الشارع الفلسطيني .. الواقع وضرورة خلق تجارب إجماعية

 

أي مجتمع تسود فيه الإشاعات، هو مجتمع ساكن لا يتحرك، فالإشاعات تحبس العقول، وبذلك تحبس المجتمع. واليوم مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي نلاحظ تصاعداً في حجم هذا الإشاعات إلى درجة أصبحت تظهر كمنهج يقصد من وراءه زعزعة الرأي العام.

تتكاثر في الآونة الأخيرة الوكالات الإعلامية المصدّرة للإشاعات، والتي تهدف إلى تمييع المواقف والآراء المؤدية إلى أي حالة من حالات الاجماع الفلسطيني. إذ تنشر أكاذيب عن لقاءات لم تحدث، وتخترع سيناريوهات خيالية، ومصادرها مظلمة. لا بدّ من اتباع سياسة الحزم إزاء هذه الوكالات التي تسعى لتمزيق الممزق وشرذمة المشرذم، وأعتقد أنها تقوم بمهمتها على أكمل وجه!.

تستوجب هذا الآفة معالجة حقيقية تبدأ من التوقف عن الصمت الرسمي إزاءها، وإطلاق حملات كبرى على كافة الميادين إلى تفعيل دورالمراقبة والمتابعة والتشريع لرصد مصادر وأدوار نشر مثل هذه الشائعات وفضحها.

في نفس السياق يُلاحظ تدني كبير في التفاعل الشعبي مع القضايا الوطنية المختلفة، وخمول عام في الشارع الفلسطيني مرجعه الانقسام الفلسطيني والسموم التي تبثها

الوكالات الإعلامية الصفراء، والإشاعات المدمّرة والمثبطة التي تنتشر على وسائل التواصل الإجتماعي.

المشاركة في العمل الوطني ليست خياراً ظرفياً بل منهج أصيل أسست له الحركة الوطنية الفلسطينية التي خرجت من رحم الواقع الإحلالي الاستعماري الذي فرض نفسه في نكبة عام 48، ذلك العام الذي مثّل صفر الهوية الفلسطينية. وفي سبيل عودة هذا المبدأ إلى الترسخ في الوجدان الفلسطيني، لا بد من خلق تجارب إجماعية وطنية فلسطينية تتجاوز كل العراقيل.

يمثل الاعتصام المفتوح في قرية الخان الأحمر البدوية، الرافض للقرار الإسرائيلي القاضي بهدم التجمع الذي يأوي 42 عائلة بدوية فلسطينية من قبيلة “الجاهلين” منذ ما يقارب الأربعة شهور أنموذجاً مميزاً من التجارب الإجماعية الفلسطينية، حيث أن مقاومو الخان الأحمر وأهلها صمدوا وقاتلوا وسجلوا ملحمة عظيمة في الثبات والبطولة.

ما ميز هذه التجربة أنها لاقت انخراطاً من كافة المستويات الشعبية والرسمية وغير الرسمية، ما جعلها تأخذ زخماً دولياً، حيث أن هذه التجربة وصلت أروقة الأمم المتحدة، حينما أشار إليها الرئيس محمود عباس في خطابه أمام الجمعية العامة في أيلول الماضي، إلى جانب التنديد الدولي الواسع الذي لاقاه الاحتلال الإسرائيلي في ضوء قراره هدم الخان الأحمر.

إن انطلاق الرئيس عباس في خطابه أمام العالم متسلحاً بهذه التجربة الإجماعية، وتأكيده على أن المقاومة الشعبية مستمرة ومتصاعدة، إلى جانب استمرار الصمود السياسي الرسمي، يعكس مدى أهمية المبادرات الوطنية الإجماعية الفلسطينية، التي تجبر كافة المستويات على دعمها وتدعمها في آنٍ واحد.

المرحلة المقبلة تحتاج من كافة القطاعات كلٌ في تخصصه التركيز على خلق تجارب تجمع الفلسطينيين، حيث أن تجربة مميزة واحدة على غرار الخان الأحمر كفيلة أن تحدث حالة من الإرباك في صفوف العدو. وخلاصة القول أنه طالما تعاملنا مع العمل الوطني والمشاركة به كمنهج وليس كخيار فإن الانتصار الحتمي هو من نصيبنا.

لا تعليقات

اترك رد