صراع الأضداد في المنطقة العربية


 

استطاع الإنسان الحديث التخلص بشكل واضح من نزعات الشر ودوافع الكراهية، ليس من الداخل الإنساني تماما، ولكن بالشكل العام في المجتمع والدولة الوطنية الديمقراطية، بعد إحتكاك الأفراد هناك بالقوانين والدساتير المدنية والقيم العلمانية والمناهج التعليمية التى وضعت حدودا للممارسات اللاأخلاقية بعد تعريفها وحث الناس على الإبتعاد عنها لما تمثله من عوامل للتفتيت المجتمعي والصراعات السياسية والحروب الأهلية أو العابرة للقارات.

وكان نتاج هذا، أن استقرت أوروبا ودول الغرب وحظيت بسلام مجتمعي وسياسي يغلب عليه طابع الرفاه والتعايش والحوار بعد أن استطاعت الرأسمالية جعل مفهوم الصراع مفهوم غير تناحري، أي ليس صراعا لقضاء طرف على الطرف الآخر، وإنما صراع في إطار مطالب قانونية ودستورية ضمن العملية الديمقراطية وتداول السلطة. أي هناك أيضا استطاع الإنسان تفريغ الطاقات السلبية التى يحملها كل فرد، الي أشكال مختلفة من العطاء والإنتاج في مجالات متعددة ومختلفة، قد يخطأ بها الفرد ولكن يتم تحسين نتائجها بعد فترة بناء على دراسات وبحوث وبالتالي وضع صيغ جديدة للتغلب على الأزمات بكل جدارة.

يغلب على مجتمعاتنا العربية اليوم، وتاريخيا منذ القدم، صراع الأضداد، وهو الصراع الذي يأخذ طابع الحراك الفكري والتنازع السياسي والصراع الأهلي لأسباب غالبا ما تكون غير موضوعية ولا عقلانية لأن مجتمعاتنا لم تصل بعد الي تفكيك جذور تلك الصراعات والتنازعات لانها قائمة على ضدين مختلفين تماما يشكلان عداء طويل الأمد وخاليا من أي فرصة للحوار والتعايش. بمعني أن الأضداد هنا، وهي على سبيل المثال: الإيمان أو الكفر، الأصالة أو الحداثة، الصراع الاسرائيلي العربي، المواجهة العربية الايرانية، الشريعة أو الديمقراطية، الحرية أو العبودية، الشك أو اليقين..الخ

تمثل ظاهرة تحمل النقيض أو الضد لها وتدور ضمن سياسات معينة وثقافة سائدة ودعم سلطوي وجماهيري يغيب فيه التوصل الي صيغ توفيقية.

ورغم أن صراع الأضداد في كل ظاهرة، طبيعية أو أجتماعية أو فكرية أو سياسية، ليس صراعا لا ينتهي الي هدف، وإنما يخضع في صيرورته الي عملية تركيب داخلية تنتهي الي خلق كيان جديد قابل للبقاء وفق شروط عقلانية، وهذا لا يحدث الا في دول ومجتمعات يحمل مواطنوها ثقافة عالية وديمقراطية ليبرالية وحريات فردية.

وتتعدد أسباب صراع الأضداد في منطقتنا العربية لأسباب جوهرية قائمة فكريا ودينيا وتاريخيا وثقافيا. ولعل أهمها غياب قيم التعددية وقبول الأخر المختلف والتعايش مع مختلف الأفكار والمعتقدات. فهنا لا تكون الأضداد مجرد صراعات بل تأخذ مع مرور الوقت طابعا عدائيا سرعان ما يتحول الي حروب طاحنة وطاقة تدمر المجتمع وتعبث بالإنسان وتطلعاته وأحلامه. بينما من الطبيعي أن يكون بكل مجتمع أضداد فكرية وأيديولوجية وتاريخية، فهي بنفس الوقت دلالة على صحة هذا المجتمع وتقبله لجميع الأفكار، ولكن تكمن المشكلة حين يريد أحد الأطراف أو التيارات أو السلطة السياسية احتكار أدوات الإنتاج وفقا لرؤيته وأيديولوجيته. فتظهر بعد ذلك قوة صراع الأضداد لتتحول الي طاقة مدمرة وعامل كبير لتفتيت المجتمع وفئاته. وهو ما نشهده اليوم بحضور الأضداد وتمكنها من الإنسان وتحريك عقله بالضد لما لا يؤمن به، فالمواطن العربي، ونتحدث هنا عن الفرد الحر المغاير لسلوك الجماهير، يعيش صراعا كبيرا ضمن ظاهرة الفردية مقابل ضدها الجمعية. بمعني أن الإنسان الحر في مجتمعاتنا يعاني من تفوق الضد المغاير له، وهو غالبا ما يكون العادات والتقاليد والأديان والثقافة المجتمعية السائدة. حتى أصبح الإنسان الحر، من التنمر السياسي والاجتماعي الموجه ضده، كائنا قابعا في أنساق لا شعورية، تجعله مستلبا للدرجة القصوى التي يعجز فيها عن التفاعل المجتمعي، من خلال التعطيل الفعلي والكلي لقدراته في التفكير والحرية والإختيار، ليكون معتمدا على ذاته مقابل الضد الأقوى الذي يريد إقناعه بعدم جدوى

المقاومة، بل ويفرض عليه بأن كل خطوة يقدم عليها، لابد أن تكون بمعرفته ومشورته وتحت رعايته. وشيئا فشيئا تغيب الذات الحرة في المجتمع، وكأن محوا جماعيا منظما يحاصرها طالما ظلت راكدة على هذا النسق الحر.

وحتى نصل إلى معرفة كيفية تواجد الأضداد واستمرار قوتها في مجتمعاتنا بشكلها السلبي، ومحاولة بناء صيغ تكاملية علينا في البداية مصارحة أنفسنا ومجتمعاتنا بوجود هذه الأضداد وحقيقة التنافر بينها. وأن لا نتوقف عند امتلاك الحقيقة المطلقة من دون التفكير الجدي بالتحرك لمناقشة الأضداد للتوصل إلى سياقات فكرية وسياسية واجتماعية تخضع للمشترك الإنساني الرحب وتضع الإنسان على قمة هرم المصلحة مع اختلافاته وانتماءاته. علينا اليوم تجاوز ذاتنا والقبول بمراحل جديدة فرضتها حتمية التطور العام للبشرية، فالعالم يتغير باستمرار، كما تتغير مياه الأنهار، فلا شيء ساكن بالكون إلا الموت، وكما تتغير الحياة بفصولها الأربعة، فان الوعي والمجتمعات والمعطيات الموضوعية تتغير. فالتناقض هو جوهر الوجود، وحالة مستمرة قد تفسرها لحظات لم تكن مقدرة ولكنها نتجت بالتراكم المعرفي، لتظهر حالة جديدة قد يبدو أنها أفضل من سابقتها.

إن جدلية الأضداد في النسق العام متواجده في كل الظواهر ولا تعني غلبة أحد على آخر بقدر ما هو اقتسام طبيعي وإيمان بالإختلاف وقبول بالمغايرة. وهنا علينا تماما أن نقتنع بأهمية قدرتنا على تجاوز الآثار السلبية للأضداد وبناء الفضاءات المعرفية التى يكمن بداخلها العقل الواعي الحر.

لا تعليقات

اترك رد