هل حل الدولتين هو المضمون الفعلي للسياسة الأمريكية ؟

 

ما بعد حرب 1973 هناك جدال سياسي حول قضايا مصيرية مثل الاعتراف بالقرارين 242 و 338 ومحاولة البحث عن حلول مباشرة للقضية الفلسطينية.

في زمن الحرب الباردة كان كل طرف يسعى لتوظيف الصراع العربي الإسرائيلي لتعزيز نفوذه ومواقعه في المنطقة، وقد أعطى وزير خارجية ريغان الكسندر هيج الضوء الأصفر لإسرائيل بتصفية منظمة التحرير عندما غزت إسرائيل لبنان في عام 1982.

محاولات مبكرة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بقيادة أمريكية لكنها فشلت:
ريغان هو أول من أطلق أول حوار رسمي مع الفلسطينيين عام 1988، إلى أن أطلق الرئيس بوش الأب في عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مبادرة يطلب فيها الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية إلى مغادرة ميادين الحرب واعتماد طريق السلام من خلال التفاوض المباشر عن طريق وزير خارجيته جيمس بيكر، وبوش الأب هو أول رئيس يربط المساعدات الكبرى لإسرائيل بوقف الاستيطان لذلك لم يحصل على فترة رئاسية ثانية مما يكشف عن مدى قوة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الذي يتحكم حتى بتنصيب الرؤساء.

بالفعل حقق عام 1993 التوقيع في أمريكا على اتفاقية برعاية بيل كلينتون بين الجانبين سمي باتفاقية أسلو بعد مناقشات سرية في أسلو عام 1991 سميت بمؤتمر مدريد على أن تناقش ثلاثة قضايا خلال ثلاثة أعوام مقبلة تتعلق بالقدس واللاجئين والمستوطنات والمياه والحدود، لكن تم إغراق الجانب الفلسطيني في معالجة التفاصيل بدلا من معالجة هذه القضايا الجوهرية، رغم أن الرئيس ياسر عرفات وافق على مضامين الاتفاق بعد 18 شهرا من اتفاقية أسلو، وقدم تنازلات، واعترف بالسيادة لإسرائيل على الحي اليهودي في القدس الشرقية العربية المحتلة، وأعرب عن تأييد المثقفين الفلسطينيين إلى وقف العمليات الاستشهادية، يعتبر تحولا رئيسيا في موقف الرئيس الفلسطيني لكن إسرائيل لم تصدق ذلك.

أحداث 11 سبتمبر 2001 غيرت من مسار اتفاق أسلو استثمرته إسرائيل:
بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 استثمرت إسرائيل الغضب الأمريكي من العرب وشن شارون ما تسمى بعملية السور الواقي، ولأول مرة كان رد الفلسطينيين على هذه العملية بالعمليات الاستشهادية، ولأول مرة جعلت العمليات الاستشهادية الإسرائيليون يصوتون بنسبة 54 في المائة بأن المشروع الإسرائيلي لا يمتلك حل لأي من الأزمات العصية التي تواجهها إسرائيل منخفضة من أعلى تصويت حصل عليه رئيس وزراء إسرائيلي في مايو 2002 بنسبة 74 في المائة لشارون، في المقابل دلت نتائج الاستطلاع عن تأييد فلسطيني للعمليات الاستشهادية بنسبة 86 في المائة مقابل جدال داخل الساحة الفلسطينية حول بيان المثقفين الفلسطينيين الداعي لوقف العمليات التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين، وهو ما يؤكد فقدان الأمل لدى الجانبين.

مستشاري بوش الإبن المقربين من إسرائيل أقنعوا بوش بأن الصراع العربي الإسرائيلي لا يشكل تهديدا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بل العراق هو الذي يهدد المصالح الأمريكية:
في ظل هذه الأحداث ألقى بوش الإبن خطابا طالب الفلسطينيين بالتخلي عن الرئيس ياسر عرفات كزعيم لأن مستشاري بوش مثل نائبه ديك شيني ووزير دفاعه رامسفيلد لا يعتبران النزاع الفلسطيني الإسرائيلي يشكل تهديدا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط للمصالح الأمريكية، فيما تم تركيزهم على العراق بأنه هو الذي يهدد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، بل والغريب أن أيهود باراك أعتبر أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يعرقل جهود الإطاحة بصدام حسين، واعتبر أن المبادرة السعودية التي تنادي بإعادة حدود عام 1967 بدلا من إقامة حدود آمنة لإسرائيل ومعترف بها وأن المبادرة لم تذكر الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية إلى أن تم التخلص من ياسر عرفات في نوفمبر عام 2004 في باريس بجانب التخلص من العراق كقوة إقليمية عربية.

