عطر باسم الكربلائي

 

اقرأ منشورات كثيرة من أشخاص متباينين ثقافياً وفكرياً يتشارك أغلبهم في نقد المنشد الحسيني باسم الكربلائي بسبب ترويجه لماركة عطر تحمل ثيمته، والحقيقة أني لا استغرب ردود الأفعال هذه لمجتمع يرفض أن يرى الدين على حقيقته!

الدين في (واقعه) مشروع دنيوي يهدف لتحقيق مكاسب وأهداف بشرية دنيوية، وهو أحد أهم ركائز السلطة، والسلطة التي تعتمد على ثالوث المال والدين واحتكار العنف وظفت الدين عبر قرون طويلة لضمان الاستقرار.

الدين مثل القضاء والقوانين وظيفته الرئيسة مساعدة الضعفاء والمقهورين على الشعور بـ(إمكانيّة) العدالة، لاحظوا كلمة (إمكانيّة) لأن الضعفاء والفقراء والمقهورين وحدهم من يحبون العدالة ويتطلعون لها، ويعتقدون أنها (ممكنة) التحقيق.

المسافة بين الدين والمال والسلطة هي المكان الذي يستوطنه ملايين، بل مليارات الحالمين والمشتاقة أرواحهم للعدالة والسلام، متى تماهت هذه المسافة فقد هؤلاء (المتديّنون) الحلم والأمل والأمان معاً ما يحدث ارتدادات غير مسبوقة وغير متوقعة أبرز ملامحها رفض الدين والثورة ضد الله!

قد تكون هذه الثنائية معقدة بعض الشيء، لأن تاريخ الدين يؤكد أن المال أحد أهم أدوات المشاريع الدينية عبر التاريخ، المعابد دائماً تكون مظاهر للثراء عن طريق تزيينها بالذهب والجواهر، والسجاد الفاخر، والنقوش، والمنحوتات الباهظة الكلفة، والطقوس الدينية عادة ما تتضمن مظاهر من البذل وجمع الأموال والقرابين والتبذير في بعض الأحيان، ورجال الدين يسيطرون على أموال كثيرة جداً ويتحكمون فيها على الرغم من حديثهم (الممل) عن الزهد والإيثار.

هامش من الوهم الجميل أشبه بنشوة السُكر والجنس يسيطر على علاقة (المتديّنين) بالدين، من جهة أن المتديّن يلاحظ علاقة (الدين) بالمال والسلطة، وهو يدرك أن أزمته المجتمعية سببها المال والسلطة، لكنه ينتشي حين يقتطع رغيف أطفاله ويتبرع به لرجل الدين الذي سيقيم وليمة طعام ليعود لأطفاله الجياع، ويقول لهم انظروا كيف أن رجل الدين سخي وكريم بينما الأغنياء بخلاء جاحدون!

باسم الكربلائي من العاملين في المجال الديني العام، وهو من دون شك شخص مبدع ومتقن لفنّه ومجدد في مجال عمله واِستَطاعَ بجدارة ونجاح أن ينقل (الإنشاد الحسيني) من بيئته الفجائعية الطقوسية الضيقة إلى فضاء الإنشاد والغناء والفن، وأصبحت أَعْماله تنال اِهتِمام أشخاص غير مهتمين بالطقوس العاشورائية بالضرورة؛ لكنه ينتمي للتحول الذي تعيشه البيئة الدينية منذ ثورة الخميني في إيران عام 1979 حيث تغيرت علاقة المؤسسة الدينية الشيعية التقليدية بالسلطة والمال، وفي الوقت الذي نلاحظ المراكز الأكثر قدسية عند الشيعة تحتفل بين فَترة وأخرى بافتتاح مستشفى اِستثماري باهض التكاليف ومشاريع زراعية ضخمة جداً، فضلاً عن شركات إنتاج اللحوم والمواد الغذائية وغيرها من المشاريع الاستثمارية في قطاع الإسكان. كل ذلك يحدث في مدن يسكن فقراؤها المقابر وغرف الصفيح ومخيمات النزوح، وينتشر أيتامها وأراملها في تقاطعات الطرق طلباً لما يجود به المحسنون، الأمر الذي يعرض الكثير منهم للابتزاز والاستغلال الجنسي وتوريطهم بأعمال غير مشروعة أخطرها تجنيدهم أو اِستخدامهم من قبل جماعات إرهابية.

ثنائية تناقضات (مبررة) تجعل بابا الفاتيكان يشدد قبضته على صولجانه المصنوع من الذهب الخالص والمرصع بالنفيس من الجواهر حين يطالب الأغنياء بإنقاذ الأطفال الذين يموتون جوعاً وحرماناً في أفريقيا، هذا المشهد السريالي يعيد نفسه مع خطيب الجمعة في العراق حين يدعو الأغنياء والحكام لإنقاذ المرضى المحتاجين للدواء والأيتام الفاقدين للمأوى والجياع المحرومين من الطعام بعد توبيخهم ووعظهم بضرورة الزهد والابتعاد عن مظاهر الثراء في القصور المحصنة، هذا وهو يقف تحت سقف من الجواهر والزجاج والتحفيات في ضريح تكتسي جدرانه وقبابه بالذهب الخالص!

الكربلائي حين يعلن عن استثماره في مجال العطور لا يختلف كثيراً عن الطبقة الحاكمة في العراق عن طريق استغلال الدين، والجماهير التي هتفت ضد الأحزاب الحاكمة في العراق في مظاهرات شعبية مليونية “باسم الدين باكونا الحرامية” ستهتف يوماً ضد استغلالها من قبل المؤسسة الدينية التي لم تضمد جراحها، ولم تمسح على رؤوس أيتامها.

لا تعليقات

اترك رد