الخيمة (320) رائعة أدبية بأنفاس كوبانية


 

استيقظت صباحاً. على أحيح أبي، وهو يعدُّ شايه الصباحي اليومي. أمام تراتيل القرآن التي كنت أسمعها بصوت عبد الباسط عبد الصمد، عبر اليوتيوب، تلاها ترنيمات فيروز، سيدة الصباح الأولى والأخيرة، وأخيراً أغاني شفان برور.

كنت بحاجة ماسّة إلى جلسة هادئة دافئة، لأقرأ الوجع الكوباني، ككلّ أوجاع سوريا، الذي سرّده الروائي المُبتدئ المُحترف «محمد م رمو»، بنفس عميق وصادق، ليستبدّ بي الخيال والوحي، وأنتهي من كتابة نصّ شعري، من الألم الذي عشته في حروف الرواية.

قد يُسجّل لـلروائي محمد م رمو أنه من أوائل مَن كتبوا رواية تتناول رحلة النزوح من الغرب الكوردستاني نحو شماله، من خلال رواية “الخيمة 320”. التي تتجاوز صفحاتها عشرة بعد المائة، تتحدّث عن اللاجئ والمخيّمات بشكل أساسي، وعن الوطن، والحرب، والتشرّد، ومجزرة كوباني التي راح ضحيتها أكثر من 600 مدني، واللجوء نحو أوروبا حيث الغرق والغربة والمرارة، قرأتها بشكل مشترك مع صديقتي النازحة “دوزكين حمي”، التي ردّت عليّ بقراءتها ونقدها، عند الانتهاء من الرواية:

“تذّكرت كلّ شيء حدث، حقائبنا الثقيلة المليئة بالألبسة والاحتياجات والطعام البائت. أصوات القذائف. الدخّان المتصاعد من كلّ شيء. خروجنا من البيت. إحدى عشر يوماً قضيناها على الحدود. الغبار. الألغام. أصوات البوليس التركي من وراء الحدود وهم يشتموننا. وجوه الناس العابثة التائهة الباكية المرسومة بخرائط من جداول الدموع والغبار. لجوءنا في تركيا. اليوم الذي قضيناه في الحديقة. نومنا تحت المطر هناك. الليلة الثانية في فندق سلوبي الواقع على الحدود بين شمالي وجنوبي كوردستان. وجوه المهرّبين وتهديداتهم. حدود إقليم كوردستان. الماء. البرد. الخوف. الوجوه التي استقبلتنا هناك. البيشمركة. موظّفو المنظّمات. الفترة التي قضيناها في المخيم إلى أن انتقلنا إلى مدينة دهوك”.

تتابع بحزن عميق:
“لا أعلم!! الرواية مؤثّرة ومتأثّرة، بالذي عشناه، بالذي مررنا فيه، بكلّ التفاصيل الصغيرة والكبيرة”.

تنتقد الرواية لتقول:
“لقد اندمجت بالرواية بكلّ حوّاسي، عدا عن آخر ثلاثة أحداث، وهي غرق بَيمان، وأكل الذئاب لشفان، ولقاء وليد بمُنى صدفة، شعرت أنني في فيلم هندي، وهذا ما لم يعجبني في الرواية، ولا أعلم مدى مصداقية اللقاء بين وليد ومُنى، ناهيك على أنه كان بارعاً في سرد الأحداث والقصص”.

الروية واقعية وأدبية، بحوادث مختلفة التأثير، مثّلها عدّة شخصيات على مسرح الحياة الكوبانية الواسعة. سردها الكاتب بخيال واسع وصدق في التعبير عن واقعيتها، بطريقة سردية جميلة وممتعة ومؤثرة، حيث يستطيع أيّ قارئ أن ينتهي منها خلال يوم واحد، ليعيش أياماً من الألم والبكاء، زوّدها بقصتي الفقدان والصدفة، التي كانتا قاسيتين جداً بنهايتهما ومأساتهما.

يسرد الكاتب قصة الخيمة 320 بأسلوب أدبي شيّق خيالي، مليء بالصور البيانية الحية, والكنايات والاستعارات الواقعية المرّة، التي يعيشها الكوبانيون والكورد والسوريين على أنقاض هذه الحرب التي تقوقعت في أنفسنا وجغرافيتنا، والأهم أن الرواية تعبّر عن واقع الشرق الأوسط بصورة واسعة.

شخصياتها كانت بسيطة مليئة بالتفكير العميق بالأشياء التفصيلية، قريبة جدّاً إلى واقع الريفيين واللاجئين البسطاء والتعساء، حزينة لدرجة أن الحزن يلامسها كالطقس بشروق شمسه وغروبه، أفكارها أطهر من قلوب السياسيين وبائعي الوطن وتجّارها، فوليد وشفان وبَيمان ومُنى بوصفهم شخصيات لها أسماء، وأيضاً جدّ وليد وعمّه، وذاك الشيخ الخمسيني العمر، والذي كان يرافقه شفان، ذاك الشابّ الذي أكلته الذئاب، وهي شخصيات عاشت بزمانها ومكانها في كوباني وسروج ويونان ومقدونيا.

شخصية وليد كانت شخصية غزّالة صادقة متشائمة قويّة نوعاً ما، مع محيطه ومع نفسه، هذا العاشق المتعب الكثير التفصيل والشرح والفكر بنفسه والماضي والحاضر والمستقبل، حيث تقول الفتاة لوليد، بعد أن جمعهما القدر والصدف:

* سأهديك شيئاً، ولكن عدني أن تحافظ عليه، ولو تكالبت عليك أمم الأرض.
* هذا ما يربطني بك، إنه بمثابة خاتم خطبتي لك، إن أردت أن تستمرّ، فاحفظه في قلبك؟
تقول بيمان، شقيقة وليد «بطل الرواية، ذاك الذي يعيد شريط ذاكرة طفولتنا ومأساة لجوئنا»:

“صديقتي قالت لي:
* إن الرحلات جميلة، تتطيّب بها روحك، فترى الأماكن الأثرية، وتأكل ما لذّ وطاب، ولا تشعر بالعطش.

