تعليقات

اترك رد