هل بُهِتَ الأمريكيون من تطورات الأحداث الاخيرة في العراق ؟!


 
هل بُهِتَ الأمريكيون من تطورات الأحداث الاخيرة في العراق ؟!

حتى نفهم محتويات الموقف الامريكي من التطورات السياسية الاخيرة في العراق مع التوجهات الامريكية فيه بصورة عامة ، لابد من عرض سريع ومبتسر الى حد تفرضه مساحة المقال لتاريخ الموقف الامريكي من العراق والرؤية الكامنة خلفه .

لوقت طويل وطوال فترة الحرب الباردة اعتبرت الولايات المتحدة الامريكية العراقَ ورقة زائدة ، وربما مزعجة ، في لعبة الامم التي كانت تديرها في المنطقة ولأسباب عديدة ، ذاتية تتعلق بالعراق نفسه او موضوعية تتعلق بظروف المنطقة التي لم تتمكن من استيعاب هذا البلد النشط ، او المشاغب ، الى حد اثار قلق دول الإقليم وحليفها الامريكي .

كان هنالك استثناءا لفترة محدودة خلال إدارتي ريغان وبوش الأب حيث تفوق فيها اللوبي الاقتصادي – الصناعي الامريكي على اللوبي الصهيوني في توجيه بوصلة السياسة الامريكية تجاه العراق وحصل خلالها انفصام واضح في توجهات أساسية لسياستي الطرفين تجاهه ، فقد ارادت الولايات المتحدة ان تجعل من العراق مركز ثقل لوجودها الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وهو موقف ترفضه اسرائيل بشكل حاسم و تقليديا منذ قيامها. دام هذا التوجه الامريكي للفترة منذ عام ١٩٨٤،وحتى الاول من أب عام ١٩٩٠، اليوم المشؤوم في تاريخ العراق الحديث .

جاءت فترة الحصار الاقتصادي بعد حرب الخليج الاولى ١٩٩١ ، وكانت السياسة السائدة هي إدامة الحصار الذي سيقود الى تفكك النظام او اضعافه بشكل جوهري في خاتمة المطاف ، على أمل ان يؤدي ذلك { وفقا لبعض السيناريوهات } الى نشوء نظام إقليمي بمعونة أمريكية يكون فيه للعراق مكان واضح في إطار خارطة موازنات قوة جديدة تؤمن ابقاء المصالح الامريكية الاساسية {اسرائيل – النفط – السلام لأمريكي Paxa Americana} بعيدة عن التهديد ، وهذه الافكار اعادت من جديد التوافق الامريكي الاسرائيلي حول السياسات بعيدة المدى في المنطقة . وفي تفاصيل المشهد المستقبلي رأى بعض مفكري الاستراتيجية الأمريكان دولة عراقية بقيادة شيعية معتدلة بديلا عن العراق العروبي الحارس للبوابة الشرقية للعالم العربي و تدين بالولاء المذهبي لمرجعية النجف الأشرف مقابل دولة ايران الشيعية التي يتوزع ولاءها الديني بين الولي الفقيه او قم والتي تطمح للتوسع في المنطقة عبر دعم التنظيمات الإرهابية او الأقليات الشيعية المسيّسة والتي يؤمل ان تحول عقولها وقلوبها نحو المركز الشيعي الأهم وهو النجف . هذه الرؤيا لم تكن اضغاث احلام بل حملها البعض الى داخل مراكز التفكير والتخطيط في داخل اجهزة الادارة خلال عهد جورج بوش الابن ولإزالت مادة حية في النقاشات .

جاء الاحتلال ثم تقرر إنهاؤه تحت وطأة كلفته في الأرواح والمال والتي طرقت أجراس الانذار في واشنطن لتعلن ان على الادارة البحث عن مخرج من أزمة اكتشفت الادارة ذاتها ان بعض خلايا اللوبي الصهيوني قد لعبت لعبتها من خلال البيروقراطيات التي تسللت خلف ستارة المحافظين الجدد وزجت بالبلاد في حرب لم يستفد منها احد سوى اسرائيل وإيران ، وذلك متزامنا مع وطأة الانهيار الاقتصادي وتحويل مركز الثقل الستراتيجي بجانبيه الاقتصادي والعسكري والمقيّدة بتحديدات الأزمة المالية نحو اسيا والباسيفيك الذي شهد نموا سريعا لقوة الصين التي بدت وكأنها تتحول الى قوة كبرى مناوئة ، حساب يبدو انه قد بدا يتراجع نسبيا خلال العامين الاخيرين بعد ان اتضح ان كلا من الولايات المتحدة والصين يعيشان في عصرين تكنولوجيين مختلفين وان المنافسة الساخنة قد حسمت لصالح منافسة باردة وقدر كبير من التعاون وفق حكمة صينية متبصرة .