قاطعها شفان بسذاجة:
* متى ننتهي من طلباتك؟! فردّ عليه وليد:
* دعها يا شفان تقول ما تشتهي”.

إن عبارة “دعها تقول ما تشتهي” قد تزرع في نفس القارئ آلاف الآلام والنكبات، فلعلّ الحرب والتشرّد هما مَن منعا وليد ليقول العبارة الصحيحة والحقيقية “دعها تأكل ما تشتهي”، إلا أن النزوح نحو الذات بواقعية لم تخلُ من معاناة اللاجئ السوري خلف أسلاك المنفى كان له كلمة أخرى.

لم يصف الكاتب وحشية وآلام الحرب، بقدر وصف نتائج وحشيتها التي ألقت بظلالها على النفوس والبيوت والقرى والطرق والخيمات والحدود الطبيعية والبحرية، ومع هذه الوحشية والصور الوحشية عاش بطل الرواية قصة حبّ مغموسة بالألم والأمل، حيث التقى بمُنى (حبيبة وليد وناكصة العهد) أول مرّة في الجامعة وضيّعها، ثم التقى بها أثناء قوافل النزوح وأيضاً ضيّعها، إلى أن وجدها في مخيم “آفاد” للاجئين، ثم هي بنفسها تركته دون خبر أو عذر.

الرواية من إصدارات دار (نون4) للنشر والطبع والتوزيع، وتتألف من ستة فصول رئيسية، وهي: “ظلّ رماديّ – ساعة القيامة – سروج.. مدينة الخيم – الخيمة.. قليل من الحبّ من انكسار – فجرٌ أحمرٌ – صورة، مسبحة، وقلادة”، كلّ فصل يتحدّث عن أفكار رئيسية وأخرى جزئية، قرأتها بتمعّن وعمق شديدين، وأيّ لاجئ كوردي أو سوري عندما يقرؤوها سيقرؤها بتمعّن وعمق، فالألم الأعمق والبليغ يكمن في الرواية من خلال الرقم (4365)، وهو رقم سيؤلم القارئ حتى النخاع، عندما يغوص في تفاصيل الخيمة 320.

في النهاية، وكنقد للرواية، أرى أنها تستحقّ القراءة، فالكاتب كان صانعاً ومبدعاً في إخراج روايته للنور، بأحداثها وتفاصيلها وشخصياتها وزمانها ومكانها، ولكي لا يقول أحد بأن الكاتب بالغ في بعض

الأحداث الصدفية، عليه أن يدرك أولاً أن سوريا بلد الحروب والغرابات والمصادفات، بواقعيتها أكثر من خياليتها، لا شيء مما يحدث فيه مستحيل، هذا الكلام هو للردّ على كل مَن سيتغرب من المبالغة التي سردها الكاتب في نهاية روايته، فمع السوريين عامّة والكورد خاصّة توقّع كلّ شيء.

وأضيف على هذه الرؤية الأدبية والنقدية، مقطعين من الرواية:
المصادفات لغة التائهين، المصادفة لا تأتي إلا حينما تنسى ما كنت تبحث عنه، لم أجد شخصاً يسجي عينيه قبل أن تطفو مصادفة على سيلان نهر حياته، مُرّة كانت أم قليلة المرارة، فالحبّ في الشرق مصادفة، والموت هنا مصادفة، حتى الحرب مصادفة، والغباء المتربّع على عروش ذاكرتنا المصابة بالزهايمر هو ما يجعلها مصادفة!

حينما يضعُ دفترَ الأحلام أمامَهُ ويحتار في أن يحذفَ أيّ صفحة أولاً، ومن أين يبدأ في تحطيم أولى السلالم، ثمّ يقرّر بعدها أن يؤجّل ذاك العمل ويتشبّث بآخر نقطة أمل، وهي تنجرف بقوّة نحو بحيرة مظلمة، حينما يعيش كآبة وتخبّطاً فظيعاً في أركان بنيته المتصلّبة، فكُن على يقين حينَها أنّك تتحدّث عن لاجئٍ بلا هويّة وبلا وطن وبلا موطِئ قدم، بلا تاريخ ولا حتّى جغرافيّة واضحة.

أيامُ اللاجئ تُشبه ليمونة ناضجة تدلّت من غصن أصابه غزو حشريّ، لا إن بقيَت تسلم ولا إن قُطفَت ستُعصر، دقائق ساعته لا تشبه الدقائق، فكُلّ ثانية تعادلُ عمراً وكلّ لحظة شبيهة بأليفة ممتدّة منذ ولادة البشر، الفرحُ محذوفٌ من حياةِ اللاجئ، والابتسامة نسيَت طريقَها إلى ثغره.

المقال السابقلعصر النهضة العراقي
المقال التالىالمتحف خاوي
شاعر وكاتب وصحفي سوري. من مواليد مدينة كوباني، ومقيم الآن في تركيا. عمل أستاذاً في اللغة العربية، في المدارس والمعاهد التعليمية الخاصة في المدينة. له نصوص شعرية، وقصص وخواطر أدبية، ومقالات سياسية وثقافية ورياضية نقدية، منشورة في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، منها كُردية وأخرى عربية. انت....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد