المتحف خاوي

 

لكم كنت محظوظا بزيارتي الى المتحف العراقي ببغداد في سفرتي الاخيرة إلى العراق.
و لقد دهشت من ضخامة المتحف و عدد اجنحته التي هي مقسمة الى الحقب التاريخية للعراق. ففي كل جناح نجد عدد كبير من التحف الاثرية التي تعنى بكل حقبة زمنية، بدأ من آثار الإنسان ما قبل التاريخ (70000 سنة)، ثم العصور الحجرية المتعددة، مرورا بالحضارات الباهرة ل سومر و بابل و أكد و اشور، و من ثم الحضارات الغير مشهورة مثل الحضر و الإغريق و المصريين و طبعا الفرس، و انتهائا في الحضارة الاسلامية منذ عصر الاسلام الاول، مرورا بالعصر الذهبي و إلى يومنا هذا.
و لقد امتلأ هاتفي الجوال بالصور التي رحت التقطها كما لو كنت جاعا وجد نفسه في مطعم بوفيه مفتوح.
و لم يكن طاقم المتحف أقل أهمية، فهم كانوا ودودين و ضليعين في المادة التاريخية، حتى انهم كانوا بكل سرور يشرحون تاريخ قطعة معينة بشكل ممتع و مفصل.
ولكن اكثر ما جلب انتباهي من كل هذا و ذاك هو أن المتحف كان خاوي من الزوار، فعدد الزوار كلهم لم يتجاوز الستة، أنا و ثلاثة من اقاربي و إثنان يبدوا أنهم مخطوبان. أين الناس؟ صرت افكر مع نفسي، ففي الخارج تعج الشوارع بالناس و لكنهم مشغولون بأمور معائشهم كالبيع و الشراء او التسكع، و هنا مربط الفرس.
فالمتحف و المكتبة و المعارض الفنية ناهيك عن المسارح و دور السينما، فتلك أماكن لا يرتادها الناس بتلك النسبة التي تتناسب مع عدد افراد الشعب و الوضع السياسي و الحضاري في الحقبة الراهنة.
و في المقابل تجد الناس يتهافتون بزخم كبير على المزارات الدينية و دور العبادة، او المتزهات البائسة او حتى المطاعم، فما هي الثقافة التي يحصلون عليها؟

أنا اعتبر هذا الموضوع في غاية من الأهمية لأن هذا هو جوهر مشاكنا و حلولنا. فالكأس لا يمكن أن يملأ اذا كان أصلا ممتلئ. فنحن كشعوب شرق أوسطية مررنا في حقب سياسية مشوهة دفعتنا و تدفعنا الى يومنا هذا في اتجاهات مختلفة فقط لكي تحفظ الطبقة الحاكمة لنفسها موقع السلطة. فتارة كنا (شعوب الدول العربية المختلفة و العراق خصوصا) نحكم من قبل حكومات ملكية و من ثم حكومات اشتراكية، يليها حكومات قومية و اخيرا اليوم عندنا الحكومات الدينية.
نعم انا اعمم الوضع هنا، لكن حاول ايها القارئ الكريم أن ترى النقطة التي احاول ان اكتب عنها، فالاتجاه العام الذي اشير إليه ما هو إلا الاتجاه العام الثقافي و الفكري الذي تفرضه الحكومات على الشعوب لكي يقودنهم فكريا قبل ان يقمعوهم ما اذا شطوا عن الطريق.
لكن ما هي تلك الثقافة التي نحصل عليها من ذلك المنهج السياسي الفاشل؟ في الحقيقة ما نحصل عليه هو شعوب تائهة فكريا و ثقافيا. لذا كان من الطبيعي أن نكون شعوب متخلفة، فمن أين تأتي حياة الشعوب إلا بمفكريها، و إن كانت الأرض التي تنبت المفكرين (المتاحف و المكاتب و المعارض و المسارح) هي أرض متروكة، حينها سوف تظل أوطاننا أرض بور.
هذا ليس مقال ذم للحال الراهن بل هو حث على التحرك نحو اعمار الأرضية الفكرية عن طريق ارتايد دور الحضارة. و حتى و لو لم يكن هناك مؤسسات قائمة تعنى ببناء و ادارة تلك الاماكن، فلنكن نحن الأفراد من يحدث التغير. فلنبني مكتبة صغيرة او حتى مسرح مصغر او حتى أن نأخذ افراد اسرنا او اصدقائنا إلى المتاحف او الاثار المجودة في محيطنا، فلربما حصلنا على وجهات نظر جديدة ترفع من مستوانا الفكري و بهذا نصنع مجتمع قويا فكريا ، ومن ثم قوي على ارض الواقع.

لا تعليقات

اترك رد