لكن الخروج من العراق لم يكن سهلا مثل دخوله ، ففي ظل اجواء المقاومة الشرسة التي كانت تبديها فصائل المقاومة العراقية وبعضها شيعي توجب على امريكا ان تبحث عن تسوية مع ايران من جهة وان تبحث عن وكيل من عشائر المناطق السنية لمواجهة المقاومة وتأمين خروج أمن للقوات مع اتفاق ستراتيجي للتعاون الشامل يؤمن لامريكا إمكانية العودة للساحة العراقية عندما تقتضي الظروف . لقد أفلحت الجهود في الجانبين ، فوظفت ايران نفوذها على الفصائل الشيعية وتحديدا جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر فضلا عن إيقاف تدفق المقاتلين الأجانب عبر سوريا التي أصبحت مركزا لتجميعهم ومرورهم نحو العراق في المرحلة التي اعقبت الاحتلال ، كما أُنفقت بضع مئات الملايين من الدولارات لتأمين قوة من العشائر السنية سميت بالصحوات أفلحت في تهدئة عشائرها او قتل من تمرد من أفرادها .

جاء الأثر المباشر للاتفاق مع ايران متمثلا بدخول غير مشروط لها في جميع مفاصل الحياة في العراق وخاصة السياسية وتم تحويل مخرجات العملية السياسية الى الوجهة التي ترضي طموحات ايران وتعزز نفوذها على الأحزاب التي كانت تستظل برعايتها قبل الاحتلال كما تمت تنحية آية قوة منافسة محتملة سواء كانت احزاب غير دينية او ذات توجهات قومية عربية . لقد حمل المشهد الجديد ، بما تضمنه من تهميش لقوى ذات شان في الساحة الاجتماعية والسياسية ، مخاطره .. ففي ظله تنامت قوة تنظيم ثانوي قفز فجاة الى موقع صدارة الاسلام الراديكالي في المنطقة والعالم . انه تنظيم الدولة الأسلامية في العراق والشام والذي شق عصا الطاعة على تنظيم القاعدة الام وتشكل من جموع وقيادات أُخرجت او هُرّبت من سجون العراق وسوريا في عمليات لازالت موضع استغراب وتقصي .

بسط التنظيم هيمنته على اجزاء واسعة من العراق وسوريا وخاصة الموصل العراقية والرقة السورية مع ماتحملاه من قيمة ستراتيجية من حيث الموارد المالية والبشرية والجغرافية.

جاءت الاستجابة الامريكية ازاء مابدا من عجز عراقي عن إيقاف تقدم التنظيم نحو بغداد {رغم حشد عشرات الآلاف من المتطوعين لمواجهته بفتوى من المرجعية الدينية في النجف والذي استطاع احتواء الزخم الأول } بشكل عمليات جوية كثيفة وشحنات عاجلة من السلاح ثم بوحدات من القوات الخاصة لتقديم التدريب والإسناد وفي نهاية المطاف أفلحت الجهود المشتركة في انتزاع اجزاء هامة من المناطق التي سيطر عليها في اندفاعته الاولى تُقدَّر بحوالي ٤٠٪‏ وقد تخللتها عمليات قوات خاصة مشتركة مع قوات البشمركة ضد بعض مقرات التنظيم بجوار منطقة الحكم الذاتي ، وفي النهاية اصبح الوجود الامريكي يقدر بحوالي أربعة الآلاف جندي من قوات النخبة ووحدات مدفعية ووحدات صيانة وإدامة لعدد يبلغ ٨-١٠ طائرات اباتشي قتالية والباب مفتوح نحو المزيد .

التفاصيل كثيرة حول تطور الأحداث التي جرت خلال العامين المنصرمين الا ان الجديد الذي طرأ منذ وقت متاخر من العام الماضي هو القرار الامريكي والصادر من الرئيس اوباما مباشرة بانتزاع الموصل من التنظيم واعتبار ان معركة العراق ضد التنظيم هي معركة الموصل ، وستكون معركة للجيش العراقي وقوات الحشد الوطني “السني ” والبشمركٓة باسناد أمريكي وتركي وربما تشارك وحدات جوية خليجية في العملية دون مشاركة من الحشد الشعبي “الشيعي” . السبب في هذا القرار الامريكي كما يبدو رغبة الرئيس اوباما بان ينهي ولايته بإنجاز نوعي على صعيد معركة الولايات المتحدة ضد الاٍرهاب ولكن الملفت هي التوليفة المختارة لإنجاز المهمة واحتمال المشاركة الخليجية التي يتم الزج بها الان على صُعُدٍ اخرى في الوضع العراقي ومنها احتمال تنظيم نوع من مشروع مارشال خليجي لانتشال العراق من أزمته الاقتصادية التي تبدو دون أفق لاي حل وفق المعطيات الراهنة حيث تحجم المؤسسات المالية الدولية عن تقديم الدعم المطلوب بسبب قضايا تفشي الفساد فضلا عن عدم تحسن السوق النفطية العالمية وظهور بعض المؤشرات على احتمال تفكك الوضع السياسي تحت ضغط مطالبات الشارع المعيشية والخدماتية فضلا عن المطالبات بمحاسبة رموز الفساد وشيوع ظاهرة الاستثمار الانتهازي لمطالب الشارع المشروعة وبطريقة اقرب للعبث منها الى السياسة . هذا المآل للامور يتعارض تماما مع النوايا الامريكية بالشروع قريبا بالمعركة الحاسمة في الموصل مع ضرورة تكريس الجهد العسكري العراقي النظامي بكامله نحوها وهو هدف بدا متعذرا خلال الأيام القليلة الماضية مع قيام رئيس الوزراء العبادي باستدعاء بعض الوحدات العسكرية لحفظ الامن في العاصمة وحماية منشات الدولة ومقرات الحكومة الرئيسية التي تعرضت للاقتحام من فبل المتظاهرين والمعتصمين من التيارالصدري والتيارات المدنية والليبرالية واليسارية المتحالفة معه في الأحداث الاحتجاجية التي تجتاح البلاد والعاصمة بغداد منذ أب الماضي .