رفضت إسرائيل في عهد شارون التنازل للفلسطينيين، لكنها كانت تطالب بوقف العنف أولا وضمان ألا يكون أي إيقاف للعنف مؤقتا، وهناك مطالبات حول إصلاح جوهري للسلطة الفلسطينية، وكان الجسر الذي يربط بين الطرفين بعد التوقيع على معاهدة أسلو في واشنطن عام 1993 هو الجدول الزمني الذي يعتمد على الأداء، والذي لعبت عليه إسرائيل، وجعلت هذه الساعة تتوقف لفترة طويلة من الزمن ولم تسمح بتحققها، أي أن الفلسطينيون يحققون تعهداتهم والإسرائيليون لا يفعلون ذلك، ما يعني أنها لم تكن جادة نحو السلام والسماح بإقامة الدولتين جبنا إلى جنب.

في المقابل، من الوهم أن تقوم دولة فلسطينية في ظل سلطتين وهو ما تتذرع به إسرائيل، وهناك مليشيات متعددة كل مليشية مدعومة من دولة أجنبية مثل حماس قبل أن تسيطر على غزة، والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الأقصى ببرامجها الخاصة قد تكون سياسة عندما تحل الدولتين تنتهي هذه المليشيات وهذا التقسيم.

ضعف العرب اقتصاديا لم يتمكنوا من فرض أجندتهم على أمريكا في حل الصراع:
لم يكن العرب في عام 2002 يمتلكون الإمكانيات الاقتصادية والعلمية، وكان ناتج الدول العربية كافة من دون البترول نحو 230 مليار دولار، أي أقل من دولة صغيرة في أوربا مثل هولندا ناتجها المحلي يصل إلى 360 مليار دولار، وثلث ناتج إيطاليا وخمس ناتج فرنسا، وهي المعضلة الحقيقية بأن العرب لا يمثلوا قيمة حقيقية يدعمون قضيتهم المركزية.

كان بوش الإبن بعد أحداث 11 سبتمبر يبحث هو ومستشاروه عن إجابة لسؤال لماذا يكرهوننا أي العرب والمسلمين، لكن مستشاري بوش كان من أبرزهم كارل روف ونائب الرئيس ديك شيني ووزير الدفاع رامسيفلد أشاروا عليه باحتلال العراق بدلا من إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيلية، ولم يكترث في البحث عن إجابة على السؤال الذي تم طرحه، فيما زادت الكراهية من جانب العرب والمسلمين لأمريكا بعد احتلال العراق.

في الجانب الآخر كان الشعب الإسرائيلي يعيش في حالة من القلق، وسبق أن كتب كسفيت في صحيفة معاريف عام 2002 عن قضية المستوطنات، فيقول يجب قول الحقيقة بأن الجيش لا يستطيع أن يدافع عن كل الكرافانات المنتشرة في الضفة الغربية، ومن أجل توفير رزمة الدفاع يجب أن نستورد الجيش الصيني، وهو من الأشخاص الذي يدعو إلى نهاية الأمر، ويقول لن يكون هناك مناص من التوصل إلى حل مع الفلسطينيين، فالمستوطنون يعرضون حياتهم للخطر، ولم يكن هناك حل سوى بناء جدار فصل مادي على ضوء فشل الخيار العسكري في ظل غياب حل سياسي من قبل الطرف الإسرائيلي.

هذا نوع من الجدل الذي يدور داخل المجتمع الإسرائيلي، ويرونها مثل الجدار الواقي، ألاعيب يروج لها السياسيون من أجل مصالحهم، فحتى المجتمع الإسرائيلي هو أيضا يدور في دائرة الوهم بسبب سياسييه الذين لا يرون حلا سوى في حملة عسكرية شاملة، خصوصا بعدما جرب الفلسطينيون انتفاضة الحجارة فكانت الخسائر آحادية الجانب تحملها الشعب الفلسطيني وحده، إلى أن اندلعت انتفاضة الأقصى في 29 سبتمبر 2000 ( العمليات الاستشهادية ).

تأخر حل الصراع أوجد العمليات الاستشهادية التي حولت من الخسائر الآحادية إلى خسائر ثنائية التي انتقلت بعد ذلك واتسعت دائرتها إلى العالم:
لأول مرة في تاريخ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني تتحول الخسائر من آحادية الجانب إلى ثنائية الجانب، جعلت العالم يطالب بضرورة إيجاد حل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن العمليات الاستشهادية لم تكن مقتصرة على الثكنات العسكرية، بل كانت تستهدف حتى المدنيين والتي استنكرها حتى المسلمون، وكانت هناك وثيقة المثقفين الفلسطينيين التي ترفض استخدام العمليات الاستشهادية التي تستهدف المدنيين والتي أصبحت فيما بعد أداة الإرهاب العالمي وكيف أن الظلم يولد أخطاء.

منذ ذلك الوقت بعد أحداث 11 سبتمبر يبدو أن هناك سقوط عملية التسوية السياسية وهي استراتيجية دولة عظمى، يعيد المسألة الفلسطينية إلى إطارها الصحيح، أي إلى إطار الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما حاولت الولايات المتحدة أن تلغيه منذ مدريد 1991 وأن تحوله إلى مفاوضات ثنائية بين إسرائيل وكل دولة عربية على حدة يدور حول قضايا جزئية، ولكنه لا يدور حول القضية الفلسطينية وقضاياها الأساسية.

لا تعليقات

اترك رد