في الواقع تبدو الحكومة عاجزة بالكامل ازاء تعنت القوى الرئيسية في البرلمان التي يتعين المرور بها من اجل احلال حكومة تكنوقراط { لاندري من الذي طرح هذا الشعار وما هي مآلاته } وهذا العجز الحكومي شكل مصدر قلق كبير في واشنطن لذا زار بغداد اكبر ثلاثة مسؤولين امريكان خلال شهر واحد هم وزير الخارجية ووزير الدفاع ثم نائب الرئيس الذي تشير التسريبات الى انه حمل رسالة للحكومة العراقية تضمنت :

١- التاكيد على التزام الولايات المتحدة الامريكية بمبدأ الشراكة مع العراق .

٢- ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني العراقي لتأمين مشاركة شاملة في المعركة ضد داعش .

٣- العمل على تأمين توافق وطني شامل حول معركة الموصل .

٤- توجيه المسؤولين العراقيين للتوجه الى أقطار الخليج العربي لطلب المساعدة لتجاوز الأزمة العراقية الحالية .

٥- ضرورة اجراء إصلاحات اقتصادية وتأمين الاستقرار المطلوب .

وفي تصريحات حازمة نقلت عنه اعتبر ان الاضطرابات السياسية التي تشهدها الساحة السياسية العراقية توقع ضررا بالتقدم الجاد والملتزم بدحر داعش ، لكن مسؤولين اخرين من طاقمه أكدوا ثقة الجانب الامريكي بان الأمور تسير نحو التهدئة رغم قناعتهم بان المظاهرات التي يقودها مقتدى الصدر كانت ذات اثر سلبي على موقف القوات التي تواجه داعش في جبهات العراق .

تم التاكيد ايضا من الجانب الامريكي ان الولايات المتحدة ليست في وارد تقديم مساعدات مالية للعراق رغم انها بذلت الجهود مع منظمات الامم المتحدة لتأمين حوالى ٤٠٠ مليون دولار لتأمين اعادة النازحين الى المناطق المحررة ولكنها لاتستطيع تقديم شئ في الأزمة المالية ونصحت بالتوجه نحو الخليج وهذا له ثمنه السياسي والذي لايقدر على تأمينه ، ضمن نخبة الحكم الحالي ، غير حيدر العبادي الذي جرت في ولايته عملية انفتاح جوهرية على دول الخليج وخاصة السعودية وقطر والإمارات وحظي ذلك بتأييد أمريكي . اضافة لذلك فقد وعدت الحكومة الامريكية بأنها ستبذل الجهود في قمة السبعة خلال هذا الشهر في اليابان لإدراج موضوع اعادة إعمار العراق ضمن جدول أعمالها اضافة الى بذل المساعي لدى الدول الأوربية الكبرى للمساهمة في العملية .

هذه المخارج التي تطرحها الحكومة الامريكية لاتستطيع آية جهة في داخل منظومة الحكم العراقي تجاهلها كما تعجز آية جهة دولية عن منافستها ، فلا ايران تمتلك الموارد او التأثير في المجتمع الدولي ولا روسيا كذلك لتأمين حشد دولي لإنقاذ الاقتصاد العراقي وهذا يرتب مواقف سياسية جديدة . على العراق ان يعيد النظر جوهريا في منظومة علاقاته الدولية وان يؤسس شخصيته الدولية بعيدا عن المظلة الإيرانية التي صارت طابعا لسياسته الخارجية وكأنها نسخة مكررة لها .

هل سيتوقف القطار الامريكي عند حدود معركة الموصل ام ان هنالك توجهات جديدة وفرتها بيئة دولية جديدة توفر للولايات المتحدة إمكانات فائضة يمكن توظيفها مجددا في سياسة اكثر نشاطا انطلاقا من العراق ؟! هذا السؤال قد يبدو كبيرا وفي ظل الوضع الراهن قد يبدو افتراضيا لكنه ليس بعيدا عن بوادر تطورات قد تبدو صغيرة ومتواضعة لكنها تشكل بدايات عودة أمريكية قوية للمنطقة ومن خلال بوابة العراق والحرب النشطة ضد الاٍرهاب .

لا تعليقات

اترك رد